ثمة لحظة في حياة الإنسان يدرك فيها أن أطول رحلة يمكن أن يخوضها ليست رحلة إلى مكان بعيد، وإنما رحلة العودة إلى ذاته.
كنت أظن أنني أعرف نفسي، حتى أخذت الحياة مني أشياء كثيرة كنت أظن أنها جزء مني. كلما سقطت صورة كنت أختبئ خلفها، اكتشفت امرأة أخرى في داخلي؛ امرأة لم أكن أعرفها، ولم أكن مستعدة لمواجهتها
هناك اوجاع لا ترى، لكنها تعيد تشكيل الانسان من الداخل. لا تترك على الجسد ندبة، وانما تترك في الوعي اثرا كبيرا.
كما تعلمون، نحن لا نعيش حياتنا كما تبدو للاخرين. فخلف كل وجه هادئ قد تختبئ معركة، وخلف كل ابتسامة قد يقيم سؤال مؤجل، وخلف كلمة «انا بخير» تاريخ كامل من الصمت والمقاومة. فالانسان، في كثير من الاحيان، لا يخفي المه عن الاخرين فحسب، بل يخفيه عن نفسه ايضا، لان الاعتراف بالهشاشة يحتاج الى شجاعة قد تكون اصعب من احتمال الالم ذاته.
ولعل المفارقة الاكثر عمقا ان الانسان لا يعرف ذاته كاملة في لحظات القوة، وانما يكتشف اكثر اجزائه صدقا حين يتصدع. في هذه اللحظات تسقط الصور التي صنعناها عن انفسنا، ويتراجع الوهم، ويظهر الانسان عاريا امام وجوده، بلا اقنعة ولا يقين جاهز.
وهكذا لم يعد السؤال الذي يطاردني: كيف نجوت من كل هذا؟
فثمة نجاة لا تعني ان نعبر الالم سالمين، وانما ان نعبره وقد تغير فينا شيء الى الابد.
واصبح سؤالي الاعمق: من اصبحت بعد ان مررت بكل هذا؟
ومن هذا السؤال تبدأ حكايتي...
حكاية امرأة تعلمت ان تخفي ارتجاف قلبها خلف ابتسامة، وان تمضي بين الناس بوجه هادئ، بينما كانت في اعماقها تعيد بناء مدن كاملة هدمتها الايام.
امرأة لم تكن تبحث عن يد تنتشلها من عتمتها، بقدر ما كانت تبحث عن معنى يجعل لكل ما عاشته قيمة، ولكل جرح حكمة، ولكل سقوط بداية جديدة.
كان يخيل لمن يراني انني في احسن حال. كنت ابدو هادئة، ابتسم، اتحدث، وامارس حياتي كأن شيئا لم يحدث. لكن احدا لم يكن يعرف كم كان يلزمني من القوة كي ابدو بهذه العادية.
كنت اقنع الجميع انني بخير، بينما كنت ابحث عن نفسي بين الركام. كنت في داخلي اخوض معركة لا يعرف عنها احد شيئا، معركة طويلة مع الخذلان، والفقد، والوحدة، ومع اشياء كثيرة انكسرت في داخلي ولم اجد لها اسما.
كنت ابحث عن نفسي بين ركام ايام لم تكن رحيمة، واحاول ان استعيد مني امرأة بعثرتها الحياة في اكثر من اتجاه.
كنت ارتدي قناع الابتسامة، واخفي خلفه ندوب قلبي النازفة، وفي اعماقي مدائن مهدومة يسكنها صمت طويل لا يسمعه احد. كنت الملم شتات روحي في الخفاء، واعقد صلحا مؤقتا مع انكساراتي، كي لا يلمح العابرون عراء حزني، ولا يدركوا كم مرة سقطت ثم نهضت وحدي.
كنت تلك الطائرة التي تحلق بجناح كسير، وتغني... لا طربا، بل لتخرس انين الجرح في صدرها.
احمل فوق كتفي ثقل وجود اثقل من قدرتي على الاحتمال، واتلفع بالصبر، لا لانني لا اتالم، بل لانني تعلمت ان بعض الالام لا تجد لغة تليق بها.
كان بعض حملي اشياء احببتها ولم تستطع البقاء، واشخاصا تركوا وراءهم فراغا لا يملا، وكلمات ظلت عالقة في الذاكرة، ومواقف مرت على الاخرين عابرة، لكنها بقيت في روحي كانها حدثت بالامس.
كنت احمل كل ذلك معي، وامضي.
كنت الملم شتات نفسي قطعة قطعة.
وفي كل مرة كنت اظن انني تعافيت، كانت الحياة تكشف لي جرحا اخر لم اكن قد وصلت اليه بعد.
