"الرئيس ترامب بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا"
مقدمة: في سياق بحثنا عن اللغة التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مخاطبة الجماهير، لا تبدو عبارة «أمريكا أولًا» مجرد شعار انتخابي عابر، بل تكشف عن بنية لغوية وسياسية كاملة تقوم على تحويل القلق الاجتماعي إلى طاقة سياسية، وتحويل الخوف من المستقبل إلى حنين إلى ماضٍ متخيل، ثم تقديم الرئيس بوصفه الشخص القادر على إعادة ذلك الماضي إلى الحياة.
وهنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتواصل؛ إنها تتحول إلى آلة لإنتاج الواقع السياسي، أو على الأقل إلى مرآة مقعرة تعيد إلى الجمهور صورته عن نفسه، ولكن بعد أن تكبر بعض مخاوفه وتختفي بعض تناقضاته.
ولعل المفارقة الساخرة في شعار «أمريكا أولًا» أنه يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة، إلى درجة توحي بأن من يخالفه لا بد أن يكون قد ارتكب خطأً في ترتيب الكلمات. فمن يستطيع أن يعترض على أن تكون أمريكا أولًا؟ لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل السؤال الذي تتجنبه الشعارات عادة: أمريكا أيّ أمريكا؟ هل هي أمريكا المهاجرين والسكان الأصليين والأقليات والعمال والنخب والمهمشين؟ أم أمريكا التي يجري اختزالها في صورة ثقافية وسياسية محددة؟ ومن الذي يملك حق تعريفها؟ هنا تتحول العبارة البسيطة إلى مشروع لتحديد من ينتمي إلى «أمريكا الحقيقية» ومن يقف خارجها.
وهذا هو المدخل الذي يجعل الخطاب الترامبي مادة خصبة للتحليل اللغوي والنقد السياسي. فترامب لم يقدم نفسه للجمهور باعتباره مجرد رئيس يحتاج إلى برنامج سياسي، بل باعتباره صوتًا لجماعة تشعر بأن أحدًا سرق منها شيئًا: وظائفها، أمنها، مكانتها، هويتها، وربما حتى الماضي الذي تتخيله أفضل من حاضرها. وفي هذه الرواية لا يحتاج القائد إلى أن يقدم تفسيرًا معقدًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ يكفي أن يشير إلى شخص أو جماعة يمكن أن تُحمّل مسؤولية القلق العام.
وهنا يدخل المهاجر إلى المسرح السياسي لا بوصفه إنسانًا له قصة وظروف وحقوق، بل بوصفه «علامة» تختصر الخطر. إنها براعة لغوية لا تخلو من مفارقة: فبدل أن يسأل الخطاب عن شبكة الأسباب التي صنعت مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، يمكنه أن يقدم للجمهور وجهًا محددًا للخطر، ثم يَعِده بإزاحته. وبذلك تتحول السياسة من إدارة التعقيد إلى إدارة الانفعال. الاقتصاد معقد، الهجرة معقدة، العولمة معقدة، التحولات الديموغرافية معقدة؛ أما الشعار فليس معقدًا إطلاقًا، وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوته.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة ما يمكن تسميته «الشعبوية اللغوية»؛ أي الطريقة التي تُستخدم بها اللغة لإنتاج «نحن» متجانسة في مواجهة «هم» يجري تصويره باعتباره مصدر المشكلة. فاللغة لا تصف الجماعة فقط، بل تصنع حدودها. وعندما يتكرر الخطاب حول «الأمريكي الحقيقي»، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالهوية الوطنية وحدها، بل يتحول إلى سؤال عن السلطة التي تمتلك حق تعريف الوطنية نفسها.
أما القاعدة العسكرية الأمريكية التي أُشير إليها في هذا السياق، فيمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من البيئة الرمزية التي يتجاور فيها خطاب القوة العسكرية مع خطاب التعبئة السياسية؛ غير أن الأدق منهجيًا هو عدم افتراض أن قاعدة بعينها «تحاول» تعبئة الأمريكيين ضد المهاجرين من دون دليل مباشر على ذلك. الأهم هو تحليل كيف يمكن للخطاب السياسي والإعلامي أن يستثمر رموز الأمن والقوة والخطر في بناء سردية شعبوية تجعل المهاجر يبدو وكأنه مشكلة أمنية قبل أن يكون قضية إنسانية أو اجتماعية.
وهنا تبدأ السخرية النقدية من مفارقة المشهد: الدولة التي صنعت واحدة من أكثر التجارب التاريخية تعقيدًا في الهجرة تتحول فجأة إلى متحدث باسم «الأمريكا الخالصة»، وكأن التاريخ قرر أن يمحو سجلاته ويعيد كتابة نفسه بشعار انتخابي. والمهاجر الذي كان جزءًا من قصة بناء الولايات المتحدة يمكن أن يتحول، داخل الخطاب الشعبوي، إلى ضيف ثقيل لم يُدعَ أصلًا إلى الحفلة.
إن الخطورة، إذن، ليست في الشعار وحده، وإنما في ما يفعله الشعار بالعقل السياسي. فهو يمنح الجمهور شعورًا بأن الحل قريب، وأن المشكلة محددة، وأن العدو معروف، وأن القائد يمتلك المفتاح. وبذلك يصبح الوهم السياسي أكثر ذكاءً من الكذبة المباشرة؛ لأنه لا يطلب منك أن تصدق شيئًا مستحيلًا، وإنما يطلب منك أن ترى جزءًا من الحقيقة وتتعامل معه باعتباره الحقيقة كلها.
من هنا سنحاول قراءة اللغة الترامبية لا بوصفها مجموعة من العبارات الانتخابية، بل بوصفها بنية لإنتاج المعنى السياسي: كيف يصنع «الشعب»؟ كيف يُنتج «الآخر»؟ كيف يتحول الخوف إلى شعار؟ وكيف يصبح الشعار، بعد كثرة ترديده، حقيقة اجتماعية تبدو وكأنها كانت موجودة قبل أن تُقال؟ فحين تنجح اللغة في إقناع الناس بأن المهاجر هو المشكلة، يصبح السؤال عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ترفًا. وحين ينجح الرئيس في تقديم نفسه بوصفه «صوت أمريكا»، يصبح الاعتراض عليه، في منطق الخطاب نفسه، اعتراضًا على أمريكا. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تستحق أن نضحك منها قليلًا قبل أن نقلق منها كثيرًا: حين يصبح الرئيس هو المتحدث باسم الشعب، والشعار هو المتحدث باسم الحقيقة، والعدو هو المتحدث باسم المشكلة، لا يبقى للمجتمع إلا أن يصفق للنص الذي كُتب له مسبقًا.
لا يمكن دراسة الرئيس في الخطاب السياسي بوصفه شخصًا يتولى منصبًا فحسب؛ إذ إن «الرئيس» يُنتج أيضًا بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا من خلال شبكة من الألفاظ والصور والاستعارات والسرديات التي تمنحه معنى يتجاوز وجوده الفردي. فالرئاسة لا تُمارس بالقانون والمؤسسات وحدهما، وإنما تمارس كذلك باللغة؛ إذ يستطيع الخطاب أن يحول الحاكم من موظف عام إلى «أب للأمة»، أو من ممثل دستوري إلى «منقذ»، أو من سياسي قابل للنقد إلى رمز يجسد إرادة الجماعة. ومن هنا تصبح اللغة جزءًا من ممارسة السلطة، لا مجرد وسيلة محايدة لوصفها.
لقد بيّن رولان بارت في كتابه أسطوريات أن الخطاب اليومي لا يقتصر على نقل الواقع أو وصف الأشياء كما هي، بل يشارك في إنتاج الطريقة التي يظهر بها الواقع أمام الوعي. فالصحافة والإعلان والصورة واللغة الشعبية والخطاب السياسي والثقافي تستطيع أن تأخذ واقعة تاريخية أو علاقة اجتماعية أو قيمة أيديولوجية نشأت في ظروف محددة، ثم تعيد تقديمها في صورة علامة تبدو بسيطة وطبيعية وبديهية. وهنا تكمن الوظيفة الأعمق لما يسميه بارت «الأسطورة»؛ فالأسطورة ليست بالضرورة حكاية خرافية، وإنما هي طريقة في جعل شيء تاريخي يبدو وكأنه طبيعي. ()
ينطلق بارت من أن العلامة في مستواها الأول تتكون من دال ومدلول ينتجان معنى معينًا، لكن هذا المعنى يمكن أن يتحول نفسه إلى دال في نظام دلالي ثانٍ هو نظام الأسطورة. وبذلك لا تقوم الأسطورة بإلغاء المعنى الأصلي للعلامة، وإنما تستولي عليه وتعيد توجيهه، بحيث يصبح حاملًا لمعنى أيديولوجي جديد. وهذه العملية هي التي تسمح للخطاب بأن يقول شيئًا تاريخيًا واجتماعيًا، ولكنه يقدمه كما لو كان حقيقة قائمة بذاتها، لا بوصفه نتيجة لصراعات ومصالح واختيارات بشرية.
ومن هنا تكتسب الأسطورة قوتها؛ فهي لا تكذب بالضرورة، وإنما تخفي تاريخ الحقيقة التي تقولها. إنها لا تحتاج إلى اختراع واقعة جديدة، بل يكفيها أن تنتزع الواقعة من سياقها التاريخي، وتفصلها عن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ثم تعرضها بوصفها أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى سؤال. فالامتياز الاجتماعي يمكن أن يظهر باعتباره نتيجة طبيعية للكفاءة، والسلطة السياسية يمكن أن تبدو امتدادًا طبيعيًا للنظام، والهوية الجماعية يمكن أن تُقدَّم باعتبارها جوهرًا ثابتًا لا تاريخ له، وحتى بعض التراتبيات الاجتماعية يمكن أن تتحول في الخطاب إلى فروق «طبيعية» بين البشر.
