عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سناء حميد البياتي: مشروع مقترح لتحديث الدرس النحوي في ضوء نظرية الصفر اللغوي

أين تكمن مشكلة الدرس النحوي؟

لا خلاف في عظمة التراث النحوي العربي وما أنجزه علماؤنا الأوائل من جهود رائدة في وصف العربية وتقعيدها وحفظ نظامها. غير أن عظمة التراث لا تعني أن طريقة تنظيمه وتقديمه وتعليمه ينبغي أن تبقى على صورتها الأولى؛ فحاجات المتعلم قد تغيرت، والدراسات اللسانية الحديثة قدمت تصورات جديدة لطبيعة اللغة وآليات إنتاجها وفهمها. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة بناء القاعدة النحوية وتنظيمها وتعليمها، بما ينسجم مع طبيعة اللغة وحاجات المتعلم وما انتهت إليه الدراسات اللسانية المعاصرة.

إن الدعوة إلى تحديث قواعد النحو العربي ليست جديدة، فقد ظهرت منذ زمن بعيد محاولات متعددة لعلماء وباحثين سعوا إلى إعادة النظر في الدرس النحوي وتيسيره وإعادة تنظيمه، وأسهمت تلك المحاولات في فتح الطريق أمام التفكير في تجاوز بعض أوجه التعقيد في المنهج التقليدي.

ومن أبرز الداعين إلى تحديث الدرس النحوي أستاذي العلامة الدكتور مهدي المخزومي، ولا سيما في كتابه (في النحو العربي: نقد وتوجيه)، غير أن معظم تلك الطروحات على أهميتها، لم تنتظم تحت مظلة نظرية كلية تستوعب مختلف تفاصيل النظام النحوي وتقدم له إطارًا تفسيريًا موحدًا؛ ولذلك بقي جانب كبير من التقعيد والمناهج التعليمية مرتبطًا بالإطار التقليدي، ومستندًا إلى نظرية قديمة هي نظرية العامل.

ومن هنا يأتي هذا المقال محاولة لمواصلة تلك المسيرة، ولكن من خلال مشروع ذي إطار نظري قابل للتطبيق، يشمل الظاهرة اللغوية بجميع تفاصيلها، وتلك هي نظرية الصفر اللغوي التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقات النحوية انطلاقًا من المعنى الكلي للجملة والسياق، ثم الانتقال إلى أجزائها.

ما نظرية الصفر اللغوي؟

تنطلق النظرية من أن هناك مجموعة محدودة من القواعد الأساسية التي تشترك فيها اللغات، في حين يختلف ظاهر كل لغة باختلاف الطريقة التي تدير بها تلك القواعد وتنظمها وتطبقها من خلال آليّاتها اللغوية الخاصة. ومن ثم فإن اختلاف اللغات في صورتها الظاهرة لا يعني بالضرورة اختلاف الأسس التي تقوم عليها عملية إنتاج اللغة.

وعند تطبيق هذه الرؤية في اللغة العربية تظهر نتائج يمكن أن تسهم في تحديث المنهج النحوي، وأن تستكمل المسيرة التي بدأها الداعون إلى تجديد الدرس النحوي، ولكن بمنهج يقوم على تنظيم القواعد وفق نظرية تتبنى المعنى والوظيفة والسياق.

لماذا سُمّيت نظرية الصفر اللغوي؟

سُمّيت النظرية (نظرية الصفر اللغوي) لأن الصفر يمثل مرحلة البدء والانطلاق؛ فالصفر اللغوي هو المرحلة التي يبدأ منها تكوين الجملة في الذهن، ويبدأ فيها الربط بين مكوناتها تمهيدًا للانتقال إلى إنتاج جمل لا حصر لها، مترابطة مع بعضها، تناسب مقتضى الحال والسياق الذي يحتضنها، ثم يأتي علم النحو ليضع لها القواعد المناسبة لنظام إنتاجها.

وبذلك لا يكون الصفر فراغًا لغويًا ولا يعني العدم، وإنما هو مرحلة البدء والتأسيس الذهني التي تسبق تشكل البنية اللغوية الظاهرة.

