فرش اشكالي: في الفلسفة الزرادشتية النار تجسد الحقيقة والنور والنظام الكوني، هي الوسيط بين عالم المادة وعالم الروح، ترمز إلى الحضور الإلهي في العالم، وهنا تتقاطع الزرادشتية مع فلسفة هيراقليطس فالنار عنده عنصر تحول دائم، نار لكل شيء وكل شيء للنار، نار حية أبدية تشتعل بمقادير وتنطف بمقادير
من هنا تولد المفارقة التي تشغلنا، النار التي سرقها بروميثيوس من الآلهة، والتي كانت ترمز الى نور المعرفة والدفء والحضارة- المحرقة المحركة والفاعلة- تنقلب اليوم إلى نقيضها من وسيط للتطهير والتجديد إلى أداة عمياء للإبادة، لم تعد مقدسة بل صارت مدمرة يتجلى ذلك في حرائق الغابات في عصرنا هذا.
مع نهاية شهر أوت 2026، لم تكن الصور التي تناقلتها الوسائط الإعلامية من جيجل وبجاية وولايات أخرى من الشرق الجزائري ومناطق اخرى مجرد أخبار عابرة تقرأ وتنسى، بل كانت صورا صادمة ومفجعة، سفوح جبال بأكملها تحولت إلى كتلة سوداء دخانية، قتلى وجرحى، ورجال يخوضون معركة غير متكافئة أمام جدار من اللهب لا يرحم. تصدرت هذه المشاهد المؤلمة الرأي العام أياما، وتفاعل معها الناس بمزيج من الغضب والحزن والعجز وفي نفس الوقت بقيم المواساة والتضامن والتراحم. لكن ما إن نتأمل هذا المشهد الجزائري المحلي، حتى نكتشف أنه ليس استثناءً معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة تمتد عبر العالم كله. فقبل ثمانية أعوام، وتحديدًا في الثامن من نوفمبر 2018، محيت مدينة "بارادايس" الأمريكية بأكملها عن الخريطة في أقل من ست ساعات. مدينة راقية بنيت على ثقة عمياء بأن التخطيط العمراني الحديث والتقنية كافيتان لإبعاد شبح الكارثة. والمشهد نفسه تكرّر أيضًا في غابات الصنوبر السويدية، في مستنقعات بريطانيا، وفي إندونيسيا وأستراليا بل وحتى في غرينلاند. ومن الشرق الجزائري إلى كاليفورنيا، ومن السويد إلى إندونيسيا أنظمة سياسية مختلفة، ثقافات مختلفة، لكن ثمة سؤال يتردد: كيف يعقل أن يظل الإنسان، بكل ما يملكه من علم وتقنية وطائرات إطفاء، عاجزًا أمام قوة النار؟
يمكننا أن نفهم هذه اللحظة بالمعنى الذي أعاد به الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر قراءة الكلمة اليونانية أليثيا (ἀλήθεια)، التي تعني "اللا-احتجاب" وتترجم تقليديا بـ"الحقيقة". فالحقيقة عند هيدجر حدث انكشاف: لحظة يخرج فيها الوجود من تحت "احتجابه" المعتاد، فنرى الأشياء كما هي حقا بعد أن كانت مستورة بطبقة من الألفة والروتين. والحرائق الهائلة، من هذا المنظور، لحظة انكشاف قسري تسقط الحجاب عن علاقتنا بالطبيعة، وترغمنا على رؤية بنية مريضة كانت كامنة فيها طوال الوقت. فالنار هنا لا تحرق الأشجار فحسب، بل تحرق الوهم.
حين نرى صور الغابات وهي تحترق على شاشاتنا، نميل إلى قراءة المشهد بوصفه كارثة بيئية بحتة، أشجار تفنى، حيوانات تنفق، هواء يتلوث. لكن وراء هذا المشهد المأساوي يكمن سؤال أعمق بكثير، سؤال فلسفي في جوهره: ما الذي تخبرنا به هذه الحرائق الكبرى عن طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة؟ إن حرائق الغابات المعاصرة، كما تشير إليها بعض الأعمال الفلسفية الحديثة، ليست حدثا طارئا أو عرضيا، بل هي عرَض لمرض أعمق يصيب المجتمعات الصناعية في علاقتها بالعالم الطبيعي فحتى لو أعيد غرس الأشجار من جديد، تبقى الخسارة غير قابلة للتعويض، لأننا لا نخسر غابة فحسب حين تحترق، بل نخسر معها شيئًا من علاقتنا القديمة بعنصر ظل على الدوام مزيجًا من الفتنة والخطر، من وهم السيطرة والخوف من الفناء.