وهذه الفكرة تسمح بفهم الشعبوية بوصفها ممارسة لغوية لا تكتفي بالتعبير عن الواقع السياسي، وإنما تسهم في إنتاج صورة معينة عنه. فحين يقول القائد «نحن الشعب»، لا يكون بصدد وصف جماعة محددة وصفًا محايدًا، بل يقوم بعملية تمثيل رمزي ينتقي من المجتمع بعض خصائصه، ويمنحها صفة «الإرادة الشعبية»، ثم يتحدث باسمها.
وهنا تكمن إحدى الخصائص المركزية للغة الشعبوية إنها لا تتعامل مع المجتمع بوصفه تركيبًا معقدًا من المصالح والهويات والطبقات والاتجاهات، وإنما تعيد تشكيله في صورة ثنائية بسيطة: الشعب في مقابل النخبة، الأصالة في مقابل الفساد، الوطني في مقابل الخائن، الأمن في مقابل الفوضى، الخير في مقابل الشر.
ويؤدي هذا الاختزال وظيفة سياسية مهمة؛ لأنه يحول الصراعات الاجتماعية المركبة إلى صراع أخلاقي واضح الأطراف. وبدل أن يسأل الخطاب عن أسباب البطالة أو الفقر أو ضعف المؤسسات أو سوء الإدارة، يبحث عن شخص أو جماعة يمكن تحميلها المسؤولية.
وقد أصبحت ثنائية «الشعب/النخبة» من أكثر البنى حضورًا في الدراسات المعاصرة للشعبوية؛ إذ يرى كاس مود أن الشعبوية تقوم على تصور المجتمع منقسمًا إلى جماعتين متجانستين ومتعارضتين: «الشعب النقي» و«النخبة الفاسدة»، مع افتراض أن السياسة ينبغي أن تكون تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة العامة للشعب().
ولا تكمن خطورة هذا التصور في مجرد وجود نقد للنخب، فالنقد السياسي للنخب جزء مشروع من الديمقراطية، وإنما في تحويل الشعب إلى وحدة متخيلة لا خلاف داخلها، ثم الادعاء بامتلاك تمثيلها الحصري.
وبذلك تُنتج اللغة الشعبوية ما يمكن تسميته «الشعب اللغوي»؛ أي شعبًا لا يُكتشف كما هو في الواقع، وإنما يُصاغ داخل الخطاب. فالمجتمع الواقعي متعدد ومتناقض، بينما الشعب الذي تتحدث باسمه الشعبوية يبدو متجانسًا، له إرادة واحدة، ومصلحة واحدة، وذاكرة واحدة، وعدو واحد. وفي اللحظة التي ينجح فيها الخطاب في تثبيت هذه الصورة، يصبح كل اعتراض عليه قابلًا للتأويل باعتباره اعتراضًا على الشعب ذاته.
وهنا تنتقل اللغة من كونها وسيلة للتواصل إلى كونها آلية للتمثيل السياسي. فالقائد لا يقول فقط «أنا أمثل الشعب»، بل يضع نفسه داخل ضمير الجمع: «نحن». وهذه الـ«نحن» ليست بريئة؛ لأنها تقوم بعملية دمج وإقصاء في الوقت نفسه. فهي تدمج قطاعات اجتماعية مختلفة في هوية رمزية واحدة، لكنها تستبعد في المقابل من لا ينسجم مع التعريف الذي يقدمه الخطاب للشعب. وبذلك يتحول الاختلاف السياسي من اختلاف طبيعي داخل المجتمع إلى علامة على الانحراف عن الجماعة.
وتتضح هنا أهمية مفهوم الاستقطاب اللغوي؛ فكلما نجحت الشعبوية في تقسيم المجال السياسي إلى «نحن» و«هم»، أصبحت عملية التفكير في الحلول المعقدة أقل حضورًا. فاللغة لا تقول للجمهور فقط من هو الصديق ومن هو العدو، بل تقدم له أيضًا الإطار الذي ينبغي أن يفكر من خلاله في الأحداث. ولهذا فإن القوة الحقيقية للخطاب الشعبوي لا تكمن في كثرة شعاراته، وإنما في قدرته على تحديد المفردات التي يُفهم الواقع من خلالها.
هذه الالية لها حضورها في خطابات الرئيس ترام وقد استخدمها في براعة في خلق عدو وهمي هم المهاجرين وكيف جاء هو كي ينقذ امريكا وهذا الخطاب التعبوي معروف ايضا في الخطابات الشمولي في منطقتنا .
ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من أطروحة لويس ألتوسير حول الأيديولوجيا؛ فالأيديولوجيا لا تعمل فقط عندما تقدم أفكارًا صريحة، وإنما تعمل حين تجعل الفرد يتعرف إلى نفسه داخل منظومة من المعاني بوصفها طبيعية وبديهية(). وبذلك يمكن النظر إلى الخطاب الشعبوي بوصفه ممارسة أيديولوجية حين يجعل تصورات تاريخية وسياسية معينة تبدو وكأنها حقائق طبيعية لا تحتاج إلى البرهان. فالتوسير يؤكد "الهوية الجماعية ليست معطى طبيعيًا، وإنما تُنتج داخل علاقات اجتماعية وأيديولوجية محددة ."فعندما يقال إن «الشعب يريد»، ينبغي أن يُطرح السؤال: أي شعب؟ وكيف عُرفت إرادته؟ ومن الذي يتحدث باسمه؟ وما الجماعات التي جرى استبعادها من تعريف الشعب؟
وهذه الأسئلة تكشف أن الوهم السياسي يبدأ غالبًا من وهم التمثيل. فالخطاب يوهم الجمهور بأن هناك تطابقًا مباشرًا بين القائد والشعب، بينما توجد في الواقع مسافة واسعة بينهما. الرئيس يتحدث بصفته فردًا أو مؤسسة، لكن اللغة تمنحه إمكانية التحدث بضمير الجماعة. وحين ينجح في إلغاء هذه المسافة، يصبح نقده أشبه بنقد «الشعب»، وتصبح معارضته أشبه بمعارضة «الإرادة العامة». وهنا تتحول اللغة إلى أداة لحماية السلطة من المساءلة.
ولا يعني ذلك أن كل خطاب يستخدم مفردات الشعب أو الأمة هو خطاب شعبوي بالضرورة. فالمفاهيم الجماعية جزء أصيل من اللغة السياسية. الفارق يكمن في طريقة استخدامها: هل تُستعمل «الشعب» بوصفه مجتمعًا متنوعًا له حقوق واختلافات، أم بوصفه كتلة متجانسة لا تمثلها إلا سلطة واحدة؟ وهل تُستخدم الوطنية لفتح المجال أمام المشاركة، أم لإقصاء المختلف واتهامه بالخيانة؟ وهل تُستخدم الهوية بوصفها إطارًا للتعايش، أم بوصفها معيارًا لامتلاك الحقيقة السياسية؟
1. تتأسس قوة اللغة الشعبوية على التبسيط:
فالواقع السياسي شديد التعقيد، لأن كل أزمة تنشأ عادة من تفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية ومؤسسية متعددة. لكن الخطاب الشعبوي يختصر هذه الشبكة في سبب واحد وفاعل واحد. ومن هنا يصبح «الفاسد»، أو «الخائن»، أو «النخبة»، أو «المؤامرة» تفسيرًا جاهزًا لأزمات لا يمكن فهمها إلا بتحليل طويل. إن هذا التبسيط لا يقلل من حجم المشكلة فحسب، بل يمنح الجمهور شعورًا بالمعرفة؛ أي إنه يخلق وهم الفهم.
وهنا تلتقي الشعبوية مع ما ناقشه إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي بشأن صناعة القبول؛ إذ أظهرا كيف يمكن للأنظمة الإعلامية والسياسية أن تنتقي المعلومات وتعيد ترتيبها ضمن أطر تجعل بعض الوقائع بارزة وبعضها الآخر هامشيًا(). ولا يعني ذلك أن الشعبوية هي مجرد صناعة إعلامية، وإنما يعني أن وسائل الاتصال الحديثة تمنح الخطاب الشعبوي قدرة استثنائية على تكرار مفرداته وتثبيت ثنائياته وإعادة تدويرها حتى تتحول من مجرد عبارات سياسية إلى إطار إدراكي يرى الجمهور العالم من خلاله.
2. من أهم أدوات هذا الخطاب أيضًا استدعاء الماضي:
إن الخطاب الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى تقديم برنامج معرفي متماسك؛ يكفي أن يقدم للأفراد صورة يستطيعون أن يتعرفوا فيها على أنفسهم: نحن الشعب، وهم النخبة؛ نحن الحقيقيون، وهم الغرباء؛ نحن المظلومون، وهم الذين صادروا حقوقنا.
وهذا قريب جدًا من مفهوم ألتوسير الشهير «الاستدعاء» أو «النداء الأيديولوجي» (interpellation): حين يخاطب الخطاب الفرد بطريقة تجعله يتعرف على نفسه بوصفه جزءًا من هوية معينة.
فالشعبوية نادرًا ما تكتفي بوصف الحاضر، وإنما تبني سردية عن ماضٍ متخيل كان فيه المجتمع أكثر قوة ونقاءً ووحدة. تظهر في هذا السياق مفردات مثل «المجد»، و«الأصالة»، و«الأيام الجميلة»، و«استعادة المكانة».
لكن المشكلة ليست في استحضار التاريخ، وإنما في تحويله إلى أسطورة سياسية تُستخدم لإنتاج الحنين وتبسيط الماضي. وهنا تقترب الشعبوية من مفهوم بارت عن «الميثولوجيا»: إذ تتحول الوقائع التاريخية إلى علامات أيديولوجية تبدو وكأنها تحمل معنى طبيعيًا ثابتًا().
إن الماضي الشعبوي ليس بالضرورة الماضي الذي حدث، بل الماضي الذي يحتاج إليه الخطاب في الحاضر. ولذلك يمكن أن يُعاد ترتيب الذاكرة الجماعية بحيث تُبرز الانتصارات وتُنسى الهزائم، وتُستعاد الرموز التي تخدم الهوية المطلوبة، بينما تُهمش الوقائع التي تعقد الرواية. وبهذا لا يصبح التاريخ مادة للمعرفة، وإنما يتحول إلى مادة لإنتاج الشرعية.