من الكل إلى الجزء

توصلت نظرية الصفر اللغوي إلى تصور لآليّة تكوين الجمل في الذهن. وهذه الآليّة لا تبدأ بالكلمات لتصل منها إلى المعنى الكلّي، وإنما ينطلق الذهن من الفكرة الكاملة، ثم يربط بين أجزائها، ثم يختار الكلمات والصيغ اللغوية المناسبة لتحقيقها في صورة جملة أو جمل مرتبطة مع بعضها، في ضوء القواعد الأساسية التي تفصلّها النظرية. (ينظر: نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية، دار كنوز المعرفة، الأردن)، وهذا التصور يقود إلى مبدأ جوهري في النظرية، هو: الانتقال من الكل إلى الجزء، وليس من الجزء إلى الكل.

ويمثل هذا المبدأ أحد أهم الفروق المنهجية بين نظرية الصفر اللغوي والمنهج النحوي التقليدي؛ إذ يبدأ التحليل في المشروع المقترح من الوحدة الكلية ثم يتدرج إلى مكوناتها، بدلًا من أن يبدأ من الأجزاء المتفرقة ثم يحاول تركيب الكل منها.

ويكون التسلسل في التحليل على النحو الآتي:

النص - معناه الكلّي - أنواع الجُمل فيه - الروابط بين الجمل - الزمن المهيمن على النص والجمل في سياقها - معنى كل جملة - العلاقات النحوية بين أجزائها، كالفاعلية والمفعولية - تحديد زمن الفعل في ضوء السياق - علامات الإعراب.

وبذلك تصبح العلامة الإعرابية نتيجة لتحليل العلاقة والمعنى، لا نقطة البداية التي يُبنى عليها التقعيد.

مواضع نحوية بحاجة إلى التحديث

أولًا: إعادة ترتيب العلاقة بين المعنى والإعراب

من المبادئ الأساسية في نظرية الصفر اللغوي أن الإعراب والعلامات الإعرابية، من رفع ونصب وجر وجزم، رموز تشير إلى المعاني النحوية والوظائف التي تؤديها الكلمات في السياق.

أما في المنهج التقليدي فتجد أن العلامة الإعرابية محور مهم في تنظيم أبواب التقعيد؛ فتجمع المرفوعات في أبواب، والمنصوبات في أبواب، والمجرورات في أبواب، وتجمع موضوعات مختلفة تحت عنوان واحد بسبب اشتراكها في العلامة الإعرابية، مثل جمع كان وأخواتها، وجمع إن وأخواتها، وأدوات نصب الفعل المضارع وأدوات جزمه.

ولو لاحظنا الجُمل التي تشتمل عليها هذه الألفاظ لوجدناها مختلفة من حيث المعنى؛ فوجود ليس في مجموعة كان وأخواتها، ووجود لن مع أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن، ووجود ليت ولعل مع إن، وأن، وكأن، ولكن، يكشف اختلافًا واضحًا في المعاني التي تؤديها هذه العناصر، وإن اشتركت في بعض الخصائص الإعرابية.

أما في المنهج المقترح، فإن الاتجاه ينقلب: المعنى والوظيفة النحوية هما محور التقعيد، والعلامة الإعرابية تأتي نتيجة لهما ودليلًا عليهما.

وعليه، لا يكون السؤال الأول: ما العلامة الإعرابية لهذه الكلمة؟ وإنما: ما نوع الجملة التي تحتوي على هذه الكلمة؟ وما الوظيفة التي تؤديها في الجملة؟ وما العلاقة التي تربطها بغيرها؟ ثم تأتي العلامة الإعرابية لتدل على هذه الوظيفة حيث تكون ظاهرة أو مقدرة أو غير ذلك من صور النظام العربي.

ثانيًا: تعدد الدلالة الزمنية في الجملة العربية

في المنهج التقليدي تقسم الأفعال إلى ثلاثة: ماضٍ ومضارع وأمر. أما نظرية الصفر اللغوي فتوجه النظر إلى زمن الفعل من خلال السياق؛ لأن الصيغة الصرفية الواحدة قد تؤدي دلالات زمنية متعددة بحسب السياق.

وهذا لا يكشف فقط عن أهمية السياق في تحديد الزمن، وإنما يكشف كذلك عن ثراء اللغة العربية وقدرتها على التعبير مهما تعددت الدلالات الزمنية، وهو أمر تشترك فيه العربية مع لغات أخرى؛ فاللغة الإنجليزية، مثلًا، تستعمل صيغًا وتراكيب متعددة للتعبير عن فروق زمنية دقيقة، ومن ثم فإن تعدد الدلالة الزمنية في العربية ليس خروجًا عن طبيعة اللغات، بل هو مظهر من مظاهر ثرائها و قدرتها على التعبير عن المعاني الزمنية المتنوعة.