حتى ادركت ان بعض المعاناة لا تحدث دفعة واحدة، انها تتراكم في اعماقنا بهدوء، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح الانسان غريبا عن نفسه.
ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، ولم يكن أصعب ما واجهته أنني امرأة، بل أنني كنت أريد أن أكون إنسانة كاملة في عالم اعتاد أن يضع للمرأة حدودا قبل أن يسألها عن أحلامها. تعلمت منذ وقت مبكر أن أنوثتي كانت في نظر البعض سببا كافيا لأن يقرروا نيابة عني كيف أفكر، وماذا أقول، وما الذي يحق لي أن أطمح إليه.
ولدت أنثى، لكن معركتي لم تكن يوما مع كوني امرأة، بل مع كل ما حاول أن يجعل من أنوثتي قيدا على عقلي، ومن اختلافـي ذنبا، ومن أسئلتي تمردا، ومن حريتي عبئا ينبغي أن أعتذر عنه.
كان مطلوبا مني أن أكون قوية، ولكن دون أن تبدو قوتي تحديا، وأن أكون عاقلة، ولكن دون أن يتحول عقلي إلى سلطة، وأن أملك رأيا، بشرط ألا يتعارض مع ما اعتاده المجتمع. ومع الوقت أدركت أن المعركة الحقيقية لم تكن مع كوني امرأة، بل مع الصورة التي أرادوا أن يحبسوني داخلها. لذلك اخترت أن أكون أنا، لا النسخة التي صاغتها التوقعات الاجتماعية. دفعت ثمن هذا الاختيار، وعرفت الرفض والخذلان والاغتراب، لكنني تعلمت أن الحرية تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن طلب الإذن كي يكون ذاته.
ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي
كنت ابدو قوية طاهريا، لان العالم لا يمنح الضعفاء وقتا كافيا لالتقاط انفاسهم. وكنت اضحك احيانا، لا لان الفرح كان يسكنني، وانما لانني ادركت ان الانسان قد يبتكر ابتسامة كاملة كي يخفي بها خرابا لا يراه احد.
ثم جاءت السنوات بما يكفي من الخذلان، والفقد، والوحدة، والاغتراب، حتى وجدتني ذات يوم أقف أمام نفسي ولا أعرف: من هذه المرأة التي أصبحتها؟
جلست طويلا امام اوجاعي، لا لاجلد نفسي، ولا لابحث عن مذنب، وانما لافهم. فادركت ان الانسان لا يعرف اعماقه حقا حين تكون الحياة لطيفة معه، انه يعرفها حين تسقط عنه الاشياء التي كان يستند اليها، حين يجد نفسه واقفا في منتصف العاصفة بلا يقين.
وبدأ النضج الحقيقي عندي، لا عندما بدأت اتخلص من اوجاعي، بل حين توقفت عن اعتبارها عدوا. فادركت ان بعض الجراح لا تأتي لتقتلنا، وانما لتعيد تشكيل وعينا بانفسنا. وبعض الانكسارات لا تهدم الانسان، بل تهدم الصورة الوهمية التي كان يعيش داخلها عن ذاته، وعن الاخرين، وعن العالم.
لقد فهمت، بعد وقت طويل، انني لم اكن ابحث عن طريق للخروج من العتمة، بقدر ما كنت ابحث عن عينين قادرتين على رؤية ما كنت عليه في قلبها.
ولكني كنت أجهل ان العتمة ليست دائما غياب النور، احيانا تكون المساحة التي يتعلم فيها الانسان كيف يصنع نوره بنفسه.
ولهذا لم اعد انتظر المخلص او المنقذ. لأن النجاة ليست يدا تمتد الينا من الخارج، بل لحظة داخلية نقرر فيها، رغم كل شيء، الا نترك انفسنا للهاوية.. ولا حتى أبحث عن إجابات تمنحني راحة مؤقتة.
لقد جلست طويلا الى جوار حزني، دون ان اهرب منه. اصغيت اليه كما يصغي الفيلسوف الى سؤال عصي، حتى امتلكت شجاعة المواجهة.
ومنذ ذلك الحين، لم اعد اخجل من ندوب قلبي.
فالندبة ليست دليلا على اننا كسرنا فقط، بل شهادة على اننا عبرنا الكسر ولم نبق فيه.
انا لست المرأة التي لم تتالم.
انا المرأة التي عرفت الالم، وعبرت من خلاله، وخرجت منه بوعي لم يكن لها ان تعرفه لولا تلك الرحلة القاسية.
لذلك، ان رايتموني ابتسم، فلا تظنوا انني لم اعرف الحزن.
وان رايتموني قوية، فلا تظنوا انني لم انكسر.
