قضايا

عصمت نصار حكماء الحضارة الإسلامية وقضايا الفلسفة العملية (2)

لم تشر الدراسات الفلسفية العربية المعاصرة إلى ذلك المشروع الذي وضعه حكماء الحضارة الإسلامية للقضاء على ظاهرة الكذب المتفشي في السلوك الإنساني بوجه عام، وفي الأخلاق المهنية بوجه خاص، وذلك عن طريق تحليلاتهم الدقيقة للأخلاق التطبيقية الفاسدة لدوافع الكذب ومقاصده ومآلاته، فقد تبيّن لجلهم أن النصح والوعظ لم يعد العلاج الفعّال لآفة البهتان والرياء، وقلب الحقائق واصطناع الحيل المضللة التي تعيق العقل عن الوصول إلى الحقيقة والاهتداء للسلوك القويم، ومن ثمّ انتهجوا لوضع مشروع دقيق لإنقاذ الحضارة الإسلامية ممّا حاق بأخلاقياتها، وسياسة حكامها وآداب علماءها وسلوك عمالها وعوائد التربويين في البيوت والمدارس ومجالس الشورى وتوجيهات الوعاظ والفقهاء للصالح والنافع من العادات والتقاليد التي فسدت هي الأخرى بسبب مخالطة الأغيار والدخلاء والغرباء؟

وبقراءتنا الفلسفية لنتاج غرابيل حكماء الإسلام العقليّة النقديّة توصلنا إلى أن مشروعهم الحضاري قد أقاموه على مراجعة الأخلاق التطبيقية، والوقوف على بنيتها ومنهجية أنساقها ومدى ارتباط هذه الأنساق بالموروثات العقديّة السائدة وأحوال الواقع المعيش المتغيرة.

واستخلصوا من تحليلاتهم وتجاربهم أن التجديف والإجتراء يفسدان الدين والعقيدة، وأن التزوير والتدليس يفسدان العدالة، وأن النفاق والمداراة تفسدان الحكام والسلاطين، وأن الغش والخيانة يفسدان المودة والحب، وأن الإفك والزور يفسدان الأخلاق والتربية، وأن التضليل والتعمية يفسدان العلم والتعلم، وأن التلفيق والتحريف يفسدان الصدق. 

وجميع تلك الآثام ليست سوى أقنعة يتوارى خلفها الكذب الذي لا يصعب على الضرير قبل المبصر والبصير فضحه، الأمر الذي استوجب وضع نسقية من القيم يصعب تفكيكها لمواجهة صناع الكذب الذين لا يكفون عن اختراع الحيل واختلاق الأضاليل لإفساد الحياة الإنسانيّة والحضارة الإسلاميّة.

فقد ذهب المؤدبون إلى أن الكذب مثل الطاعون والأورام الخبيثة التي سرعان ما تنتشر في كل البدن، فلا يجوز لرجل الدين أن يُجافي الصدق فيفقد مكانته ومقامه ورسالته في الدعوة، ولا يصح للعالم أن ينطق بما لم يتأكد من صحته في توجيهه أو درسه، ولا يمكننا تصور قاضيًا ينحاز للتدليس ويسلم بالتزوير ويقيم عليهما الحكم والفصل في القضايا، ولا يجوز للحاكم أو قادة الرأي أو أمراء المنابر الانسياق للهوى والانصات للمداهنين واستشارة المنتفعين.

كما أن الحلول الجزئية المتمثلة في اللوائح والشروط الإلزامية للأخلاق المهنية لا تعدوا أن تكون مسكنات سرعان ما تستحيل هي الأخرى إلى أكاذيب تحت ضغط العنف والعوز والحاجة والفساد العام.

كل هذه النتائج قد استوعبها حكماء الإسلام فانتهوا إلى حقيقتين الأولى: أن الحرب ضد الكذب يجب أن تكون شاملة لا تختص بفئة أو بمهنة. 

وثانيها: أن القيم الإلزامية لا تنجح في الإصلاح إلا إذا أضحت التزاميه، أي نابعة من الداخل لترويض النفس، وليست خارجية بقوة القانون أو الاستبداد.

وأن المشروع الأمثل الذي يكفل لمن ينشد الإصلاح والقضاء على الكذب في المجتمع الإسلامي على وجه الخصوص هو تطبيق النسق العقدي المتمثل في الأوامر والنواهي القرآنية، والثابت والصحيح من سير الأنبياء والفضلاء والاتقياء.

ولمّا كان هذا المشروع يصعب تحقيقه وتطبيقه في ظل ثقافتنا المعاصرة فلا حيلة لكاتب هذه السطور سوى دعوة الباحثين المعاصرين إلى مراجعة تلك النسقية التي بني عليها لتدعيم روابط بنيته وتحديث آلياته التي طمست في ثقافتنا المعاصرة من جرّاء حملات التشكيك في متانة أصوله الأخلاقية القرآنية، والترويج للفلسفات التفكيكية والقيم النفعيّة الفرديّة وتصويرها على أنها الحلول الواقعية في زمن الأكاذيب الغربية.

