عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: الحيوية الأكاديمية.. في سبيل النهوض بالجامعة والمجتمع (2)

استمرارًا للحوار الفكري الذي أثارته محاضرة الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في وحدة الدراسات الثقافية حول الجامعة العربية وسبل النهوض بها وجعلها مؤسسات فاعلة وحية، أجدني مدفوعًا إلى مواصلة التأمل في الجامعة بوصفها أهم مؤسسة أكاديمية أنشأها العقل الإنساني الحديث، لا لأنها تحفظ المعرفة وتنقلها من جيل إلى جيل فحسب، وإنما لأنها المؤسسة التي يفترض أن تنتج المعرفة الجديدة، وتعيد تشكيل العقل، وتدرب الإنسان على التفكير النقدي، وتربط العلم بالمجتمع والاقتصاد والدولة والمستقبل.

وقد لفت الدكتور سيّار الجميل في محاضرته إلى فكرة بالغة الأهمية، مؤداها أن الجامعة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بعدد مبانيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد طلبتها الأجانب، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتكوين إنسان قادر على الابتكار، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع. فالجامعة التي تستهلك المعرفة أكثر مما تنتجها، مهما بلغت فخامتها، تظل محدودة الحيوية والديناميكية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن تاريخ التعليم العالي في العالم العربي يضعنا أمام مفارقة حضارية كبرى: كيف يمكن لمنطقة كانت من أسبق مناطق العالم إلى إنشاء مؤسسات التعليم العالي أن تتأخر لاحقًا عن مناطق لم تعرف الجامعة إلا بعد قرون؟

إن استعادة التاريخ ليست هنا استعادة للماضي من أجل التفاخر به، وإنما من أجل مساءلته. فالتاريخ الذي لا يساعدنا على فهم الحاضر يتحول إلى مجرد ذاكرة، والذاكرة التي لا تنتج سؤالًا جديدًا قد تتحول إلى أداة لتعويض العجز الراهن بأمجاد الماضي.

لننظر أولًا إلى خريطة نشوء مؤسسات التعليم العالي في المجال العربي والإسلامي. ففي تونس تعود جذور جامع الزيتونة إلى سنة 737م، وهو من أقدم مراكز التعليم الديني والعلمي في العالم الإسلامي. ثم جاءت جامعة القرويين في فاس بالمغرب، التي تأسست سنة 859م على يد فاطمة الفهرية، وكانت في بدايتها مسجدًا ومركزًا للتعليم، ثم أصبحت واحدة من أهم مراكز التعلم في الحضارة الإسلامية.

ثم جاء الأزهر الشريف في القاهرة في أواخر القرن العاشر الميلادي، وتؤرخ المصادر لتأسيسه بين 970 و972م، ليصبح عبر القرون أحد أهم مراكز التعليم العربي والإسلامي وفي بغداد ظهرت المدرسة المستنصرية في العصر العباسي، التي تأسست في القرن الثالث عشر، وكانت من المؤسسات العلمية المهمة التي جمعت تدريس علوم متعددة في مؤسسة واحدة. ثم انتقل العالم العربي إلى مرحلة جديدة في القرن التاسع عشر، مع ظهور مؤسسات التعليم العالي الحديثة ذات الطابع المدني والعلمي، في سياق مختلف تمامًا عن مؤسسات التعليم التقليدية.

وفي هذا السياق تأسست الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1866 تحت اسم الكلية السورية البروتستانتية، قبل أن تحمل اسمها الحالي سنة 1920. وهذه المؤسسة تمثل محطة مهمة في تاريخ التعليم الحديث في المنطقة العربية.

إذ تخرج منها بعض المفكرين والأدباء العرب الذين تركوا أثراً عميقاً في الثقافة العربية، مثل الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، والمفكر وعالم الاجتماع هشام شرابي، والروائية إيملي نصر الله، والمفكر القومي والسياسي قسطنطين زريق، وقد ساهم هؤلاء في إثراء الفكر الأدبي والنهضوي العربي الحديث والمعاصر.