الفيلسوفة الفرنسية جويل زاسك، في كتابها حين تحترق الغابة (2019)، تضيف تصحيحًا حاسمًا وموجعا: النار تغير كل شيء، لكننا نحن لا نتغير. فالحريق يحدث تحولا وجوديا جذريا في الأرض في غضون ساعات، بينما تبقى ردودنا عالقة في المنطق نفسه منذ عقود: المزيد من الطائرات، والمزيد من المواد والوسائل، والمزيد من "جنود النار". هذا التناقض الصارخ بين عالمٍ يتغير بسرعة النار وذهنياتٍ متجمدة بسرعة الجليد هو جوهر الأزمة التي يحاول هذا المقال مساءلتها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسفة إذن ليس لماذا تحترق الغابات؟ السؤال الأكثر إحراجا هو: ماذا لو كان بعض ما نسميه اليوم كارثة طبيعية هو في جزء منه، نتيجة مباشرة لطريقة تدخلنا نحن في الطبيعة؟ وكيف يمكننا أن نواجه هذه الأزمة، لا بمزيد من الانتصار على النار، بل بعقل جديد يتيح لنا العيش معها دون أن تكون كارثتنا الدائمة؟
من التعايش إلى إعلان الحرب على النار
ثمة شيء بدائي يستيقظ فينا أمام مشهد حرائق الغابات، تلك الرهبة القديمة التي وصفها الفيلسوف غاستون باشلار حين تحدث عن "القوة القاتلة والمدمرة" للنار، ففي كتابه التحليل النفسي للنار (1938)، اكد أن علاقتنا بالنار ليست معرفة موضوعية خالصة، بل مشبعة بطبقات من الرغبة والخوف اللاواعيين. من بين "العقد" النفسية التي حدّدها، “عقدة بروميثيوس" وتعني الرغبة في معرفة ما حرمنا معرفته"، و"عقدة إمبيدوكليس" وهي الانجذاب الغامض نحو الفناء الذاتي بالنار ، و"عقدة نوفاليس" أي ربط النار بالحرارة الحيوية والرغبة الجسدية. هذه التحليلات تذكرنا بأن خوفنا من الحرائق الهائلة ليس خوفا عقلانيا محضًا من خسارة مادية، بل يستدعي طبقات أعمق من مخيلتنا الجماعية حول النار كقوة "مقدسة" ومرعبة في آن واحد
تاريخيا لم يبدأ الإنسان الحديث بخوف جديد من النار، فقد عرف خطرها منذ أقدم العصور. وما تغير واقعيا ليس المعرفة بالنار ، بل العلاقة ذاتها فمن علاقة قائمة على الحذر والتدبير والمعرفة العملية، إلى علاقة قائمة على السيطرة والإلغاء، فمنذ الاف السنين لم تكن النار عدوا مطلقًا بقدر ما كانت قوة يتعلم الإنسان توجيهها ومراقبتها، كانت الحرائق الصغيرة جزءا من دورة الأرض، يشعلها الإنسان أحيانا عمدا لتنظيف المراعي وتجديد الغطاء النباتي. لم يكن ذلك يعني السيطرة على الطبيعة، بل إدراكا عمليا بأن العيش داخل نظام بيئي يعني التعامل مع قواه، لا تخيل إمكانية إلغائها.