وإذا ما عدنا إلى كتابات الحكماء في هذا السياق نجد ابن حزم (ت 1064 م) يعبر عن تلك البنية الأخلاقية التي يجب توفرها في سلوك الخاصّة والعامة على حد سواء؛ فيرى في ميدان السياسة أن الحاكم أو الخليفة أو السلطان إذا كان مستبدًا منكرًا للشورى مجاهرًا بالفسق غير عابئ بمآلات ظلمه في تسييس الرعية، جاهلًا بالضروري من المقاصد الشرعية، يستحق خلعه لأنه كذوب في عقد البيعة وخائنًا لمهام وظيفته المدنية ومدلسًا في خداع العوام بما يضفيه على نفسه من مظاهر الورع والتقوى، ومن أقواله (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته، والكذب متولد من الجور والجبن والجهل؛ لأن الجبن يولد مهانة النفس والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).

وإلى مثل ذلك ذهب ابن طفيل في رحلة بحثه العقليّة (حي بن يقظان) عن الأدلة الكافية على وجود الله مبينًا أن إيمان العوام الذي يستند إلى المنقول وحده لا يكفي لرسوخ عرفانه في عقله وقلبه، وذلك لأن سبيله هو التلقين الذي لا يخلو من كذب الملفقين في بعض الأحايين. وأخطر هذه الأكاذيب أن طريق العقل مخالف لطريق النقل في الوصول لليقين.  

 ويرى ابن رشد (ت 1198 م) أن الكذب لا يقوى على الصمود في وجه الحقائق البرهانية، ولا إغواء الأنفس إلا من جهلت النهوج النقديّة والأدلة الواقعية وكيف لا؟ فالكذب عنده ليس بغاية أو مقصد فطري بل هو نقص معرفي بغير قصد أو كتمان للحقيقة خوفًا أو ابتغاءًا لمنفعة أو اعتقادًا من صاحبه، بأن قول الصدق لا يروق لسامعيه لعجزهم عن تحصيل الحكمة منه، وإدراك فضائل تطبيقه، ومن ثم يصبح الكذب أداة لمنع ضرر أو معالجة لموقف أو كف شر. 

لذا نجده يرى ضرورة إخفاء الحقائق المطلقة المقطوع بصحتها عقليًا والمضادة للمعتقد السائد عن العامة خوفًا من إفسادها أو الكفر بها أو إضلالها أو تعرض صاحبها للأذى، ذلك مع ضرورة البوح بها والدفاع عنها في مجالس العلماء وخلال مصاولة الحكماء والعارفين بمنهاج الأدلة.

ويضيف ابن تيمية (ت 1328 م) أن الصدق هو نديم المؤمن الحريص على طلب الحق والجريء في الانتصار لليقينيات، والبوح بقناعاته في الاجتهاديات التي تبرأ عن الإفك والاجتراءات وهو المتريس في القاء الاتهامات جزافًا، ورمي المخالفين بالباطل من العلماء والعارفين بينما يعد الكذب شقيق المنافقين وأنيسهم في معيّة السلاطين والمتاجرين بالدين؛ فالصادق مآله مع الملائكة والكاذب يحشر مع زمرة الشياطين.

ويرى ابن القيم الجوزية ( ت 1350 م) أن الأخبار التي يرددها الفاسق تبدد الحقيقة وتشكك في الأخبار الصادقة، وتضلل العدالة، لذا نجده يستشهد برأي الإمام أحمد بن حنبل بعدم الأخذ بحديث الفاسق الكذوب، وإن أقر بأنه من المبتدعة في الدين فإن اخباره مشكوك فيها ولا يطمئن الحاكم لمآلاتها، فخطر ما يدعيه لا يسلم أثره من ضرر في معتقد الجمهور أو سلوكهم.

فعلى السلطان مراجعة خبره وفحصه، عساه أن يكون في اخباره نفعًا وذلك مصداقًا لقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) سورة الحجرات الآية 6)

ويثير ابن القيم قضية أخرى ألا وهي عدم الاعتماد على الكتابات المحرفة، أو الأخذ بالأخبار المشكوك فيها، ولاسيما تلك المتعلقة بصلب العقيدة، مثل الاستشهاد بحكم ورد في التوراة أو الأناجيل في قضية حسمها القرآن في آياته أو يتعارض مآل المنقول من هذه الكتب مع مقصد شرعي اجتمع أهل العلم على صحته وأكدته السنة المشرفة. كما يجوز للقاضي استبعاد أي دليل يستند على رأي أو حديث مشكوك في صحة سنده ومتنه أو يناقض صريح المعقول، ولا سيما في أحكام النكاح والطلاق.