ومن أمثلة الدلالات الزمنية التي يمكن أن يؤديها الفعل في العربية بحسب السياق:

- الماضي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾.

- الماضي التام: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾.

- الماضي المستمر: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾.

- المستقبل المؤكد: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.

- الحاضر أو المطلق: تشرق الشمس من الشرق.

- المستقبل القريب أو البعيد: سيفوز فريقنا، أو سوف يفوز فريقنا.

فهذه الأمثلة تبين أن الدلالة الزمنية ينبغي ألّا تُفهم بمعزل عن السياق الذي ترد فيه الصيغة، وأن الصيغة الواحدة قد تتسع لدلالات زمنية مختلفة بحسب المقام والسياق.

ويمكن ملاحظة الفرق في معالجة الفعل في هاتين الآيتين الكريمتين:

 في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

يعامل الفعل (جاء) والفعل (أتى) في المنهج التقليدي بوصفه فعلًا ماضيًا بحسب صيغته، في أي سياق يرد فيه.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فإن التحليل ينظر إلى الزمن الذي يؤديه الفعل في سياقه؛ فالفعل (جاء) والفعل (أتى) هنا يؤديان دلالة المستقبل في السياق القرآني، ولذلك يمكن وصف كل منهما من جهة دلالته الزمنية بأنه فعل يدل على المستقبل المؤكد.

فلا يقال، بحسب نظرية الصفر اللغوي، إنه (فعل ماضٍ)، وإنما يقال: فعل، زمنه المستقبل.

وهذا يعني عدم ربط الزمن بصيغة الفعل في الاصطلاح، إذ يكفي أن يعرف الطالب أنه فعل، ثم يحدد زمنه حسب السياق الذي يرد فيه.

وهنا يبرز الفرق بين النظر إلى الصيغة وحدها، وهي مجردة من سياقها، والنظر إلى الصيغة في سياقها وحسب معناها.

ثالثا: موضوعات بحاجة إلى إعادة النظر في تحليلها

1- العلاقة الوظيفية بين ركني الإسناد

مثال: زيدٌ نجحَ

بحسب التحليل التقليدي القائم على نظرية العامل:

زيد: مبتدأ مرفوع.

نجح: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر تقديره «هو».

والجملة الفعلية (نجح) في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى العلاقة بين الركنين في ضوء الوظيفة التي يؤديها كل ركن:

زيد: فاعل مقدم.

نجح: فعل، زمنه الماضي.

ومثل ذلك: الطلاب نجحوا.

في المنهج التقليدي:

الطلاب: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.

نجحوا: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة.

الواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.

والجملة الفعلية في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي:

الطلاب: فاعل مقدم مرفوع وعلامة رفعه الضم.

نجحوا: فعل، زمنه الماضي، والواو لاحقة تشير إلى أن الفاعل جمع مذكر.

ومثل ذلك الألف في «الطالبان نجحا»، والنون في «الطالبات نجحن»؛ فكل ما اتصل بالفعل إنما هو لواحق تشير إلى الفاعل المتقدم.

مثال قرآني في بناء الجملة

في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ.... علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾

يختلف التحليل بين النظريتين.

في المنهج التقليدي، القائم على نظرية العامل، يقال:

إذا: أداة شرط غير جازمة لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسره الفعل المذكور، والتقدير: إذا انفطرت السماء انفطرت. (هنا يٌفرض على النص كلمات لا وجود لها في واقع الآية)

انفطرت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، مؤكد للفعل المحذوف.

التاء: تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى الجملة في بنائها الظاهر والعلاقة المعنوية بين كلماتها في السياق:

إذا: أداة شرط لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل مقدم مرفوع.

انفطرت: فعل، زمنه المستقبل بالنظر إلى السياق.

التاء: لاحقة دالة على الفاعل المؤنث.

وبذلك يُستغنى عن افتراض الحذف والتقدير حين لا تكون هناك حاجة إليه في تفسير العلاقة القائمة بين الكلمات في الجملة.