غير الحداثة أدخلت إلى هذه العلاقة وهما جديدا، وهم السيطرة الشاملة. فكلما تقدمت الدولة الحديثة وتطورت معارف الانسان العلمية وازدادت قدرة التقنية على القياس والمراقبة، أصبحت الغابة شيئًا يمكن تصنيفه وترقيمه وإدارته، الأشجار صارت موردا، والأرض مساحة قابلة للتخطيط، والنار حادثا ينبغي منعه بالمطلق. ومن هنا ولد "المركب الصناعي للنار"، وهي منظومة ضخمة من الطائرات والمروحيات والمواد المثبِطة، تستنزف فيها موارد هائلة. والمفارقة أن هذا المركب، بقدر ما يقاوم النار، يخلق في الوقت نفسه فرصًا جديدة للربح، فينتج حلقة مفرغة: كلما تضاعف الاستثمار في "حرب النار"، تراجع الاستثمار في مساءلة الشروط التي تجعلها كارثية أصلاً. فالطائرة لا تستطيع أن تمنع جفاف الغابة، والمروحية لا تستطيع أن تعيد ترتيب علاقة المدينة بالغابة. يمكن للتقنية أن تتدخل في لحظة اندلاع الكارثة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج الشروط التي جعلت هذه الكارثة ممكنة أصلًا، تراكم الوقود النباتي، وتمدد العمران، وتغيّر المناخ، وطريقة إدارة الغابات كل ذلك يبقى غالبًا خارج مركز اهتمامنا.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين منطقين، منطق الصناعة الذي يسأل كم طائرة نحتاج وكم رجل إطفاء....الخ، ومنطق الثقافة الذي يسأل أسئلة أعمق: لماذا تراكمت الأغصان اليابسة، والأعشاب وبقايا الأشجار والمواد القابلة للاشتعال في الغابة؟ لماذا بني هذا الحي هنا بالذات؟ لماذا اختفت الممارسات المحلية التي كانت تدير النار بحكمة؟ من يعرف هذه الأرض فعلًا؟ الأول يبحث عن الانتصار في المعركة؛ والثاني يبحث عن الشروط التي تمنع تحوّل النار إلى كارثة من الأساس.
وهذا السؤال عمن يعرف الأرض يقودنا مباشرة إلى منطقة أكثر إظلامًا في تاريخ النار: اللحظة التي لا تعود فيها الغابة مجرد فضاء بيئي، بل تصبح أيضًا فضاء للسلطة. فمن يحدد كيفية إدارة الغابة؟ من يملك حق إشعال النار أو منعها؟ وماذا يحدث حين تتحول قواعد حماية الطبيعة نفسها إلى أداة للسيطرة على من يعيشون في هذه الأرض ومنها؟ لا نحتاج إلى البحث بعيدا عن إجابة: يكفي أن نعود إلى الجزائر في القرن التاسع عشر، حيث تكشف لنا أرشيفات حرائق الغابات أن الحرب على النار كانت، منذ وقت مبكر جدًا، قادرة على أن تتحول إلى حرب على الأرض وعلى الناس أيضًا.
الغابة والاستعمار شهادة من الأرشيف الجزائري
ثمة وثيقة تُلقي ضوءًا إضافيًا على هذا التاريخ، وتمنحه بعدا سياسيا صريحًا تقرير رسمي صدر عام 1882 عن الحكومة العامة للجزائر تحت عنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881"، وما تكشفه هذه الوثيقة هو أن السؤال عن أسباب حرائق الغابات لم يكن يوما سؤالًا تقنيا محايدا، بل كان دوما سؤالًا سياسيًا بامتياز.
فقد جنحت لجان التحقيق الاستعمارية، في أغلب تقاريرها، إلى تحميل السكان مسؤولية الحرائق، مستحضرة فرضيات "التآمر" و"العصيان"، متجاهلة عاملًا أكثر جوهرية: أن السلطات الاستعمارية نفسها كانت قد منعت ممارسة "الإحراق الموجَّه" التي توارثها الفلاحون والرعاة الجزائريون منذ أجيال لتنظيف الغابات وتجديد المراعي. وقد أدى هذا المنع، بحسب بعض شهادات المسؤولين المحليين أنفسهم آنذاك، إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما كان مقصودًا، تكاثفت الأحراش، وتراكم الوقود النباتي القابل للاشتعال، فازدادت الحرائق اتساعًا حين اندلعت.