أمّا ما قيل عن حكم الآراء والمذاهب المخالفة لرأي الجمهور فلا يجب على الحاكم أو القاضي اعتبارها كذبًا بل يجب على أهل الرأي مراجعتها وأخبار الحاكم بمآلاتها فقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة بحسب اقتضاء الحال. أمّا الكتب التي تشتمل على التجديف والاجتراء والأكاذيب والتحريض على الفجور والبغاء أو الفتن أو إثارة الفرقة والشقاق بين الناس فينبغي إتلافها وإعدامها مثل كتب السحر واستحضار الجن والعقائد الداعية لعبادة دون الله.   

ويؤكد عبد الله بن الأزرق (ت 1491 م)  على ضرورة الجمع بين سمات الحاكم التي حث عليها الشرع والضرورة التي يفرضها الواقع ويقتضيها العقل فأنه يجيز الكذب والجور والاستبداد إذا ما كان وراء ذلك كله نفعًا أعم للرعية واستقراراً للمُلك وأمنًا للمسالمين، شريطة أن مقدار هذه الآثام المولدة عن الشر والكذب تكون محدودة في بابها ولا تخالف مقاصد الشريعة  فالحاكم الأمثل في رأيه هو الذي يفلح في الموازنة بين مصالح الدنيا والآخرة ويجتهد في حل مشاكل الواقع دون جحود لأوامر الشارع ويقول عن حكمة تدبير الملك (أنما يعتد بالتدبير، إذا صدر من ذوي التجارب العارفين بما تحسن منه العاقبة وترضى به الاستقامة التي لا انحراف فيها عن نهج الصدق والصواب؛ فلذلك لا عبرة به من الأحداث غير المجربين.

 وإذا ما أوهم الحاكم الرعيّة صلاحًا، وهو كاذب، فحين إذًا لا يجب إهمال نقض الأحداث المعارضين إذا كان رأيهم هو الأصوب (فالحق أحق أن يُتبع في أمور السياسة) وقد ذهب جل العارفين بأصول تدبير الممالك أن الحاكم لا يُعاب على دينه إن كانت حكمته في التسيس هي الأفضل من الفقيه الجاهل بأمور الحكم وأصوله، فليس يليق التدبير به وإن أحسن منه في بعض الأوقات فإنه قبيح العاقبة، وهو كوجود الشيء، بالحسن يرى حُسنًا، والعقل يبين بعد قبحه). 

أمّا بهاء الدين العاملي (ت 1621 م)، فجاءت آرائه أقرب إلى ابن مسكويه والغزالي في هذا السياق فأكد على منطقية  النسقية في القيم الإسلامية المترابطة، ورأى أن الكذب ليس من الكبائر الضارة للنفس والعقل فحسب بل هو مفسد للروح أيضًا وهو صفة الجاهل المعاند والخائن ناقض العهود، وكيف لا وهو قرين إبليس الودود وهو الذي يجنح في خيالاته وأوهامه عن الحق، وهو الدساس الخناس المتآمر الذي يلبس الإفك عباءة الصدق فيغوي بدهائه الورع المؤمنين والأطهار العارفين، فيقطع سبيلهم إلى الكمال ويبدد حكمتهم، ويسوق أعمالهم إلى أسوأ مآل ويعد الصدق مفتاح الكمال والعرفان الإلهي.

ولا فكاك للإنسان من الكذب إلا بالتطهر الذاتي وانتزاعه من عوائده المذمومة وتحريمه على لسانه والنظر للصدق على أنه الصراط المستقيم الذي إذا ذلت قدماه وقع في الجحيم وبات جليس الشياطين.

ويروي عن المأثور من نصائح العلماء للخلفاء: اعلم أنه واجب على الملك اجتناب ما يفسد المروءة، وتغليب العقل على الطبع، واعلم أن الصدق عادة والكذب حاجة، وأن الملك أحق باختيار المحامد.

واياك أن تصاحب في حاشيتك خطيب متفكه ومتعالم متفقه، وجموح متعسر، وعتل متجبر، مجترأ متحرر وآفاق متندر، واياك أن تجحد الناصح الشريف والعالم الطريف، والحكيم الأريب والبصير اللبيب، والحكيم المجدد والمخطط المحدد، ولا يشترط فيمن من تحلى بهذه الصفات أن يكون من أفاضل النساء أو من شبيبة الرجال، فالعقول تدرك التباين والقلوب تستحيل من حال إلى حال، فالمقصود هو نقاء السرائر ورجاحة الألباب، والحاذق النحرير وليس اللطيف المكير، أو واحد من المشاهير، ولا يعيبه إن كان جريء في التناظر أو بصير ضرير.

وللحديث بقية عن نسقية أحكام البنية الأخلاقية التي ألتزم بها حكماء الحضارة الإسلامية في مناقشة قضايا الاجتماع والسياسة.

*** 

بقلم: د. عصمت نصار

 

في المثقف اليوم