2-  إعادة النظر في معالجة «كان وأخواتها»

لنأخذ مثالين:

كان زيدٌ معلمًا.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ.

بحسب نظرية العامل والمنهج التقليدي، تعد كان وأخواتها أفعالًا ناقصة تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع الأول ويسمى اسمها، وتنصب الثاني ويسمى خبرها.

فإذا كان الخبر فعلًا، يعرب الفعل على أن فاعله ضمير مستتر تقديره «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. وهذا يعني تقدير ما لا حاجة لتقديره لأنه مذكور في الجملة.

أما بحسب نظرية الصفر اللغوي، فإن الاتجاه يكون نحو المعنى الذي تؤديه هذه العناصر في الجملة وفي السياق.

وينظر إلى كان وأخواتها، باستثناء (ليس لاختلاف وظيفتها الدلالية)، بوصفها موجّهات للزمن؛ لأنها في الغالب لا تتضمن في بنائها حدثًا مستقلًا وحدوثًا، ولكن وجودها في الجملة يوجه زمن الفعل الذي ترافقه هذه الألفاظ.

والزمن يهيمن على الجمل، أيا كان نوعها، سواء أكانت جملًا فعلية أم جملًا اسمية.

كان زيدٌ معلّمًا: جملة خبرية، زمنها الماضي لوجود «كان». زيد: مخبر عنه أو مسند إليه مرفوع. معلّمًا: خبر منصوب.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ : (كان يعلّم) فعل، زمنه الماضي لاقترانه بـ«كان». زيد: فاعل مرفوع. الأولاد: مفعول به منصوب.

وهنا يتم التعامل مع (كان يعلّم) على أن هذين الجزأين يعبران عن فعل واحد لا يصح فصله عند التحليل.

ومثل ذلك: أمسى المريضُ يتألمُ.

المريض: فاعل مرفوع.

أمسى يتألم: فعل، زمنه الماضي وقت المساء.

إذن «أمسى» توجه زمن الحدث إلى الماضي المرتبط بوقت المساء.

وهكذا يصبح التقعيد قائمًا على الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة وفي السياق، أي على المعنى، لا على مجرد إدراج هذه الأدوات في باب واحد بسبب العلامات الإعرابية.

3-  إعادة النظر في أفعال المقاربة والشروع

مثال: كاد الطفلُ يغرقُ.

في المنهج التقليدي، بحسب نظرية العامل:

كاد: فعل ماضٍ مبني على الفتح.

الطفل: اسم كاد مرفوع بالضمة.

يغرق: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الطفل.

والجملة الفعلية في محل نصب خبر كاد.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فما سمي أفعال المقاربة والشروع لا ينظر إليها على أنها أفعال؛ لأنها لا تتضمن الحدث والحدوث اللذين هما ركيزة البناء الفعلي، وإنما هي ألفاظ توجه حدوث الفعل المقترنة به، فتوجهه نحو المقاربة أو نحو الشروع.

لذلك لا تفصل (كاد (عن (يغرقُ) في مثل هذه الجملة، وإنما تحلل على النحو الآتي:

كاد يغرق: فعل قريب الحدوث، زمنه الماضي.

الطفل: فاعل مرفوع.

وبذلك تنتقل المعالجة من حفظ أبواب وتصنيفات قائمة على العمل الإعرابي إلى فهم الوظيفة التي تؤديها الكلمة داخل المعنى الكلي للجملة.

4-  إعادة النظر في دراسة الجمل المنفية والأدوات

في المنهج التقليدي، وحسب نظرية العامل، توزعت دراسة الجمل المنفية بين أدوات جزم الفعل المضارع، وهي كثيرة وسياقاتها متنوعة ومختلفة من حيث المعنى، ومن هذه الأدوات (لم) ، أما (لن) فجاءت مع أدوات نصب الفعل المضارع، وهي كثيرة أيضًا وسياقاتها مختلفة من حيث المعنى .

وهذا يعني أن المنهج التقليدي جمع أدوات لا يربطها رابط معنوي، وكل ذلك بسبب التركيز على العلامة الإعرابية وجعلها محور التقعيد.