والأخطر أن نتائج حرائق 1881 لم تبق حبيسة التوصيف: فقد أفضت، بحسب وثائق أرشيفية لاحقة، إلى فرض غرامات جماعية ومصادرة أراضٍ على الجماعات الأهلية التي اعتبرت مسؤولة أي إلى عقاب جماعي بمنطق استعماري صرف. هذه الحلقة التاريخية تُبرهن مبكرًا على الأطروحة المركزية نفسها: أن "الحرب على النار" ليست موقفًا محايدًا من الطبيعة، بل غالبًا ما تكون غطاء لصراع على الأرض والسلطة والموارد. فحين منعت ثقافة النار المحلية باسم الحداثة الاستعمارية، لم تقضَ الحرائق، بل ازدادت ضراوة وهو درس لا يزال صداه يتردد اليوم كلما جرى التعامل مع الغابة بمنطق إداري بحت، منفصل عن معرفة الناس الذين يعيشون بجوارها.
مفارقة الاقتراب من الطبيعة
من أكثر جوانب هذه الأزمة إثارة للسخرية المأساوية أن جزءا من تفاقم خطر الحرائق الهائلة لا ينبع من الابتعاد عن الطبيعة، بل من الرغبة في الاقتراب منها. فقد تزايد في العقود الأخيرة، خصوصا في أمريكا الشمالية وأستراليا وأجزاء من أوروبا المتوسطية، بناء المنازل مباشرة داخل الغابات أو على أطرافها، تحقيقا لحلم "المنزل وسط الطبيعة".
لكن هذا الاقتراب الجغرافي لا يعني تعايشًا حكيمًا؛ بل يخلق ما يُعرف بـ"الواجهة بين البرية والعمران"، منطقة شديدة الهشاشة يجتمع فيها وقودان قابلان للاشتعال: الغطاء النباتي الكثيف من جهة، والمنازل والمركبات وخزانات الوقود من جهة أخرى. وحين تندلع النار هناك، تتضاعف الخسائر البشرية، وتصبح عمليات الإخلاء أشد خطورة.
هذه المفارقة تكشف تناقضًا فلسفيًا أعمق: فنحن نسعى إلى "امتلاك" قطعة من البرية بوصفها مشهدًا نستهلكه بصريًا وعاطفيًا، لكننا حين نفعل ذلك بمنطق السوق العقاري والرغبة الفردية لا بمنطق العناية الجماعية، نُحوّل حلم القرب من الطبيعة إلى أحد أخطر أسباب هشاشتنا أمامها.
من الأنثروبوسين إلى البيروسين
ثمة بعد آخر كثيرا ما يغفل، البعد الوجودي والنفسي. فحين تحترق غابة، لا يفقد منظر طبيعي فحسب، بل يفقد نسيج كامل من العلاقات بين الأفراد وبيئتهم. إن ما يعيشه الناجون هو صدمة لا رجعة فيها، شعور بأن المكان الذي كان مأهولًا أصبح فجأة غير صالح للسكن.
وهذه الصدمة لا تقتصر على البشر حيث تروي شهادات الناجين من حرائق كبرى، كحريق أونتاريو الكندي عام 1916 أو حريق "كامب فاير" في كاليفورنيا، مشاهد يصعب نسيانها: طيورا تتساقط من السماء كالمطر اختناقًا بالدخان، حيوانات أليفة تفقد كل غريزة نجاة فتركض نحو ألسنة اللهب. هذا التطابق بين ارتباك الإنسان وارتباك الحيوان يشي بأن ما يدمر ليس مجرد ممتلكات، بل شبكة كاملة من "المعرفة بالمكان" التي يتقاسمها كل كائن حي نشأ فيه. وهذا التناقض بين عمق تجربة الضحايا وجهل الرأي العام به يستحق تأملًا أخلاقيًا مستقلًا.
ثمة خسارة أعمق أيضًا، خسارة المستقبل نفسه. فالمنظر الطبيعي ليس ذاكرة للماضي فقط، بل أفق مفتوح على احتمالات لم تستكشف بعد. حين يمحى هذا المنظر، ينقطع خيط الاستمرارية الذي يصل الأجيال، فلم يعد بإمكاننا أن نصطحب أبناءنا إلى الأماكن التي شكّلت طفولتنا. حين يفقد المكان أفقه الزمني، يتوقف عن أن يكون "عالمًا" بالمعنى الكامل للكلمة.