3. العلاقة بين اللغة الشعبوية وصناعة الوهم:
فالوهم لا يعني أن كل ما يقوله الخطاب كذب، بل يعني أن الخطاب ينتقي من الواقع ما يسمح ببناء صورة كلية تبدو مكتملة بينما تخفي عناصر أساسية من الحقيقة. إن الوهم الأكثر فاعلية ليس ذلك الذي يناقض الواقع بصورة صريحة، بل ذلك الذي يستخدم بعض عناصر الواقع لإنتاج تفسير شامل له.
ولهذا فإن الرئيس الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى اختراع واقع بديل؛ يكفيه أن يعيد ترتيب الواقع لغويًا. يمكن أن تكون هناك أزمة حقيقية، لكنه يحولها إلى مؤامرة. ويمكن أن تكون هناك نخبة فاسدة فعلًا، لكنه يجعل كل معارض له جزءًا منها. ويمكن أن تكون هناك مخاوف اجتماعية حقيقية، لكنه يربطها بعدو محدد. ويمكن أن يكون هناك حنين حقيقي إلى الماضي، لكنه يحوله إلى وعد باستعادة زمن لم يكن موجودًا بالصورة التي يصورها الخطاب.
وبذلك يصبح السؤال الفلسفي المركزي ليس: هل اللغة الشعبوية تقول الحقيقة أم تكذب؟ وإنما: أي واقع تنتجه حين تتحدث؟ فالمشكلة الأعمق في اللغة السياسية ليست فقط في صدق الجمل، وإنما في الإطار الذي يجعل بعض الأشياء قابلة للرؤية وأشياء أخرى غير مرئية. إن الخطاب الذي يحدد لنا من هو «الشعب»، ومن هو «العدو»، وما هو «الخطر»، وما هو «الماضي المجيد»، يكون قد بدأ بالفعل في تشكيل المجال الذي تتحرك داخله السياسة.
ومن هنا، فإن نقد اللغة الشعبوية لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك الشعارات، بل ينبغي أن يتجه إلى البنية التي تجعل الشعار ممكنًا وفعالًا: من يمتلك المنبر؟ من يحدد المفردات؟ من يكررها؟ من يمنحها الشرعية؟ ومن يستفيد من تحولها إلى حقائق اجتماعية؟ عند هذه النقطة تنتقل دراسة اللغة من اللسانيات إلى فلسفة السلطة، ومن تحليل الخطاب إلى تحليل إنتاج الواقع ().
4. انها تخلق وعيٌ كاذبٌ يُغلق باب السؤال:
إن أخطر ما تفعله اللغة الشعبوية أنها تجعل الإنسان يشعر بأنه أصبح أكثر فهمًا للواقع في اللحظة التي يصبح فيها أقل قدرة على مساءلته. فهي تمنحه إجابات سريعة بدل الأسئلة، وأعداء واضحين بدل الأسباب المركبة، وهوية صلبة بدل الذات المتعددة، وقائدًا يتحدث باسم الجماعة بدل مؤسسات تسمح للجماعة بالتعبير عن اختلافاتها. وهنا بالضبط تتشكل صناعة الوهم السياسي: حين يصبح الاختزال معرفة، والتكرار حقيقة، والرمز واقعًا، والتمثيل تطابقًا، والقائد تجسيدًا متخيلًا لإرادة الشعب.
ولذلك فإن مقاومة الشعبوية لا تبدأ بإنتاج خطاب مضاد أكثر شعبوية، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار إلى تعقيد الواقع، وإلى تعدد الأصوات، وإلى الفرق بين الشعب بوصفه مجتمعًا حيًا متعدد المصالح، والشعب بوصفه صورة لغوية تنتجها السلطة. فحين نستعيد حقنا في السؤال عن معنى «نحن»، وعن هوية «هم»، وعن مصدر «الإرادة الشعبية»، نكون قد بدأنا في تفكيك الوهم الذي تحاول اللغة تحويله إلى حقيقة سياسية.
إذا كانت اللغة الشعبوية تبدأ من إعادة تنظيم الواقع داخل ثنائيات بسيطة، فإن قوتها الحقيقية لا تظهر عند مستوى القول، وإنما عند اللحظة التي تتحول فيها هذه الصياغات اللغوية إلى أنماط إدراك وسلوك وممارسة سياسية. فالكلمات لا تبقى معلقة في فضاء الخطاب؛ إذ يمكن للخطاب، حين تتوافر له سلطة الدولة والإعلام والمؤسسات، أن ينتقل من وصف الواقع إلى إعادة تشكيله().
وهنا تصبح اللغة جزءًا من صناعة الواقع السياسي نفسه، لأن ما يتكرر في الخطاب يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى ما يبدو للناس حقيقة مستقرة، وما يبدو حقيقة مستقرة يمكن أن يصبح أساسًا لسياسات وإجراءات ومواقف اجتماعية.
من هذا المنظور، لا ينبغي فهم الوهم السياسي باعتباره مجرد معلومات خاطئة أو أكاذيب متعمدة؛ فالوهم أكثر تعقيدًا من ذلك. إنه نظام من التمثيلات يجعل الإنسان يرى جانبًا من الواقع وكأنه الواقع كله؛ لهذا لا يحتاج الخطاب الشعبوي بالضرورة إلى اختلاق الوقائع أو إنكار الحقيقة كي يمارس تأثيره؛ فقد ينطلق من أحداث حقيقية، لكنه يعيد ترتيبها وانتقاءها وإدخالها في سردية مغلقة، بحيث لا تعود الوقائع تُقرأ بوصفها معطيات مفتوحة على أكثر من تفسير، وإنما تتحول كل واقعة، مهما اختلف سياقها، إلى شاهد يؤكد النتيجة التي سبق للخطاب أن قررها. ومن هنا لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب الحقيقة، بل في احتكار طريقة تفسيرها وتوجيه معناها؛ إذ يصبح الخطر في أن يُحرم المتلقي من إمكان النظر إلى الواقعة من زوايا متعددة، وأن يُدفع إلى رؤية واحدة تبدو وكأنها النتيجة الطبيعية والوحيدة لما حدث. وهذا ما يجعل تحليل روث فوداك للخطاب اليميني الشعبوي بالغ الأهمية؛ فهي لا تتعامل مع الشعبوية باعتبارها مجرد أيديولوجيا أو برنامج سياسي، وإنما تنظر إليها بوصفها ممارسة خطابية تعمل من خلال اللغة والصور والاستعارات والحجج وإثارة الخوف، وبناء ثنائية حادة بين «نحن» و«هم»، بحيث تتحول الوقائع المتفرقة إلى عناصر داخل قصة سياسية متماسكة، ويغدو تفسير الحدث جزءًا من عملية صناعة الخوف والهوية والاستبعاد ().
أولًا: صناعة «نحن» وبناء الجماعة المتخيلة
تبدأ الشعبوية غالبًا من عملية لغوية تبدو بسيطة:
إنتاج ضمير الجمع. فالقائد يتحدث باسم «نحن»، لكنه لا يكتفي بوصف الجماعة، بل يقوم بتحديد حدودها. من هم الذين يدخلون في «نحن»؟ ومن الذين يبقون خارجه؟ وما الصفات التي تمنح هذه الجماعة نقاءها وأصالتها؟ هنا تتحول اللغة إلى عملية هندسة للهوية. وقد قدم إرنستو لاكلو تحليلًا بالغ الأهمية لهذه العملية؛ إذ يرى أن «الشعب» ليس معطى اجتماعيًا جاهزًا قبل الخطاب، وإنما يمكن أن يتشكل سياسيًا من خلال تجميع مطالب اجتماعية مختلفة داخل سلسلة من المطالب والمفردات المشتركة، إلى أن تظهر صورة جماعية قادرة على تقديم نفسها باعتبارها «الشعب»().
وبهذا المعنى، فإن الشعبوية لا تكتشف الشعب بقدر ما تبنيه خطابيًا. فالجماعة الواقعية متعددة: فيها العامل والموظف ورجل الأعمال والطالب والمثقف والفقير والغني، وفيها مصالح متعارضة وتصورات سياسية مختلفة. أما «الشعب» الذي ينتجه الخطاب الشعبوي فيبدو أكثر تجانسًا؛ إذ يجري اختزال هذه التعددية في صفات عامة مثل «البسطاء»، و«الشرفاء»، و«الوطنيين»، و«أبناء البلد». وكل من لا يدخل ضمن هذه الصفات يمكن دفعه تدريجيًا إلى موقع «الآخر». وبذلك يصبح الانتماء إلى الشعب ليس مجرد انتماء اجتماعي، بل موقفًا أخلاقيًا؛ فالشخص الذي يؤيد القائد ليس فقط مؤيدًا سياسيًا، بل يصبح «وطنيًا» أو «شريفًا» أو «ابن الشعب»، بينما يتحول المعارض إلى «خائن» أو «فاسد» أو «تابع».
وهذه النقلة من الاختلاف السياسي إلى الحكم الأخلاقي هي إحدى أخطر آليات الشعبوية؛ لأنها تجعل النقاش السياسي مستحيلًا تقريبًا، إذ كيف يمكن الحوار مع من جرى تعريفه ابتداءً بوصفه شرًا؟ وتبدو هذه الآلية بصورة فجة ومضحكة أحيانًا في خطاب دونالد ترامب؛ فهو لا يتحدث إلى الأمريكيين باعتبارهم مجتمعًا معقدًا متعدد المصالح، وإنما يميل إلى تقسيمهم إلى «الأمريكيين الحقيقيين» من جهة، وإلى أولئك الذين يهددونهم أو يخدعونهم أو يقفون ضدهم من جهة أخرى.
وفي خطاباته الانتخابية كثيرًا ما يتحول «الشعب» إلى جمهور حاضر أمامه في القاعة: «أنتم» الذين لم تفهمكم النخب، و«أنتم» الذين سرقت الوظائف منكم، و«أنتم» الذين لا يسمعكم الإعلام.