ثم جاءت جامعة القديس يوسف في بيروت سنة 1875، وظهرت في السودان كلية غوردون التذكارية سنة 1902، التي أصبحت لاحقًا جامعة الخرطوم. وفي مصر تأسست الجامعة المصرية سنة 1908، وهي التي أصبحت جامعة القاهرة، وبدأت الدراسة فيها في 21 ديسمبر من ذلك العام. ثم تأسست جامعة الجزائر سنة 1909، وظهرت الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1919، ثم تأسست جامعة دمشق بصورتها الجامعة سنة 1923، بعد جذور تعود إلى مؤسسات تعليمية سابقة. وبعدها جاءت جامعة الإسكندرية سنة 1938، ثم جامعة عين شمس سنة 1950، والجامعة اللبنانية سنة 1951، وجامعة بنغازي سنة 1955، وجامعة بغداد سنة 1957، وجامعة الملك سعود سنة 1957، وجامعة أسيوط سنة 1957، ثم جامعة حلب سنة 1958. وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. ففي الجزائر 66 جامعة وفي المغرب 29 جامعة وفي تونس حوالي 30 جامعة ومؤسسة تعليم عالي. ففي اليمن وحدها اليوم أكثر من أربعين جامعة فضلا المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى. هذا التوسع الكمي في الجامعات اليمنية أفضى إلى إنتاج عشرات الآلاف من حملة الشهادات الأكاديمية من النوع الاجتماعي، ورغم ما لهذا من ملامح إيجابية عامة في شيوع أهمية الجامعة وشهادتها، إلا أنه أفضى إلى جعل الجامعات أشبه بالمدارس التقليدية التي تمنح الشهادات لغرض البحث عن وظائف عمل ممكنة.

من المعروف أن إي فعل أو سلوك إذا ما تكرار يصير عادة وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة ؟ وما الذي يفسر شيوع الخرافة والعنف والتعصب والتطرف والإرهاب بعد هذا المسار الطويل من نشوء المؤسسات العلمية العربية إذ تعد الجامعة مقوماً أساسياً من مقومات الدول العصرية، وركيزة من ركائز تطور المجتمعات البشرية وتحقيق تقدمها العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلاً عن كونها بيوتاً للخبرة ومعقلاً للفكر والإبداع، ومركزاً لانتقال الإنتاج والمعرفة وتطبيقها وبؤرة للتحديث والتجديد والتنوير والتغيير، وهي أهم وأخطر مؤسسة حديثة وإستراتيجية في تاريخ الحضارة الإنسانية، وذلك لإسهامها الحاسم في نهضة وازدهار مشروع الحداثة العلمية العقلانية في عموم الكرة الأرضية، وأهمية الجامعة لا تعود إلى قيمة وظائفها الأساسية الثلاث: المتمثلة في نقل المعرفة خلال وظيفة التدريس، أو في إنتاج وتطوير المعرفة وظيفة البحث العلمي أو في استخدام وتطبيق المعرفة وظيفة خدمة وتنمية المجتمع فحسب، بل وإلى كونها تعد المثل الأعلى لمؤسسات المجتمع المدني الحديث والإدارة البيروقراطية الرشيدة، وذلك بما تمتلكه من بنية تشريعية دقيقة التنظيم وإدارة فنية أكاديمية كفؤة وعالية الجودة وقيم ومعايير، وهيئة أكاديمية علمية قانونية وثقافية وأخلاقية وجمالية وحضارية وإنسانية وعقلانية شاملة.

إن الحضارات لا تعيش على رصيدها التاريخي إلى الأبد. فكل جيل مطالب بإعادة إنتاج شروط حاضره ومستقبله والعمل على استنهاض ممكناته للتصدي للتحديات التي تواجه في حياته الفورية المباشرة وتجاوزها إلى المستقبل. أما إذ تحولت الحضارة إلى مجرد حارس لماضيها، فإنها تبدأ في فقدان قدرتها على إنتاج المستقبل.