يقترح بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم المؤرخ ستيفن باين، أن نعيد تسمية عصرنا، فبدلا من "الأنثروبوسين" (عصر الإنسان)، ربما يكون من الأدق الحديث عن "البيروسين" (عصر النار)، إذ إن العلاقة التبادلية بين الإنسانية والنار تمتد لمئات آلاف السنين. فالنار ليست خارجة عن الإنسان، بل جزء من تاريخه البيولوجي والثقافي معًا.
ويميز باين بين أربعة أنواع من النار: الحرائق "الطبيعية" الناشئة عن الصواعق؛ والحرائق "الأصلية" التي يشعلها الإنسان عمدًا بشكل موجَّه، وهي ممارسة تعود إلى الإنسان المنتصب قبل نحو مليوني عام؛ ثم الحرائق "الصناعية" الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري؛ وأخيرًا "الحريق الهائل"، الذي توصف أحيانًا بـ"الوحش" لضخامته وسرعة انتشاره. وهذا التمايز مفتاح فلسفي لا مجرد تصنيف تقني: فبينما صممت طائرات الإطفاء لمواجهة الحرائق العادية عند مستويات شدة معينة، تتجاوز الحرائق الهائلة هذه العتبات بأضعاف مضاعفة، حتى يستحيل إخمادها بأي وسيلة تقنية، ولا تنطفئ إلا لأسباب طبيعية بحتة. ومن هنا يصبح من الضروري فلسفيًا التمييز بين الحرائق الموجَّهة والمُتحكَّم فيها، التي مارسها الإنسان منذ آلاف السنين لأغراض معيشية، وحرائق كبرى ناتجة عن منطق المضاربة والربح .
من اللافت أن تسعة وتسعين من كل مئة حريق هائل، بحسب الإحصاءات التي تستند إليها زاسك، من صنع الإنسان، إما عن إهمال، أو سوء تدبير، أو فعل إجرامي متعمَّد. من هنا تتحدث الفيلسوفة عن دخولنا "عصر الحرائق"، عصر لا يمكن فيه الاكتفاء بموقف واحد من موقفين متطرفين شائعين: إما تقديس النار بوصفها عنصرًا "طبيعيًا" لا ينبغي المساس به، أو محاربتها بكل ما أوتينا من تقنية باسم السيطرة الكاملة. كلا الموقفين، في نظرها، سقطة في وهم واحد: وهم إمكانية فصل الإنسان عن النار فصلًا تامًا.
البديل الذي تقترحه زاسك هو "ثقافة النار"، أي مجموع المعارف والممارسات التي طوّرها على مدى أجيال كل من يتعامل يوميًا مع النار بوصفها أداة تدبير لا عدوًا مطلقا، الفلاحون ورعاة الماشية الذين يستخدمون الحرق الموجه لتجديد المراعي، وحراس الغابات الذين يعرفون متى تترك النار تأخذ مجراها ومتى يجب إيقافها. هذه "الثقافة" وسيطة بين القداسة والعداء، وهي في جوهرها موقف فلسفي، الاعتراف بأن العيش المشترك مع عنصر خطير لا يكون بإنكار خطورته ولا بمحاولة إلغائه، بل بتعلّم التعايش الحذر معه.
حريق غابة فونتينبلو
في شهر جويلية 2026، اجتاح حريق هائل غابة فونتينبلو جنوب باريس، ملتهما أكثر من ألفي هكتار، في مشهد استدعى تدخل طائرات "كانادير" ومروحيات الحماية المدنية، بل ودفع مزارعي المنطقة إلى المساهمة بملء خزانات المياه. والمفارقة الصادمة أن أحد المتورطين في إشعاله كان، بحسب ما كُشف لاحقًا، رجل إطفاء متطوعًا نفسه.
هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة نقطة أساسية، أن جزءا من الحرائق لا يندلع بدافع مصلحي، بل بدافع "الهوس بإشعال النار" بوصفه اضطرابًا نفسيًا معقدًا، يجد صاحبه فيه لذة اندفاعية خالصة في مشهد الاشتعال ذاته. وقد لاحظ باشلار أن هذا النوع من "المجرمين" هو الأكثر تخفيًا بين كل المجرمين، إذ يبدو الفعل بسيطًا (عود ثقاب، قليل من الوقود الجاف) بينما نتائجه كارثية وغير متناسبة إطلاقًا مع بساطة الوسيلة. وحين يلتقي هذا الاضطراب الفردي بظروف مناخية متفاقمة من جفاف وحرارة، تتضاعف "فرصة" الفعل الهوسي، بحيث يتحول تغيّر المناخ نفسه إلى محفّز غير مباشر لتفشيه. وهذا يعيد تأكيد فكرة مركزية: أن الحرائق الهائلة، بسبب الفجوة بين ضآلة الفعل المسبِّب وهول الدمار الناتج، أصبحت أقرب إلى "أسلحة دمار شامل" لا تستهدف حياة البشر مباشرة، بل تستهدف المناظر الطبيعية ومقومات العيش المشترك.
نحو عقد اجتماعي جديد مع الطبيعة
الخلاصة الفلسفية التي يمكن استخلاصها من كل ما سبق ليست دعوة إلى الهيمنة على النار عبر الحرب الشاملة عليها، ولا دعوة إلى استعادة ماضٍ استنفدت وظيفته البيئية. فكلا الموقفين لم يعودا صالحَين لمواجهة واقع اليوم. البديل هو التفكير في إمكانية "أنسنة" الطبيعة والغابة دون أن تصبح "متمحورة حول الإنسان"، أي الاعتراف بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من النظام البيئي، فاعل فيه ومتأثر به في آن واحد، دون أن يختزل هذا النظام إلى مجرد أداة في خدمته.
هذا يستدعي عقدًا اجتماعيًا جديدًا، عقدًا يستدعي إقامة علاقات حوارية مع الطبيعة، وحماية مشتركاتنا الطبيعية على مختلف المستويات — من الغابة المحلية إلى الغلاف الجوي للكوكب بأسره.
إن حرائق الغابات الكبرى، حين نتأملها فلسفيا، تكشف عن أزمة أعمق من كونها مجرد أزمة مناخية أو بيئية تقنية: إنها أزمة في تصوّرنا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، أزمة ثنائية "الثقافة/الطبيعة" التي ورثناها من الحداثة. وربما تكون النار، بقدر ما هي عنصر تدمير، مرآة صادقة تكشف لنا هشاشة النموذج الحضاري الذي بنيناه، وتدعونا — بإلحاح متزايد كل صيف — إلى إعادة التفكير جذريًا في طريقة سكننا للأرض.
ومن اللافت أن هذا الوعي غالبًا ما يولد من قلب التجربة المباشرة مع الكارثة، لا من التنظير المجرد عنها. فمن نفس مدينة "بارادايس" التي افتتحنا بها هذا المقال، خرجت فتاة مراهقة عاشت حريق 2018 وهي تقف اليوم كل أسبوع أمام مقر الأمم المتحدة مطالبة بالعدالة المناخية، معتبرة أن ذلك الحريق كان "قبل وبعد" في مسار حياتها. هذا الانتقال من الصدمة الفردية إلى الفعل الجماعي يلخّص ربما أفضل ما يمكن أن نطمح إليه فلسفيًا: أن تتحول الحرائق الهائلة، من إنذار يُصيبنا بالشلل، إلى نقطة انطلاق لاستعادة "ثقافة النار" — تلك المعرفة الجماعية، العملية والمتواضعة، التي تجعلنا لا سادةً على الطبيعة ولا ضيوفًا عابرين فيها، بل شركاء دائمين في صون ما تبقى من عالمنا المشترك.
***
عمرون علي
..................
هوامش
هذا المقال هو قراءة في كتاب جويل زاسك "حين تحترق الغابة: التفكير في الكارثة البيئية الجديدة 2019 ، وبالاستناد الى حوار أجراه سفين أورتولي مع زاسك (2022)، إضافة إلى وثيقة أرشيفية استعمارية جزائرية بعنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881" (الجزائر، 1882)، وتقرير صحفي عن حريق غابة فونتينبلو (2026.