وفي المقابل يوجد السياسيون، ووسائل الإعلام، والمهاجرون، والمؤسسات، والمنافسون الديمقراطيون، و«النظام»؛ أي ذلك الكائن الضخم الغامض الذي يبدو وكأنه مسؤول عن كل شيء سيئ تقريبًا.
وفي خطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهوري عام 2016 بلغ هذا البناء ذروته حين قال ترامب: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر» (I alone can fix it)، بعد أن قدم نفسه باعتباره الشخص الذي يعرف النظام من الداخل والقادر على إصلاح نظام «مزور» ضد المواطنين().
هنا تحدث مفارقة شعبوية شديدة الطرافة:
يبدأ الخطاب بالدفاع عن الشعب ضد الفرد المتسلط، ثم ينتهي إلى القول إن خلاص الشعب يتوقف على فرد واحد فقط! كأن الديمقراطية اكتشفت فجأة أن أفضل طريقة لاستعادة سلطة الشعب هي أن يسلم الشعب مفاتيحه لشخص واحد. وهذه ليست مجرد عبارة انتخابية عابرة؛ إنها تكشف عن انتقال مهم من «نحن الشعب» إلى «أنا ممثل الشعب»، ثم من «أنا ممثل الشعب» إلى «أنا وحدي قادر على إنقاذ الشعب».
وبذلك يتقلص المجتمع كله تدريجيًا حتى يصبح القائد هو الناطق باسمه، ثم يصبح الاعتراض على القائد اعتراضًا على الشعب نفسه. وتظهر الآلية بصورة أكثر وضوحًا في موقف ترامب من الإعلام. ففي عام 2017 وصف وسائل إعلام كبرى بأنها «عدو الشعب الأمريكي»، وربطها بما سماه «الأخبار الكاذبة»() وهنا يحدث شيء شديد الدلالة: الصحفي الذي يختلف مع الرئيس لا يعود مجرد صحفي مخطئ، والمؤسسة الإعلامية التي تنتقد السلطة لا تعود مؤسسة يمكن مناقشة حججها، وإنما يجري نقلها مباشرة إلى خانة «عدو الشعب».
فجأة يصبح المشهد بسيطًا جدًا: الشعب هنا، والإعلام هناك؛ والشخص الذي يصفق للرئيس هو «الشعب»، ومن ينتقده يمكن أن يصبح، بلمسة لغوية واحدة، عدوًا للشعب. وقد كرر ترامب هذه الثنائية بصورة صريحة في مؤتمراته الصحفية، إذ قال عن CNN وغيرها إن من ينشر «الأخبار الكاذبة» هو «عدو الشعب»() والمفارقة الساخرة هنا أن الإعلام، الذي يفترض أن يكون وظيفة أساسية في مراقبة السلطة، يتحول في الخطاب الشعبوي إلى متهم بالعمالة ضد الشعب لمجرد أنه يمارس وظيفته في مساءلة السلطة.
وبذلك يصبح السؤال الصحفي فعلًا عدائيًا، وتصبح الإجابة التي لا تعجب الرئيس «أخبارًا كاذبة»، ثم تصبح «الأخبار الكاذبة» جزءًا من مؤامرة، ثم يصبح أصحاب المؤامرة أعداء للشعب. إنها سلسلة لغوية تستطيع أن تبدأ بسؤال صحفي وتنتهي بالخيانة الوطنية.
أما في قضية الهجرة، فتظهر صناعة «نحن» و«هم» بصورة أكثر خشونة. ففي خطاباته الانتخابية والرئاسية، لم يكتف ترامب بالحديث عن الهجرة بوصفها قضية قانونية أو اقتصادية، بل ربطها مرارًا بالجريمة والمخدرات والعصابات، وقدم حماية الحدود بوصفها دفاعًا عن «الناس في بلدنا».()
وفي أحد خطاباته وصف أعضاء عصابة MS-13 بأنهم «حيوانات»، بعد أن انتقد خصومه الذين قالوا إن عليهم أن يُعاملوا بوصفهم بشرًا ().هنا نصل إلى أقصى درجات اللغة الشعبوية: لا يعود الآخر منافسًا سياسيًا، ولا حتى مهاجرًا مخالفًا للقانون، وإنما يجري دفعه خارج الحدود الرمزية للإنسانية نفسها. والأكثر طرافة وفجاجة أن الخطاب الشعبوي يختزل قضايا معقدة كالهجرة والاقتصاد والجريمة والحدود في معادلة انتخابية صبيانية: نحن = الأمريكيون الطيبون، هم = المهاجرون المجرمون، الحل = الجدار، والمنقذ = أنا.
وهكذا تحول شعار «ابنوا الجدار!» إلى علامة سياسية؛ فالجدار لم يعد حاجزًا حدوديًا، بل صار تجسيدًا ماديًا للفاصل بين «نحن» و«هم». وهنا تتضح فكرة لاكلو: الشعب ليس وحدة جاهزة، بل يُنتج خطابيًا من خلال جمع مطالب ومخاوف متفرقة داخل هوية واحدة. وبذلك يتحول الانتماء إلى الشعب إلى اختبار أخلاقي للولاء: المؤيد «وطني»، والمعارض قد يصبح «خائنًا». إنها صناعة «نحن» عبر اختراع «هم».
ثانيًا: صناعة الآخر بوصفه شرطًا لصناعة الذات
لا تستطيع «نحن» الشعبوية أن توجد دون «هم». ولذلك فإن بناء الآخر ليس نتيجة جانبية للخطاب، بل شرط من شروطه. فالآخر قد يكون النخبة، أو المعارضة، أو الإعلام، أو المثقفين، أو الأقليات، أو القوى الخارجية، أو حتى مؤسسات الدولة نفسها. ويتغير هذا الآخر بحسب الحاجة السياسية، لكن وظيفته تبقى واحدة: تفسير الأزمة وتوحيد الجماعة.
وهنا تتقاطع الشعبوية مع ما يسميه بيير بورديو السلطة الرمزية؛ فالقدرة على تسمية الأشياء ليست قدرة لغوية محايدة، وإنما هي قدرة على فرض طريقة معينة في رؤيتها. عندما تنجح السلطة في وصف مجموعة ما بأنها «فاسدة» أو «خائنة» أو «مهددة للأمن»، فإنها لا تقدم وصفًا فقط، وإنما تضع هذه المجموعة داخل موقع اجتماعي وسياسي محدد() .
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين اللغة والاستبعاد. فالمجموعة التي توصف باستمرار بأنها خطر تبدأ في الظهور في الوعي العام باعتبارها خطرًا بالفعل، حتى قبل تقديم أدلة كافية على ذلك. ويصبح السؤال عن حقيقة الاتهام أقل أهمية من تكراره؛ لأن التكرار نفسه ينتج الألفة، والألفة تنتج التصديق.
وتقدم خطابات دونالد ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. فالآخر عنده ليس ثابتًا، بل يتغير بحسب الأزمة: المهاجر عندما تكون القضية الهجرة، والصين عندما تكون القضية الاقتصاد، والإعلام عندما يكون النقد السياسي، والديمقراطيون عندما تكون المعارضة، و«الدولة العميقة» عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات، والمؤسسة الانتخابية عندما تصبح شرعية الانتخابات موضع نزاع. العدو يتبدل، لكن وظيفته لا تتبدل. ولعل شعار «ابنوا الجدار!» يلخص هذه العملية بأوضح صورها.
فقد جعل ترامب من الحدود المكسيكية مسرحًا رمزيًا يفصل بين «نحن» و«هم». لم يعد الجدار مجرد مشروع هندسي لمعالجة الهجرة، بل أصبح علامة سياسية تختصر معادلة كاملة: نحن في الداخل، وهم في الخارج؛ نحن الأمن، وهم الخطر؛ نحن الوطن، وهم التهديد. وبذلك بُني الجدار في المخيلة قبل أن يُبنى على الأرض. والأكثر فجاجة أن قضية معقدة مثل الهجرة، بما تتضمنه من اقتصاد وقانون وسوق عمل وأمن وديموغرافيا، اختُزلت في صورة واحدة: (مهاجر ، جريمة ، حدود مفتوحة ، جدار ، قائد قادر على إغلاق الباب).
وبذلك تتحول السياسة من تحليل مشكلة إلى إنتاج عدو. ويتكرر الأمر مع الإعلام. فقد استخدم ترامب تعبير «Fake News» ضد وسائل إعلام اعتبرها منحازة، ووصف الصحافة في إحدى المناسبات بأنها «عدو الشعب». هنا ينتقل الخلاف من مستوى الأفكار إلى مستوى الولاء: الصحفي الذي يخطئ يمكن مناقشته، أما الصحفي الذي يصبح «عدوًا للشعب» فيُدفع إلى خارج المجال الأخلاقي للجماعة.
والسخرية أن الإعلام حين ينقل هجوم الرئيس عليه قد يساهم، من حيث لا يريد، في توسيع انتشار العبارة نفسها: ( ترامب يهاجم الإعلام ، الإعلام ينقل الهجوم ، الجمهور يناقش الهجوم ، العبارة تنتشر ، يصبح الإعلام، في رواية ترامب، أكثر حضورًا بوصفه خصمًا). أما استعارة «المستنقع» (the swamp)، فتختزل تعقيد واشنطن ومؤسساتها وبيروقراطيتها ومصالحها في صورة واحدة: هناك «مستنقع» فاسد، وهناك قائد يأتي لتجفيفه.
إنها استعارة سياسية جذابة لأنها تمنح الجمهور تفسيرًا بسيطًا لعالم شديد التعقيد: المشكلة ليست في شبكة المؤسسات والمصالح؛ المشكلة أن هناك مستنقعًا، والحل أن يأتي شخص ليجففه. ثم يتسع «هم» ليشمل ما يسمى «الدولة العميقة»؛ أي مؤسسات أو مسؤولين يُقدَّمون بوصفهم يعملون ضد إرادة الرئيس والشعب.
وهنا تبلغ صناعة الآخر مرحلة أكثر خطورة: المؤسسة التي يفترض أن تراقب السلطة تصبح، في الخطاب، جزءًا من المؤامرة على الشعب. وبعد انتخابات 2020 ظهرت الآلية بصورة أشد حدة مع رواية «الانتخابات المسروقة». فالخصم لم يعد مجرد حزب منافس، بل أصبحت مؤسسات انتخابية وإعلامية وقضائية، وأحيانًا جمهوريون رفضوا الادعاءات، جزءًا من سردية أوسع عن سرقة إرادة الشعب.
وهنا يتحول الخلاف السياسي إلى صراع على تعريف الحقيقة نفسها: إذا كانت النتيجة لا توافق «الشعب»، فربما يكون «الشعب» قد سُرق؛ وإذا كان القضاء يرفض الرواية، يصبح القضاء جزءًا من المشكلة. وبذلك يتحرك «الآخر» باستمرار:( المهاجر ، النخبة ، الإعلام ، الديمقراطيون ، الدولة العميقة ، المؤسسات ، القضاة ، الخصوم داخل الجماعة نفسها ) ؛ لكن الثابت ليس العدو، وإنما وظيفته السياسية.
فهو يقدم تفسيرًا مبسطًا للأزمة، ويمنح الجماعة شعورًا بالتهديد، ويجعلها أكثر تماسكًا، ثم يمنح القائد مبررًا للظهور بوصفه حاميها. وهنا تتضح صلة ذلك ببورديو: السلطة الرمزية تبلغ قوتها عندما يتوقف الناس عن رؤية التصنيف بوصفه تصنيفًا. فإذا تكررت كلمة «غزو»، لم يعد المتلقي يتخيل أفرادًا يعبرون الحدود، بل يتخيل جيشًا يهاجم البلاد. وإذا تكررت «عدو الشعب»، لم يعد الصحفي مجرد خصم سياسي، بل أصبح تهديدًا. وإذا تكررت «الانتخابات المسروقة»، يتحول السؤال من «هل سُرقت؟» إلى «كيف سُرقت؟». وهنا تصل اللغة إلى أخطر مراحلها: لا تعود تصنع الإجابات، بل تصنع الأسئلة التي ينبغي طرحها.
وبذلك يمكن اختصار صناعة الآخر في معادلة الشعبوية: اصنع أزمة، سمِّ لها عدوًا، كرر الاسم، حوّل العدو إلى خطر، اجعل الخطر مبررًا للوحدة، ثم قدم نفسك بوصفك حامي الجماعة.
فإن الشعبوية لا تقول فقط: «أنا مع الشعب»، بل تقول ضمنيًا: «أنا أعرف من هو الشعب، وأعرف من يقف ضده». وعند هذه النقطة يصبح «نحن» أكثر من ضمير جمع؛ إنه حد سياسي وأخلاقي: من يدخل داخله يصبح وطنيًا، ومن يُدفع خارجه يمكن أن يصبح خائنًا أو فاسدًا أو عدوًا.
وبذلك تصنع الشعبوية الذات والآخر في اللحظة نفسها: تصنع «نحن» لأنها تحتاج إلى «هم»، وتصنع «هم» لكي يبدو «نحن» أكثر نقاءً وتماسكًا. ومن هنا لا تكون صناعة الآخر مجرد وسيلة لتشويه الخصم، بل تقنية لإنتاج الجماعة نفسها. فالشعبوية لا تكتشف العدو؛ إنها تحتاج إليه لكي تكتشف ذاتها.
ثالثًا: خطاب الأزمة الدائمة
تحتاج الشعبوية إلى الأزمة كما تحتاج إلى العدو؛ لأن القائد لا يستطيع تقديم نفسه بوصفه المنقذ إلا إذا كان هناك خطر يحتاج إلى إنقاذ. ولذلك تُنتج اللغة الشعبوية شعورًا مستمرًا بأن المجتمع يعيش على حافة الانهيار: الأمن مهدد، الاقتصاد مهدد، الهوية مهددة، الدولة مهددة، المستقبل مهدد.
ولا يعني ذلك أن الأزمات التي يتحدث عنها الخطاب غير حقيقية؛ فقد تكون هناك أزمات فعلية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأزمة من حالة تاريخية قابلة للتحليل والمعالجة إلى حالة دائمة تستمد منها السلطة شرعيتها. عندها لا يعود المطلوب حل الأزمة، لأن استمرار الشعور بها يصبح جزءًا من وظيفة الخطاب.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: الخطاب الذي يعد بالخلاص من الأزمة قد يحتاج إلى استمرار الشعور بالأزمة حتى يستمر تأثيره. ولذلك يمكن أن تتحول السياسة من البحث عن حلول إلى إدارة دائمة للخوف. وقد درست روث فوداك هذه الآلية في سياق «سياسات الخوف»، موضحة كيف تستخدم الخطابات الشعبوية التهديدات المتخيلة أو المبالغ فيها لبناء حدود صارمة بين الجماعة والآخر().
يقدم دونالد ترامب نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته «سياسة الأزمة الدائمة»؛ إذ لا تظهر أمريكا في خطابه بوصفها دولة تواجه مشكلات قابلة للمعالجة، بل بوصفها بلدًا «يخسر» باستمرار ويُنهب ويُهان ويُهدَّد. ففي خطاب ترشحه عام 2015 قال إن البلاد «في حالة يرثى لها» وإنها لم تعد تحقق الانتصارات. ولذلك كان عليه، قبل أن يقدم نفسه بوصفه المنقذ، أن يقدم أمريكا بوصفها بلدًا مكسورًا يحتاج إلى الإنقاذ.
وتكمن الحيلة في تحويل المشكلات المتعددة إلى إحساس واحد شامل بالخطر: الصين تسرق الوظائف، المهاجرون يهددون الحدود، المدن تعاني الفوضى، الإعلام يكذب، واشنطن فاسدة، «الدولة العميقة» تتآمر، والانتخابات يمكن أن تكون «مسروقة».
وهنا لا تعود الأزمة حدثًا استثنائيًا، بل تصبح طريقة دائمة لرؤية الواقع. ولعل الهجرة المثال الأكثر وضوحًا. فقد انتقل ترامب من الحديث عن الهجرة غير النظامية إلى مفردات أكثر درامية، مثل «الغزو»، وربط الحدود بالمخدرات والجريمة والعصابات، ثم قدم الجدار بوصفه الحل الأكثر وضوحًا.
ولذلك تحولت قضية قانونية واقتصادية وديموغرافية شديدة التعقيد إلى صورة سينمائية بسيطة: هناك غزو، وهناك حدود مهددة، وهناك جدار، وهناك رجل واحد سيعيد السيطرة. لقد أصبح الجدار في المخيلة السياسية أهم من تفاصيل سياسة الهجرة نفسها.
والأمر ذاته ظهر في حديثه عن المدن الأمريكية خلال احتجاجات 2020؛ إذ جرى تكثيف صور العنف والفوضى حتى أصبحت بعض المدن الديمقراطية تبدو في الخطاب كأنها على حافة الانهيار. هنا لا يعود السؤال: ما أسباب الجريمة؟ بل: هل الدولة قادرة على السيطرة أم لا؟ ولذلك تتحول السياسة من معالجة المشكلة إلى إدارة الخوف منها.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19، وهي أزمة حقيقية لا تحتاج إلى اختراع. لكن الصراع انتقل سريعًا إلى سؤال: من المسؤول عن الأزمة؟ الصين، منظمة الصحة العالمية، الحكومات المحلية، الإعلام، الخصوم السياسيون... ولذلك أصبحت الأزمة الصحية أيضًا مجالًا لإنتاج خصوم سياسيين. أما انتخابات 2020 فكانت لحظة أكثر دلالة؛ إذ انتقل الخطاب من «أنا سأحل الأزمة» إلى «لقد حُرم الشعب من الحل». وأصبحت عبارة «الانتخابات المسروقة» إطارًا يفسر كل شيء: إذا رفض الإعلام الرواية فهو متواطئ، وإذا رفضها القضاء فهو منحاز، وإذا رفضها مسؤول انتخابي فهو جزء من المشكلة.
وهنا تصبح الأزمة شبه غير قابلة للتكذيب؛ لأن الدليل المخالف يمكن تحويله نفسه إلى دليل على المؤامرة. وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها تجربة ترامب مع مفهوم روث فوداك عن «سياسات الخوف»: لا يشترط الخطاب الشعبوي أن يخترع الخطر، بل يكفي أن يجمع أخطارًا حقيقية ومتفرقة، ويضخمها، ويربطها في قصة واحدة، ثم يقدم نفسه بوصفه الشخص القادر على إنقاذ الجماعة().
يمكن اختصار هذه الآلية في معادلة تكاد تكون كاريكاتورية:( أمريكا في خطر ، هناك عدو ، أنا أعرفه ، الآخرون عاجزون أو متواطئون ، أعطوني السلطة ، سأحل الأزمة )، ما زالت الأزمة قائمة ؛ لأن الأعداء ما زالوا موجودين. وهنا تكمن المفارقة: القائد يحتاج إلى الأزمة بقدر حاجته إلى الوعد بحلها؛ فاختفاء الخطر الكامل يقلل الحاجة إلى المنقذ. لذلك يمكن أن يتحول الخوف إلى رأسمال سياسي: كلما بدا البيت مهددًا بالحريق، ازداد استعداد الناس للاستماع إلى رجل الإطفاء، حتى لو ظل هذا الرجل يصرخ طوال الوقت: «النار! النار!» وبذلك لا تعود الأزمة مجرد ظرف تستثمره الشعبوية، بل تتحول إلى بنية لإنتاج الخوف، وتفسير الفشل، وصناعة الخصوم، وإعادة شحن الولاء للقائد. إنها لا تحتاج إلى أن يكون الخطر حاضرًا دائمًا؛ يكفي أن يبقى حاضرًا في المخيلة
رابعًا: العاطفة بدل الحجة
لا تعمل الشعبوية بالعقل وحده، ولا بالعاطفة وحدها، وإنما تقوم على إعادة ترتيب العلاقة بينهما. فهي لا تمنع الجمهور من التفكير، لكنها تقدم له إطارًا عاطفيًا يسبق التفكير ويحدد مساره. الخوف يجعل بعض المعلومات أكثر إقناعًا، والغضب يجعل بعض التفسيرات أكثر قبولًا، والحنين يجعل الماضي يبدو أفضل مما كان، والأمل يجعل الوعود المستقبلية تبدو أقرب إلى الواقع.
ولهذا فإن الخطاب الشعبوي يكثر من المفردات التي تثير المشاعر: (الخيانة، الكرامة، المجد، المؤامرة، الخطر، الإنقاذ، الثورة، الشعب، الفساد، الأعداء). وهذه الكلمات لا تحمل معاني وصفية فقط، وإنما تحمل شحنة وجدانية تجعل المتلقي يتخذ موقفًا قبل أن يفحص الحجة.
إن المشكلة هنا ليست في حضور العاطفة في السياسة؛ فالعاطفة عنصر لا يمكن إلغاؤه من الحياة العامة. وإنما المشكلة حين تصبح العاطفة بديلًا عن البرهان، وحين يتحول الغضب إلى معيار للحقيقة، ويصبح حجم الاستجابة الانفعالية معيارًا لصحة الفكرة.
ويقدم ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. ففي قضية التجارة مثلًا، بدل الدخول في تعقيدات التعريفات الجمركية وسلاسل الإمداد وسوق العمل، تختصر الرسالة في عبارة من قبيل «الصين تسرق منا». فجأة تتحول التجارة الدولية إلى صورة كاريكاتورية: لصّ أجنبي يدخل البيت الأمريكي ويخرج حاملًا الوظائف في كيس! وفي الهجرة، تتحول قضية قانونية واقتصادية معقدة إلى سلسلة عاطفية قصيرة: (مهاجرون، مخدرات، جريمة، غزو، جدار).
أما شعار «Make America Great Again» فيعمل على العاطفة لا على التعريف. فهو لا يحدد: متى كانت أمريكا عظيمة؟ ولمن؟ وبأي معيار؟ لكنه يستدعي إحساسًا بمجد ضائع. وهنا يصبح الماضي الغامض أكثر فائدة سياسيًا من الماضي التاريخي؛ لأن الماضي الحقيقي مليء بالتناقضات، بينما الماضي الشعبوي صورة منتقاة لا تظهر فيها إلا الأشياء التي تصلح للحنين.
والأمر نفسه في «America First»: من السهل أن يتعاطف الجمهور مع فكرة أن تكون بلاده «أولًا»، لكن السؤال السياسي الحقيقي ــ أولًا في ماذا؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟ ــ يختفي خلف الشحنة العاطفية للشعار. وتؤدي الاستعارات الوظيفة نفسها. فـ «Drain the Swamp» تحول التعقيدات المؤسسية في واشنطن إلى «مستنقع» يمكن تخيله فورًا، و«Fake News» تختصر نقاشًا معرفيًا كاملًا في حكم مسبق: (لا تقرأ، لا تفحص، لا تقارن؛ هذا خبر كاذب).
ولذلك تصبح العبارة ليست حجة، لكنها تؤدي وظيفة الحجة قبل أن تبدأ المناقشة. حتى الهتاف الجماهيري «Build the Wall!» يكشف انتقال السياسة من البرهان إلى الطقس العاطفي: القائد يطلق الشعار، الجمهور يردده، فينشأ شعور بالوحدة والانتماء. لم يعد المواطن يناقش سياسة الحدود؛ أصبح يهتف لهويته. وهنا تتجمع الآلية في ثلاثية شديدة البساطة: الخوف: «هناك غزو» ، نحن مهددون. الغضب: «لقد سرقوا بلدكم» ، هناك عدو يجب معاقبته. الحنين: «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» ، هناك مجد ضائع.
ثم يأتي الأمل: «أنا سأعيده». وهذه هي النقطة الأخطر: قد تتحول الاستجابة الانفعالية نفسها إلى دليل على صحة الفكرة. إذا خفتَ، فلا بد أن الخطر حقيقي؛ وإذا غضبتَ، فلا بد أن الاتهام صحيح؛ وإذا شعرت بالفخر، فلا بد أن السياسة صائبة. وهنا ينقلب المنطق: بدل أن يكون الشعور نتيجة المعرفة، يصبح بديلًا عنها. لذلك فالمشكلة ليست في أن السياسة تستخدم العاطفة؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن يشعر بقدر ما يفكر.
المشكلة حين تصبح العاطفة وسيلة لإلغاء السؤال قبل البحث عن الجواب. فحق المواطن أن يخاف، لكن الخوف ليس دليلًا؛ ومن حقه أن يغضب، لكن الغضب ليس برهانًا؛ ومن حقه أن يحن إلى الماضي، لكن الحنين ليس تاريخًا. وهنا يمكن صياغة جوهر التقنية الشعبوية: لا تطلب من الجمهور أن يقتنع أولًا؛ اجعله يشعر أولًا، ثم سيبحث لاحقًا عما يبرر شعوره.
عند هذه النقطة تتحول السياسة إلى مسرح: القائد يطلق العبارة، والجمهور يطلق الهتاف، والهتاف يصنع الانتماء، والانتماء يحمي الرواية من النقد. ولذلك فإن الشعبوية لا تقول للجمهور: «صدّق لأن لديّ دليلًا»، بل تقول بصورة أكثر براعة: «صدّق لأنك تشعر». وهنا يصبح الخوف حقيقة، والغضب حجة، والحنين تاريخًا، والوعد إنجازًا؛ لا لأن الواقع تغير، بل لأن اللغة نجحت في تغيير الطريقة التي يُستقبل بها الواقع.
خامسًا: الرئيس بوصفه «علامة سياسية»
عندما تتكرر اللغة الشعبوية حول الرئيس، فإن الشخص يتحول تدريجيًا إلى علامة سياسية. لم يعد الرئيس فردًا له قرارات يمكن تقييمها، وإنما يصبح رمزًا لمعانٍ مثل القوة أو الكرامة أو الوطنية أو الاستقرار. وهنا يتحول نقد الرئيس إلى نقد للمعنى الذي يحمله، فيصبح الدفاع عنه دفاعًا عن «الوطن» أو «الشعب» أو «الكرامة».
وهذه هي إحدى أخطر صور الميثولوجيا السياسية التي يمكن قراءتها في ضوء بارت؛ إذ تتحول العلامة التاريخية إلى معنى يبدو طبيعيًا. فلا يعود السؤال: «ماذا فعل الرئيس؟»، بل يصبح السؤال: «هل أنت مع الوطن أم ضده؟». وبذلك ينتقل النقاش من مستوى الأداء السياسي إلى مستوى الولاء الرمزي.
إن هذه العملية تكشف كيف يمكن للغة أن تُشخصن الدولة. فبدل أن تكون الدولة مجموعة مؤسسات وقوانين، تصبح صورة شخص واحد. وبدل أن يكون نقد الحاكم جزءًا من الحياة الديمقراطية، يصبح نقده اعتداءً على الدولة نفسها. وهنا تصل اللغة الشعبوية إلى أخطر نتائجها: إلغاء المسافة بين الشخص والمؤسسة.
ويقدم دونالد ترامب نموذجًا واضحًا لذلك. فاسمه لم يعد عند مؤيديه مجرد اسم مرشح أو رئيس، بل أصبح اختصارًا لعالم سياسي كامل: القوة، أمريكا أولًا، مواجهة النخب، رفض الإعلام التقليدي، التشدد في الهجرة، والحنين إلى «عظمة» أمريكية مفقودة.
وهنا تصبح الشخصية نفسها حاملة للبرنامج. يظهر ذلك بوضوح في شعار MAGA والقبعة الحمراء. فالقبعة قطعة قماش، لكن ظهورها في تجمع سياسي يستدعي فورًا شبكة كاملة من المواقف والانتماءات. إنها لا تقول: «أنا أؤيد هذه السياسة تحديدًا»، بل تقول: «أنا من هذه الجماعة». وهنا تتحول العلامة السياسية إلى هوية اجتماعية. والأمر نفسه ينطبق على شعار «Make America Great Again». فهو لا يقدم تعريفًا دقيقًا للعظمة ولا يحدد متى كانت أمريكا عظيمة، بل يستدعي إحساسًا بماضٍ مجيد ضائع، ويضع ترامب ضمنيًا في موقع الشخص القادر على استعادته.
فالشعار لا يقدم برنامجًا بقدر ما يصنع صورة للمنقذ. أما عبارة «I alone can fix it»، التي قالها ترامب في مؤتمر الحزب الجمهوري عام 2016، فتكشف انتقالًا أكثر وضوحًا من المؤسسة إلى الشخص: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر». هنا لا يعود الحل مؤسسة أو سياسة أو فريقًا؛ يصبح الحل هو «أنا». وهذه هي الشخصية الشعبوية في أنقى صورها: القائد لا يمثل المشروع فقط، بل يصبح المشروع نفسه. وقد بلغت هذه الشخصنة كثافة رمزية استثنائية بعد محاولة اغتيال ترامب في يوليو 2024، حين انتشرت صورة قبضته المرفوعة وهو ينزف، وأصبحت لدى أنصاره رمزًا للصمود والتحدي. الواقعة تاريخية وحقيقية، لكن تحويلها إلى صورة للرجل «الذي لا يسقط» ينقلها من التاريخ إلى الأسطورة. وهذا بالضبط ما يفسر أهمية بارت: الميثولوجيا لا تحتاج إلى اختراع الواقعة؛ يكفي أن تمنحها معنى يتجاوزها، ثم تجعل هذا المعنى يبدو طبيعيًا. وهنا تظهر وظيفة العلامة: اختصار عالم سياسي كامل في صورة أو اسم أو شعار. ترامب، القبعة، القبضة المرفوعة، MAGA، «America First»؛ كلها علامات تستطيع أن تستدعي شبكة من المعاني دون الحاجة إلى شرحها. والخطر يبدأ حين يصبح الولاء للعلامة أقوى من تقييم الأداء. فإذا فشل الرئيس، يمكن تفسير الفشل بأنه نتيجة عرقلة المؤسسات؛ وإذا خسر، فالخسارة قد تصبح «خيانة»؛ وإذا هاجمته مؤسسة، تصبح المؤسسة جزءًا من المشكلة.
ولذلك تتحول العلامة إلى بنية شبه محصنة ضد النقد، لأن الوقائع نفسها يعاد تفسيرها لحماية الصورة. وهنا يحدث انقلاب ديمقراطي دقيق: ( الرئيس يمثل الدولة ، ثم يصبح رمزًا للدولة ، ثم يصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عنه ، ثم يصبح نقده اعتداءً على الدولة). وعند هذه النقطة يصبح السؤال الأخطر ليس: هل الرئيس على حق؟ بل: هل أنت معه أم ضدّه؟ ذلك أن السؤال الأول يطلب تقييم سياسة، أما الثاني فيطلب تحديد هوية.
وحين تنتصر الهوية على التقييم، يصبح المواطن مستعدًا للدفاع عن الشخص بسبب ما أصبح يعنيه، لا بسبب ما فعله. ومن هنا يمكن تلخيص الميثولوجيا السياسية في عبارة واحدة: حين يتحول الرئيس إلى علامة، لا يعود الناس يدافعون عن الرجل بسبب أفعاله؛ بل قد يدافعون عن أفعاله بسبب ما أصبح الرجل يعنيه. وهنا تختفي المسافة الضرورية بين الحاكم والوطن، والرمز والواقع، والشخص والمؤسسة. ولذلك ينبغي أن يستعيد النقد سؤاله البسيط والمقاوم للأسطورة: ماذا فعل الرئيس؟ لا: ماذا يعني الرئيس بالنسبة إلينا؟ فالأول سؤال سياسي قابل للمحاسبة، أما الثاني فقد يكون بداية الميثولوجيا.
سادسًا: من السلطة الرمزية إلى السلطة المادية
لا تظل هذه التحولات في المجال الرمزي. فعندما ينجح خطاب معين في إنتاج تصور اجتماعي مستقر، يمكن أن يتحول إلى سياسة. فإذا جرى تصوير جماعة باعتبارها خطرًا، قد تصبح مراقبتها أو إقصاؤها مقبولًا. وإذا جرى تصوير المعارضة بوصفها خيانة، يمكن تقييد مجالها السياسي. وإذا جرى تصوير المؤسسات باعتبارها عائقًا أمام «إرادة الشعب»، يصبح إضعافها فعلًا يبدو ضروريًا.
وهنا يمكن الاستفادة من تحليل بورديو للسلطة الرمزية؛ فالسلطة الرمزية تكون أكثر فعالية حين لا يشعر الخاضعون لها بأنهم خاضعون، بل يتعاملون مع التصنيف الذي تفرضه السلطة باعتباره وصفًا طبيعيًا للواقع(). وهذا هو جوهر الوهم السياسي: أن تُمارس السلطة دون أن تُرى بوصفها سلطة.
إن اللغة، في هذه الحالة، لا تقنع الناس فقط بقبول السلطة، وإنما تساعدهم على إعادة إنتاجها بأنفسهم. فالفرد الذي يكرر مفردات السلطة، ويصف خصومها بالأوصاف نفسها، ويساهم في نشر ثنائياتها، يتحول من متلقٍ للخطاب إلى حامل له. وهنا تنتقل الشعبوية من خطاب يصدر عن الرئيس إلى بنية خطابية موزعة في المجتمع. ()
تقدم تجربة دونالد ترامب مثالًا واضحًا على اللحظة التي تنتقل فيها اللغة من "إنتاج المعنى إلى إنتاج الفعل". فشعارات مثل :«ابنوا الجدار»، و«أمريكا أولًا»، و«جففوا المستنقع»، و«أوقفوا الهجرة غير الشرعية» لم تبقَ في فضاء الحملة الانتخابية؛ فعندما وصل صاحبها إلى السلطة، دخلت المؤسسات والميزانيات والأجهزة التنفيذية في عملية تحويلها إلى سياسات.
خذ " الجدار" مثلًا. بدأ بوصفه صورة سياسية تختصر الحدود بين «نحن» و«هم»، ثم صار وعدًا انتخابيًا، ثم سياسة حدودية، ثم أعمالًا مادية لبناء واستبدال قطاعات من الحواجز الحدودية.
وبذلك يمكن رسم المسار: (الكلمة ، الصورة ، الشعار ، القرار ، المادة." ، والأكثر دلالة هو خطاب الهجرة. فعندما يُعاد تعريف المهاجر غير النظامي بوصفه «خطرًا» أو «غزوًا»، يتغير السؤال من: ما السياسة الأنسب لمعالجة الهجرة؟ إلى: كيف نواجه هذا الخطر؟ وهنا تعمل السلطة الرمزية بالطريقة التي يصفها بورديو: لا تفرض النتيجة مباشرة، وإنما تجعل بعض النتائج تبدو طبيعية بعد تغيير اسم المشكلة. وقد ظهر ذلك بوضوح في سياسة «عدم التسامح» (Zero Tolerance) عام 2018، التي ارتبط تطبيقها بفصل أطفال عن ذويهم في سياق إنفاذ قوانين الهجرة.
هنا يصبح المثال بالغ القسوة: التصنيف اللغوي «تهديد» يمكن أن ينتهي إلى إجراء إداري يمس حياة أسرة حقيقية. والأمر نفسه ينطبق على استعارة «المستنقع». فما كان في الحملة صورة ساخرة عن النخبة السياسية والبيروقراطية أصبح، بعد الوصول إلى الحكم، إطارًا لتفسير الصراع مع مؤسسات وموظفين وإعلاميين ومسؤولين.
وذلك تتحول الاستعارة إلى منطق للحكم: إذا كانت المؤسسة «مستنقعًا»، فإن مقاومة قواعدها وأعرافها يمكن تقديمها باعتبارها «تنظيفًا». لكن السلطة المادية لا تمر دائمًا عبر أجهزة الدولة؛ فقد تمر عبر الجمهور نفسه. عندما تتكرر عبارة «Fake News»، أو «الدولة العميقة»، أو «الانتخابات المسروقة»، يبدأ أنصار القائد في إعادة إنتاجها دون حاجة إلى توجيه مباشر.
هنا تصبح اللغة ملكًا للجمهور، ويصبح المواطن حاملًا للخطاب وموزعًا له. وتظهر هذه العملية بوضوح في "MAGA"؛ فقد خرج الشعار من المنصة إلى القبعة والقميص والسيارة والمنشور الرقمي. أصبحت القبعة الحمراء تقول سياسيًا ما كان يحتاج إلى فقرة كاملة لشرحه. العلامة حملت الرسالة، والمواطن حمل العلامة. أما المثال الأكثر درامية فجاء بعد انتخابات 2020. فقد تحولت رواية «الانتخابات المسروقة» من خطاب سياسي إلى اعتقاد لدى قطاعات من الجمهور، ثم ارتبطت بتعبئة جماهيرية انتهت إلى اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021. ولا يمكن اختزال الحدث كله في خطاب ترامب وحده، لكن المثال يكشف بوضوح كيف يمكن لفكرة رمزية حول «سرقة إرادة الشعب» أن تنتقل إلى سلوك مادي في الشارع. وهنا تكتمل الدائرة التي تجمع بارت وبورديو والشعبوية: الاسم يغيّر المعنى، والمعنى يغيّر الإدراك، والإدراك يغيّر السلوك، والسلوك يعيد تشكيل الواقع.
وعند هذه النقطة لا تعود اللغة مجرد وسيلة لوصف السلطة؛ بل تصبح أحد أجهزتها. فحين يصبح المهاجر «غزوًا»، والإعلام «عدوًا»، والمؤسسة «مستنقعًا»، والانتخابات «مسروقة»، فإننا لا نغير الكلمات فقط؛ بل نعيد ترتيب المجال الذي ستتحرك فيه السياسة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يبدأ القرار بكلمة، ثم يصبح الواقع دليلًا على صحة الكلمة التي بدأت بها العملية.
سابعًا: الإعلام وتكرار الوهم
تضاعفت قدرة الخطاب الشعبوي على الانتشار مع وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية. فالكلمة السياسية لم تعد مرتبطة بالمؤتمر أو الخطاب الرسمي؛ إذ يمكن لعبارة قصيرة أو مقطع مقتطع أن ينتشر في دقائق، ويُعاد إنتاجه آلاف المرات خارج سياقه الأصلي. ()
وهنا يصبح التكرار عاملًا معرفيًا. فالمعلومة المتكررة تبدو مألوفة، والمألوف يميل إلى الظهور بمظهر الصحيح. لكن التكرار لا يجعل العبارة صحيحة من الناحية المنطقية؛ إنه يجعلها فقط أكثر حضورًا في الوعي.
وهذا ما يجعل البيئة الرقمية مناسبة بصورة خاصة للشعبوية؛ لأن الرسائل المختصرة والثنائية والانفعالية أكثر قدرة على الانتشار من التحليل المركب. فالجملة التي تقول «نحن ضدهم» أسهل تداولًا من تفسير طويل لأسباب الأزمة الاقتصادية، كما أن صورة القائد بوصفه «منقذًا» أكثر قابلية للانتشار من تقرير مؤسسي عن أداء الحكومة () .
وتجربة دونالد ترامب تكشف هذه المفارقة بوضوح؛ فقد استطاع أن يجعل حسابه على تويتر منصة سياسية مباشرة، يطلق منها موقفًا أو هجومًا أو اتهامًا، فتنتقل عبارته خلال دقائق إلى شاشات التلفزيون والصحف ومواقع الأخبار ومنصات التواصل.