ولعل هذه هي إحدى المشكلات الكبرى في الثقافة العربية المعاصرة: أننا كثيرًا ما نتحدث عن «أمجاد الماضي» أكثر مما نتحدث عن «شروط المستقبل». نحتفي بأن لدينا أقدم جامعة، وأقدم مكتبة، وأقدم مدرسة، وأقدم مرصد، ثم لا نسأل السؤال الأكثر أهمية: ماذا ننتج اليوم؟

لقد امتلكنا الجامعة قبل أمريكا بقرون، لكننا لم ننجح دائمًا في تحويلها إلى نظام مستدام لإنتاج المعرفة فالمؤسسة التي ولدت من الحاجة إلى المعرفة يمكن أن تتحول إلى مؤسسة جامدة إذا فقدت الحاجة إلى السؤال. وما نحتاج إليه اليوم هو استعادة روح السؤال لا مجرد الاحتفال بتاريخ المؤسسة.

إن النهوض بالجامعات العربية يبدأ إذن من الانتقال من جامعة الذاكرة إلى جامعة المستقبل؛ من الجامعة التي تحفظ ما قيل إلى الجامعة التي تسأل عما ينبغي أن يقال؛ من جامعة الشهادة إلى جامعة المعرفة؛ من جامعة التلقين إلى جامعة التفكير؛ ومن جامعة تستهلك المعرفة إلى جامعة تنتجها.

وفي النهاية، فإن أقدم جامعة ليست بالضرورة أفضل جامعة، وأغنى جامعة ليست بالضرورة أكثر الجامعات حيوية، وأكبر جامعة ليست بالضرورة أكثرها تأثيرًا. الجامعة الحقيقية هي التي تستطيع أن تجعل المعرفة فعلًا اجتماعيًا، والعلم ثقافة، والبحث العلمي قوة إنتاج، والتعليم ممارسة للتحرر العقلي.

كتب توني هب في كتابه المهم (فجر العلم الحديث؛ الصين ألعرب والاسلام) ترجمة محمد عصفور عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية؛ قائلا: " كان العرب في كل حقول العلم .. في طليعة التقدم العلمي … إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف ” كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية”

ويخلص (توني هب) إلى القول: “لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة.

كان العلم الحديث يحتاج إلى افتراضات ميتافيزيقية جديدة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وقابلية العالم للفهم، وقدرة العقل الإنساني على اكتشاف القوانين والتحكم بها. وهذه الافتراضات لم تتحول في حضارتنا إلى وعي جمعي مؤسس، بل بقيت محاصرة داخل حدود ضيقة. ولذلك دخلنا العصر الحديث من بوابة التحديث القسري لا من بوابة الحداثة الفكرية اقصد المنطلقات الفلسفية للحداثة الاوروبية

لا شك إن ة العالم العربي شهد أنماطًا واسعة من التحديث منذ القرن التاسع عشر: جيوش حديثة، إدارات بيروقراطية، جامعات، مطابع، مدن إسمنتية، شبكات اتصال، وأخيرًا ثورة رقمية هائلة. لكن هذه التحولات بقيت في أغلبها سطحية لأنها لم تُنتج حداثة حقيقية في بنية العقل. استوردنا منتجات الحداثة دون أن نمرّ بالمخاض الفلسفي الذي أنجبها وهذا ما أفاض به عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي في كتابه المهم (الدولة المستوردة؛ تغريب النظام السياسي).

لهذا تبدو مدننا حديثة من الخارج وتقليدية من الداخل. نستعمل أحدث الهواتف الذكية بينما ما تزال علاقتنا بالسلطة والمعرفة والتاريخ محكومة بعقل ما قبل حداثي. ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بينما لم نحسم بعد سؤال حرية التفكير. نعيش في قلب الموجة الرقمية الثالثة، لكننا ما زلنا عالقين في معارك الموجة الأولى المتعلقة بشرعية العقل ذاته.

إن الأزمة الحقيقية في المجتمعات العربية الراهنة ليست نقص التحديث، بل في غياب الحداثة بوصفها إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا أخفقت محاولات النهضة العربية الحديثة في إنتاج قطيعة معرفية حقيقية مع الماضي. فمنذ رفاعة رافع الطهطاوي وحتى محمد عابد الجابري ظل السؤال المركزي هو: كيف نأخذ من الغرب قوته دون أن نفقد هويتنا؟ غير أن السؤال الأعمق كان ينبغي أن يكون: كيف نعيد بناء علاقتنا بالعقل والتاريخ والإنسان؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم