المعتزلة انموذجاً
يرى العديد من المفكرين العرب المعاصرين أن المعتزلة قاموا بثورة العقل على النقل، وهذه أهم سمة تميزهم عن بقية الفرق الكلامية الأخرى.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تقديم المعتزلة للعقل على النقل كان في موارد محدودة، وليس كما تصوره لنا دراسات الفكر العربي المعاصر التي اهتمت بالمعتزلة في هذا الجانب.
فعند النظر إلى مصادر المعرفة عند المعتزلة، نجدها تنحصر في أربعة مصادر رئيسية هي:
الأول: القرآن الكريم
الثاني: السنة النبوية
الثالث: العقل
الرابع: الإجماع.
فقد كان استعمال العقل عند المعتزلة يندرج في المرتبة الأولى فيما يتعلق بمعرفة الله أولاً؛ واثبات وجوده في المناظرات مع المخالفين ثانياً؛ يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415 هـ: "معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل". ومع ذلك، ليس المعتزلة وحدها من قدمت العقل على النقل في هذا السياق؛ فقد اعتمدت الفرق الكلامية الأخرى، على المنهج العقلي في أصول والمسائل المتعلقة بأصل التوحيد.
وعند النظر في أهم آراء المعتزلة الأساسية في منظومتهم الكلامية تعتمد على النقل - القرآن والسنة - أولاً، ثم العقل ثانياً. فلم تنفِ المعتزلة المعجزة عن النبي محمد (ص)، فضلاً عن بقية الأنبياء. وتخصيص شفاعة النبي (ص) فقط للمحسنين دون العصاة، وفقاً للأصل الثالث للمعتزلة (الوعد والوعيد)، ومعاقبة الفساق وتخليدهم بالنار، دون وصفهم بالكفر أو النفاق، هي أمثلة على ذلك.
وكذلك نجد ان الأصل الخامس عند المعتزلة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، يقوم على وجوب النهي عن المنكر كله، ويكون بالقوة في مرحلته الأخيرة إذا لزم الأمر. كل هذه الآراء وغيرها الكثير استندت إلى الدليل النقلي القائم على الإيمان بالقرآن والسنة، وليس الدليل العقلي فقط.
وليس هذا فحسب، بل إن قسم من مفكري المعتزلة استخدمت منهج التكفير ضد مخالفيهم، كما نجد في رد الجاحظ المتوفى سنة 255هـ على الحنابلة في قولهم بعدم خلق القرآن، حيث يقول: "فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة...الخ".
أما إذا سلطنا الضوء على مكانة النقل وأهميته في المنظومة الاعتزالية، وجدنا أن أعلام المعتزلة صنّفوا مؤلفات في الفقه وعلم الرجال وخبر الآحاد. فأولهم أبو جعفر الإسكافي المتوفى سنة 240هـ، فقد ألّف كتاباً سمّاه "القاضي بين المختلفة" تناول فيه خبر الآحاد في الحديث. ثم جاء بعده أبو الحسن الخياط المتوفى سنة 290هـ، فصنّف كتاب "الردّ على من أثبت خبر الواحد". ويليه أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303هـ، فصنّف كتاب "شرح الحديث"، وله في علم الرجال كتاب "شيوخ أبي داود". وآخرهم أبو القاسم الكعبي البلخي المتوفى سنة 319هـ، فألّف كتاب "حجّة أخبار الآحاد".
كما ويجب التفريق عند داسة افكار المعتزلة بين مدرسة البصرة والكوفة؛ بل أكثر من ذلك، يجب التفريق بين مفكّري المعتزلة من ناحية الآراء في المسألة الواحدة . ولعلّ أهم ما يميّز المعتزلة هو الاختلاف الكبير بين مفكّريها، حتى داخل المدرسة الواحدة، وهي ميزة قلّما نجدها عند بقيّة المدارس الكلامية الأخرى. وهكذا ونجد أنّ من الخلل المنهجيّ دراسة المعتزلة كمدرسة واحدة والحكم عليهم على هذا الأساس.
وفي الختام، نرى أن آراء المعتزلة الكلامية تعرضت لحملة تشويه على مرحلتين:
المرحلة الأولى: كانت من خلال المصادر الحنبلية والأشعرية.
والمرحلة الثانية: كانت من خلال القراءات التأويلية لبعض المفكرين العرب المعاصرين.
فهذه الحملة أدت إلى تشويه الصورة الحقيقية للمعتزلة وآرائهم، مما يستدعي إعادة النظر في فهم وتفسير أفكارهم من جديد.
***
د. علاء كاظم الجابري