وهنا نشأت مفارقة تستحق التأمل: الإعلام الذي كان يريد مراقبة الرئيس وجد نفسه أحيانًا يعمل على نشره. تغريدة مثيرة تصبح خبرًا عاجلًا، والخبر يتحول إلى نقاش، والنقاش إلى آلاف المشاركات، ثم يعود ترامب ليهاجم الإعلام لأنه «مهووس به». وهكذا يدخل الطرفان في دائرة يستفيد منها السياسي والمنصة معًا: الأول يحصل على الحضور، والثانية تحصل على التفاعل. المشكلة إذن ليست في أن الإعلام يكرر الكذب فقط، وإنما في أنه قد يمنح الخطاب قيمة سياسية بمجرد منحه الانتباه. فإذا أصبحت عبارة مثل «Fake News» أو «Stolen Election» موضوعًا دائمًا للنقاش، فقد نجح الخطاب في فرض نفسه على المجال العام حتى لو كان النقاش كله لتفنيده.
وهنا يظهر الفرق بين إثبات الفكرة وإنتاج حضورها. فالعبارة لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون مقنعة لكي تكون مؤثرة؛ يكفي أن تصبح مألوفة. والتكرار لا يحول الكذب إلى حقيقة، لكنه يجعله جزءًا من الذاكرة السياسية اليومية. وبعد زمن قد لا يتذكر الناس تفاصيل الادعاء، لكنهم يتذكرون أنه كان حاضرًا بكثافة. وهذا ما يجعل الإعلام الرقمي بيئة ملائمة للشعبوية.
فالمحتوى الأكثر إثارة للغضب أو الخوف أو السخرية أسرع انتشارًا من التحليل المتزن. عبارة مثل «هم سرقوا وظائفكم» تختصر تاريخًا اقتصاديًا معقدًا، بينما يحتاج تفكيكها إلى صفحات من الشرح. ولذلك يمكن القول ساخرًا: الكذبة تحتاج إلى جملة، أما الحقيقة فتحتاج إلى حاشية. لكن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده. فهناك اقتصاد كامل للانتباه يكافئ ما يثير التفاعل، وتستفيد المنصات من المحتوى الذي يدفع الناس إلى التعليق والمشاركة. وهكذا يلتقي منطق الشعبوية مع منطق الخوارزمية: كلاهما يفضل الرسالة القصيرة، الصادمة، الثنائية، والمشحونة عاطفيًا. ومن هنا يصبح نقد الإعلام أكثر عمقًا من مجرد مطالبته بـ«تصحيح الأخبار». السؤال الأهم هو: لماذا سمح لخطاب معين بأن يحدد موضوع النقاش أصلًا؟ فالصحافة قد تفند «الانتخابات المسروقة»، لكنها حين تجعلها العنوان الأول لأيام متتالية تكون قد منحتها حياة سياسية لم تكن تمتلكها.
وهنا تلتقي فكرة بارت عن الأسطورة مع مفهوم بورديو للسلطة الرمزية: من يفرض الكلمات لا يفرض الإجابات فقط، بل يحدد المجال الذي تُطرح داخله الأسئلة. ولهذا فإن الخطر الأكبر في الشعبوية الرقمية ليس أن يصدق الناس كل ما يقوله السياسي، وإنما أن يبدأوا في التفكير داخل قاموسه.
فحين تصبح «الأخبار الكاذبة»، و«المستنقع»، و«الدولة العميقة»، و«الانتخابات المسروقة» مفردات يومية، يكون الخطاب قد حقق انتصارًا يتجاوز التصديق والرفض معًا: لقد أصبح جزءًا من اللغة التي يفكر بها المجتمع في واقعه. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد يهزم الإعلام فكرةً شعبوية بالحجة، لكنه قد يساعدها على الانتصار بالاهتمام. ثامنًا: حين يصبح الوهم حقيقة اجتماعية
تبلغ اللغة الشعبوية ذروة قوتها عندما يتحول ما كان في البداية تمثيلًا لغويًا إلى واقع اجتماعي. فإذا تكرر أن هناك «عدوًا داخليًا»، بدأ المجتمع في البحث عنه. وإذا تكرر أن هناك «مؤامرة»، أصبح كل حدث دليلًا عليها. وإذا تكرر أن القائد وحده قادر على الإنقاذ، أصبح ضعف المؤسسات دليلًا إضافيًا على ضرورة وجوده.
وهنا تعمل اللغة بطريقة دائرية: الخطاب ينتج الاعتقاد، والاعتقاد ينتج السلوك، والسلوك ينتج الوقائع التي تؤكد الخطاب. فإذا أُضعفت مؤسسة بسبب تصويرها باعتبارها فاسدة، فإن ضعفها اللاحق يصبح دليلًا على فسادها. وإذا أُقصيت جماعة بسبب تصويرها باعتبارها خطرة، فإن عزلها الاجتماعي يمكن أن ينتج توترًا حقيقيًا، ثم يُستخدم التوتر دليلًا على خطورتها ().
إن هذا هو الانتقال الحاسم من الوهم إلى الواقع: لا يعود الوهم مجرد صورة خاطئة عن الواقع، بل يصبح قوة قادرة على إنتاج الواقع الذي تدعي وصفه.
وهنا تتحول اللغة إلى علاقة اجتماعية. فحين يوصف الإعلام باستمرار بأنه «كاذب»، لا تبقى الكلمة حكمًا على مضمونه، بل تصبح سببًا لتغيير سلوك الجمهور تجاهه. وحين يوصف الخصم بأنه «عدو»، يصبح التعامل معه بوصفه عدوًا أمرًا مشروعًا في نظر الجماعة. التسمية لا تصف الموقع الاجتماعي فقط؛ إنها تساعد على إنتاجه. وتظهر قوة هذه الآلية في MAGA. فقد بدأ الشعار علامة انتخابية، ثم صار هوية سياسية، ثم أصبح معيارًا لتصنيف الذات والآخر. لم يعد الفرد يقول: «أوافق على هذه السياسة»، بل: «أنا MAGA». وهنا ينتقل الخلاف من مستوى الرأي إلى مستوى الانتماء؛ ولذلك يصبح تغيير الموقف أكثر كلفة نفسيًا، لأنه قد يبدو تراجعًا عن الجماعة لا مجرد مراجعة لفكرة. والأخطر أن الخطاب قد ينتج أحيانًا الوقائع التي يدّعي اكتشافها. فإذا صُورت مؤسسة ما باستمرار باعتبارها فاسدة، تراجعت الثقة بها؛ وإذا تراجعت الثقة، ظهرت صدامات معها؛ ثم يأتي الخطاب ليقول: «ألم أقل لكم إنها لا تستحق الثقة؟».
بهذا المعنى لا يصبح الوهم حقيقة واقعية، لكنه يصبح حقيقة في نتائجه الاجتماعية. وهنا ينبغي التمييز بين الحقيقة والفاعلية: قد تكون الرواية خاطئة، لكنها تظل قادرة على إنتاج الخوف والاستقطاب والقطيعة والولاء. ولذلك لا يكفي تفنيد الادعاء؛ فالمشكلة أعمق من المعلومة، لأنها تتعلق بالبنية التي تجعل الادعاء جزءًا من هوية الجماعة. إن أخطر نجاح للشعبوية ليس أن تجعل الناس يصدقون كذبة، بل أن تجعلهم يتصرفون على أساسها. عندئذ تنتقل السلطة من اللغة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الواقع، ثم يعود الواقع الجديد ليمنح اللغة مظهر الصدق. وهنا تكتمل الحلقة: الخطاب لا يكتفي بتفسير العالم؛ إنه، عندما ينجح، يجعل الناس يشاركون في صناعة العالم الذي ادعى الخطاب منذ البداية أنه موجود.
خاتمة: تفكيك الوهم يبدأ من تفكيك اللغة
إن دراسة اللغة الشعبوية تكشف أن السلطة السياسية لا تعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، وإنما تعمل كذلك عبر الكلمات التي تحدد ما يمكن التفكير فيه، وما ينبغي الخوف منه، ومن يستحق الثقة، ومن يستحق الإقصاء. ولذلك فإن مقاومة الوهم السياسي لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار، وإنما تبدأ بتحليل البنية اللغوية التي تجعل خبرًا معينًا مقبولًا، وتفسيرًا معينًا طبيعيًا، وعدوًا معينًا ضروريًا.
والوعي النقدي هنا لا يعني رفض الخطاب السياسي أو الشك في كل ما يقال، بل يعني استعادة المسافة بين الكلمة والواقع. حين يقول الخطاب «الشعب»، نسأل: من هو الشعب؟ وحين يقول «الإرادة الشعبية»، نسأل: كيف تشكلت هذه الإرادة؟ وحين يقول «العدو»، نسأل: من حدده؟ وبأي دليل؟ وحين يقدم الرئيس نفسه بوصفه «صوت الأمة»، نسأل: ماذا يحدث للأصوات الأخرى؟
إن هذه المسافة النقدية هي التي تمنع تحول اللغة إلى قدر سياسي. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات انتخابية، وإنما تحتاج أيضًا إلى مواطن قادر على مقاومة السحر اللغوي للسلطة؛ مواطن يعرف أن الكلمات ليست بريئة، وأن الصور السياسية لا تعكس الواقع دائمًا، وأن «الشعب» ليس صوتًا واحدًا، وأن الرئيس ليس الأمة، وأن الدولة ليست شخصًا، وأن الحقيقة لا تُقاس بقدرة الخطاب على إثارة التصفيق.
ومن هنا فإن تحرير المجال السياسي من الوهم يبدأ بتحرير اللغة من احتكار المعنى. فحين يستعيد المجتمع حقه في تعريف نفسه، وحقه في الاختلاف، وحقه في مساءلة من يتحدث باسمه، تتراجع قدرة الشعبوية على تحويل الوهم إلى حقيقة. عندئذ فقط تصبح اللغة وسيلة للتواصل السياسي، لا أداة لصناعة الواقع نيابة عن المجتمع.
***
ا. د. عامر عبد زيد الوائلي