وان رايتموني امضي بهدوء، فلا تظنوا ان الطريق كان سهلا.
لقد مشيت طويلا فوق رماد اشياء احببتها
ودفنت في قلبي مدنا كاملة، وودعت نسخا قديمة مني، حتى ادركت ان الحياة لا تطلب منا ان نخرج منها سالمين، بل ان نخرج منها اكثر وعيا، واكثر رحمة، واكثر تفردا، والا نكون نسخة مما اراده الاخرون لنا.
انا لم اخرج من كل هذا كما كنت.
ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا.
واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...
لكنني اريد ان اشكرها.
لانها تحملت اكثر مما قالت، وبكت اكثر مما اظهرت، وسقطت اكثر مما عرف الاخرون، ثم قامت في كل مرة دون جمهور، ودون تصفيق، ودون يد تمتد اليها.
اريد ان اقول لها:
لقد كنت متعبة، نعم...
لكنك لم تكوني ضعيفة.
كنت مكسورة، نعم...
لكنّك لم تكوني مهزومة.
وكل هذا الذي ظننته يوما نهايتك، كان يصنع منك امرأة جديدة بوعي جديد.
خرجت وانا اعرف ان بعض الجراح لا تشفى تماما، لكنها تتوقف عن النزف حين نتعلم كيف نعيش معها.
وهذه هي نجاتي الحقيقية...
انني لم اعد ابحث عن قيمتي في كلام احد، ولم اعد مضطرة الى ارتداء القوة كي اخفي هشاشتي.
لقد تصالحت مع المرأة التي كنتها، ومع كل ما انكسر فيها، ومع كل الطرق التي اضطرت الى السير فيها وحيدة.
لقد اكتشفت ان القنديل الذي كنت ابحث عنه في عتمة عالمي لسنوات طويلة كان، طوال الوقت، مختبئا في داخلي.
وانني حين ظننت انني فقدت الطريق، كنت في الحقيقة اتعلم للمرة الاولى كيف اصنعه.
تصالحت مع حقي في ان اسال، ومع حقي في ان اشك، ومع حقي في ان ابحث عن الحقيقة دون ان اخاف من الطريق اليها.
وهنا، للمرة الاولى، لم تعد الحيرة سجنا لي...
اصبحت فضاء للحرية.
بل نافذة اطل منها على وجود اكثر اتساعا، وعلى ذات لم اعد اخاف من مواجهتها.
شككت في اشياء كثيرة كنت اظن انني امتلك يقينا بشانها.
ووقفت طويلا امام اسئلة لم يكن الخوف منها في عدم العثور على اجاباتها، بل في اكتشاف ان بعض الاجابات التي ورثناها لم تعد قادرة على اقناع ارواحنا.
ولم يعد الشك هاوية اسقط فيها...
بل اصبح طريقا الى وعي اكثر صدقا، ونظرة اكثر تحررا، وحياة لا اخاف فيها من السؤال.
وكان اصعب ما في الرحلة انني لم اكن ابحث عن اجابات تمنحني الراحة، بل عن حقيقة تمنحني السلام، حتى لو كانت الحقيقة اكثر قسوة من الوهم.
ولذلك كان اغترابي في اعمقه اغترابا عن النسخة التي ارادها الاخرون مني. كنت اريد ان اصل الى نفسي دون وصاية، وان امتلك شجاعتي في السؤال كما امتلكت شجاعتي في الاحتمال.
وفي نسختي الجديدة، فهمت ان الشك لم يكن خصما للايمان، ولا الحيرة عجزا، ولا القلق ضعفا، بل كانت كلها علامات على ان وعيي يرفض ان يعيش مستسلما لما لم يفحصه.
كنت ابحث عن حياة استطيع ان اعيشها دون ان اخون اسئلتي، او اتخلى عن صوتي الداخلي.
لقد اتعبتني اسئلتي، نعم...
لكنها انقذتني ايضا.
فلو لم اشك، ربما عشت مطمئنة داخل يقين لم اصنعه بنفسي. ولو لم احتار، ربما قبلت طرقا لم تكن طريقي. ولو لم اغترب، ربما لم اكتشف ان اقسى انواع الغربة ان يعيش الانسان بعيدا عن ذاته.
لقد عشت اغترابي، وحيرتي، وشكوكي، لا بوصفها هزيمة، بل بوصفها جزءا من رحلتي نحو ذات اكثر صدقا.
ربما لم اصل الى اليقين الذي كنت ابحث عنه...
لكنني وصلت الى نفسي.
وكان ذلك، في النهاية، اصدق يقين عرفته
***
ابتهال عبد الوهاب