فقد جمع المنهج التقليدي (لن) مع (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن) على أنها أدوات نصب الفعل المضارع، فيضطر الطالب إلى حفظها، والحفظ، إن لم يكن مقترنًا بالفهم النابع من واقع اللغة، سرعان ما يُنسى.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فتدرس الجمل المنفية وكل ما يتعلق بها في موضوع واحد:

لا يكذبُ زيدٌ: النفي في الحاضر والمطلق.

لم يكذبْ زيدٌ النفي في الماضي.

لن يكذبَ زيدٌ : النفي في المستقبل.

وبذلك يكون اختلاف العلامات الإعرابية على الفعل إشارة إلى اختلاف المعنى.

أما (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن)، بعد إخراج (لن) من المجموعة، فهي أدوات ربط بين عبارتين لتتألف منهما جملة واحدة ، نحو : يدرس الطالب كي ينجح ، يسرني أن تنجح.

أو ربط بين جملتين في سياق بين متكلم ومتلق، كقولك: يقرأ زيدٌ كثيرًا، فيكون التعقيب من المتلقي: إذن ينجحَ. وكذا باقي أدوات الربط، والفعل المرتبط يكون منصوبًا.

وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالطريقة نفسها، من حيث النظر إلى معنى الجملة في سياقها، ثم الوظائف التي تؤديها الكلمات داخل الجملة من أجل تحقيق المعنى المقصود، وتكون العلامات الإعرابية إشارات إلى اختلاف الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة.

نحو مشروع قابل للمناقشة والاختبار

إن القصد من هذا المشروع ليس إلغاء التراث النحوي، ولا إنكار ما أنجزه علماؤنا، وإنما إعادة النظر في مسار بناء القواعد وتنظيم أبوابها وتعليمها بالطريقة التي تناسب فكر الدارسين في العصر الحديث، والإفادة مما توصلت إليه الدراسات اللسانية الحديثة في توجيه النظر إلى المعنى والسياق والوظيفة النحوية، وتأتي العلامة الإعرابية في موقعها الطبيعي بوصفها رمزًا ودليلًا على تلك الوظائف.

وإذا كان تحديث النحو العربي قد شغل عددًا كبيرًا من علمائنا وباحثينا، فإن الحاجة اليوم تبدو مهيأة للانتقال إلى مرحلة اتخاذ القرار بشأن التحديث واختبار نظرية الصفر اللغوي بوصفها نظرية قادرة على تقديم منهج متكامل يعدّل مسار المنهج التقليدي في المواضع التي باعد فيها بين القاعدة والمعنى والوظيفة التي تؤديها الكلمات في سياقها، مع الأخذ بالمقترحات البناءة لسد الثغرات إن وجدت.

ومن هنا أقترح أن يناقش الأساتذة المتخصصون في اللسانيات العربية وغير العربية هذا المشروع، وأن تضم اللجنة العلمية متخصصين في النحو واللسانيات العربية إلى جانب متخصصين في لسانيات اللغات الأخرى، بما يتيح مقارنته بالمناهج النحوية المعروفة في اللغات الأخرى، وبيان مدى صلاحيته للإسهام في تحديث قواعد اللغة العربية وإعادة بناء مناهج تعليمها.

فاللغات، على تنوعها واختلاف تفاصيلها، سواء أكانت لغات معربة أو غير معربة، أو اشتقاقية أو غير ذلك، تشترك في منطق موحد هو التعبير عن المعاني، ومن هنا تأتي أهمية إخضاع المشروع للمناقشة العلمية والمقارنة والاختبار.

إن عزوف الطلبة عن تعلم العربية، بل والتندر على بعض قواعدها في قولهم (كان وأخواتها وبنات عمها وبنات خالاتها)، يقتضي فتح باب الدراسة والمناقشة لهذا المشروع، والبحث في إمكان بناء درس نحوي يجعل القاعدة وسيلة للفهم لا غاية قائمة بذاتها.

والغاية ليست استبدال نظرية بنظرية لمجرد الرغبة في التغيير، وإنما الوصول إلى منهج علمي أكثر اتساقًا مع طبيعة اللغة:

يبدأ من الكل إلى الجزء، ومن المعنى إلى الوظيفة، ومن الوظيفة إلى العلامة، ويجعل القاعدة وسيلة لفهم اللغة لا غاية قائمة بذاتها.

والله عزّ وجل من وراء القصد.

***

د. سناء حميد البياتي

في المثقف اليوم