عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: الفلسفة في التعليم الثانوي الإيراني

بين أدوات التفكير وحدود الإطار

فرش اشكالي: في بلد حفرت فيه الفلسفة أخاديد عميقة في صخر الهوية الثقافية والحضارية لإيران ، من زرادشت الذي جعل الأفكار الطيبة منبع الكون، إلى ابن سينا الذي حوَّل المنطق إلى سفينة عبور نحو الحكمة الحقيقية، ومن السهروردي الذي أضاء الظلام بنور الإشراق، إلى ملا صدرا الذي جعل الوجود حركة لا جثة، وصولا إلى جلال الدين الرومي الذي صرخ في وجه العقل بأن الحب يتجاوز الادراك العقلي في هذا البلد يبدو السؤال عن تدريس الفلسفة سؤالاً مربكا من شأنه ان يدخلنا في متاهة من التناقضات: بين التراث والحداثة، بين العقل والتجربة الروحية، بين حرية السؤال وضرورة الإطار.

للوهلة الأولى قد يظن الواحد منا أن الفلسفة غائبة أو هامشية في التعليم الثانوي الإيراني. لكن الفحص الدقيق للكتب المدرسية الرسمية الصادرة عن منظمة البحث والتخطيط التربوي يكشف عن بنية منهجية لافتة: هرم ثلاثي يتدرج عبر ثلاث سنوات متتالية. يبدأ في الصف العاشر بالمنطق بوصفه ميزان الفكر وأداة التفكير، ثم ينتقل في الصف الحادي عشر إلى مدخل في ماهية الفلسفة وتاريخها ومسألة المعرفة، ليغلق في الصف الثاني عشر بالمنظومة الإسلامية المستندة إلى الحكمة المتعالية، هذا النموذج يجمع في آن واحد بين تعليم كيفية التفكير وتحديد ما يُسمح بالتفكير فيه، حيث يمنح الطالب أدوات المنطق والنقد، لكنه يضع هذه الأدوات داخل إطار يحدد حدودها سلفاً. ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: هل هذا الهرم نافذة حقيقية على التفلسف الحر، أم جدار أنيق يحول الفلسفة إلى معرفة موجهة؟ وكيف يتعامل هذا المنهج مع تراث فلسفي حي كان يصف نفسه، كما لاحظ هنري كوربان، بـروايات رحلة في العالم المعقول؟¹

لا يمكن فهم المنهج الحالي لتدريس الفلسفة في ايران دون العودة إلى عمق التربية في التراث الإيراني. ففي التراث الزرادشتي كانت المبادئ الثلاثة: الأفكار الطيبة والكلمات الطيبة والأعمال الطيبة أساس التربية الأخلاقية والعلمية. وفي العصر الساساني تجسد هذا الاهتمام في أكاديمية جندي سابور التي جمعت بين الطب والفلسفة والعلوم وأصبحت فضاء للحوار بين الحضارات، و مع مجيء الإسلام ظهرت مدارس فلسفية متعددة: المشائية مع الفارابي وابن سينا التي ركزت على بناء الفضائل بالعادة والممارسة، والإشراقية مع السهروردي التي حوَّلت المنطق الأرسطي إلى طريق نوراني وفتحت باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي حقيقي، والحكمة المتعالية مع ملا صدرا التي قدمت نظاما فلسفيا شاملا ومارست نقداً صريحاً للشكلية الدينية، وكانت المكاتب التقليدية تجسد هذه الرؤية عملياً بحرية اختيار المعلم والحوار والتعليم القائم على الحاجة الفردية، ومع التحديث في القرن التاسع عشر تأسست دار الفنون على النمط الفرنسي، وبحلول مطلع الستينيات ظهرت مادة المنطق والفلسفة رسمياً. أما التحول الحاسم فجاء بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أُعيدت صياغة المحتوى ضمن إطار إسلامي مستند إلى الحكمة المتعالية، مع الإبقاء على الهيكل المؤسسي للمادة. ²

في الصف العاشر يدرس الطالب كتاب المنطق، والعنوان نفسه يكشف عن استراتيجية واعية: حيث يعتبر المنطق في التقليد الإسلامي الإيراني هو ميزان الفكر و أداة قبل أن يكون محتوى، وهو بذلك آمن إيديولوجياً لأنه  يعلم الطالب كيف يفكر دون أن يدفعه للتساؤل عما إذا كان ما يُفكر فيه صحيحاً.

يفتتح الكتاب باقتباس للخميني يقول فيه:"  أن الإسلام دين قائم على المنطق ولا يخاف من حرية البيان والقلم"  ثم يستهل درسه الأول باقتباس ابن سينا الذي يصوّر المنطق علماً للميزان وسائر العلوم علماً للربح والخسارة. ومن حيث الموارد المعرفية يتكون الكتاب من سبعة أبواب تتدرج من ماهية المنطق إلى علاقات الذهن واللغة والخارج، ثم التعريف، فالاستدلال الاستقرائي، فالقضايا الحملية والقياس الاقتراني، فالقضايا الشرطية، ليختتم بالمنطق التطبيقي والتفكير الناقد، والملاحظ ان هذا الكتاب يحتضن تنوعاً فكرياً داخل إطار واحد: المنطق الأرسطي، والمنطق الإسلامي-الإيراني ممثلاً في ابن سينا ونصير الدين الطوسي، والإشارات إلى المنطق الحديث. ويعتمد الحكايات الفلسفية كأداة تدريسية، فيقترب شكلياً من منهج فلسفة الأطفال، لكنه يبقى موجَّهاً نحو بناء قياس صحيح دون مساءلة المقدمات ذاتها.³

في الصف الحادي عشر يأتي كتاب الفلسفة الاول ليكون الحلقة التي تربط بين المنطق كأداة والفلسفة كمحتوى، يفتتح الكتاب باقتباس يضع العقل في مرتبة أعلى من الحس ضمن رؤية تؤكد أن قانون العلية والمعلولية معقول لا محسوس، ويستحضر ملا صدرا ليميز بين مستويين من التفكير: الانشغال بأمور الحياة العادية، والدخول في الأسئلة الأساسية التي يراها مرحلة أرقى. يتناول الكتاب ماهية الفلسفة والعجب الفلسفي ودرجات التفكير وأصل الكلمة اليوناني وخصائص الفلسفة، ثم قضايا المعرفة والإدراك. وفق منهجية سقراطية وأسئلة مفتوحة وحكايات، لكن الغيابات لافتة: تاريخ الفلسفة الإسلامية مؤجل، وأفلاطون وأرسطو مختصران، والميتافيزيقا والإلهيات مؤجلة، ولا فلاسفة غربيون معاصرون.⁴

في الصف الثاني عشر يُغلق الهرم بكتاب الفلسفة الثاني. فبعد أن يكون الطالب قد تعلم كيف يفكر وعرف ماهية الفلسفة، يأتي ليتلقى الإجابات، حيث ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الواقع والوجود بما يتضمنه من مباحث الوجود والماهية وعالم الممكنات والعلة الأولى؛ ثم الله والعقل حيث تُدرَّس براهين وجود الله بما فيها نقد هيوم، قبل أن تُختم الدروس بخلاصات تؤكد أن الوجود الواجب هو الإجابة الصحيحة؛ ثم نظرة موجزة إلى سير الفلسفة في العالم الإسلامي من الكندي إلى ملا صدرا والعلامة الطباطبائي و مطهري. وما يعاب على الكتاب هو الإطار الإيديولوجي الذي يتجلى في مرجعية افتتاحية الكتب وفي التوحيد كأفق نهائي وفي الخلاصات الجاهزة التي تغلق النقاش. فلا وجود لفلسفة نيتشه ولا ماركس ولا فوكو، ولا فلسفة سياسية مستقلة، ولا أخلاق فلسفية منفصلة عن الإطار الديني.⁵

يتميّز التراث الفلسفي الإيراني بعمق يجمع بين الصرامة المفاهيمية والتجربة الروحية، فعند ابن سينا تتحول الفلسفة إلى بحث عن الحكمة الحقيقية ومسار يرتقي بالروح، و مع السهروردي يصبح النور المفهوم المركزي وتغدو الفلسفة تجربة إشراقية تجمع بين الاستدلال والذوق، ويفتح باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي وسيط. أما ملا صدرا فيشنّ هجوماً صريحاً على من يقتصر على ظاهر الشريعة، ويرى الفلسفة تفسيراً حياً مستمراً. ويصل التيار إلى أقصى درجاته مع الرومي الذي يرى في الحب تجربة تتجاوز العقل تماماً. هذا التراث الحي يواجه تحولاً واضحاً حين يدخل المنهج المدرسي حيث  تُستدعى الأسماء وتحفظ المفاهيم، لكن يُغيب البعد النقدي الحاد والبعد الشعري الصوفي و ما كان رحلة داخلية يصبح محتوى معرفياً موجَّهاً.⁶

هذا النموذج يمثل في آن واحد نافذة وجداراً، فثلاثة سنوات من المنطق والفلسفة إنجاز نادر في العالم الإسلامي، والانفتاح الانتقائي على هيوم وديكارت وكانط ليس بالأمر الهين، والمنهجية السقراطية الشكلية تعود الطالب على بعض مهارات التفكير، وإحياء التراث يحفظ أسماءً غنية. لكن الإطار الإيديولوجي المحكم، وغياب النقد الجذري، وغياب الفلسفة السياسية والأخلاق المستقلة، وغلبة الجانب القابل للاختبار على ممارسة التفلسف الحر، حول الفلسفة إلى معرفة موجَّهة. حيث تشير الأبحاث المحلية إلى ضعف تدريب المعلمين وغلبة الجانب المعرفي على الممارسة الحوارية ونظام تقييم يركز على الحفظ.

ورغم وجد تجارب في فلسفة الأطفال أظهرت نتائج إيجابية، الا انها لم تتحول إلى سياسة وطنية. ذلك ان  كل مقترح لتطوير المنهج يصطدم بجدار الخوف الإيديولوجي، فالفلسفة الحقيقية تشجع على التساؤل حول الوجود والله والدين والسلطة والنظام  رغم زخرفته بالفلسفة الإسلامية على غرار كل الأنظمة العربية والاسلامية يخشى هذا التساؤل.

***

عمرون علي

......................

الهوامش

1- هنري كوربان، في الإسلام الإيراني: جوانب روحية وفلسفية، أربعة أجزاء، منشورات الجمل، بيروت. يصف كوربان الفلسفة الإيرانية بأنها روايات رحلة في العالم المعقول.

2 - مهدي نقستين، تاريخ التربية وفلسفتها؛ بختيار شعباني وراقي ورؤيا محمدي شابكي، فلسفة التربية الإيرانية، مجلة النظرية التربوية والفلسفة، 2020؛ أبو الحسن كاظمي ساساني، التعليم في إيران، تقرير مكتب التربية الأمريكي، 1963.

3 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، المنطق ومباحثه، كتاب الصف العاشر، وزارة التربية والتعليم، طهران، الطبعة السادسة .

4 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 1: الفلسفة وأبعادها، كتاب الصف الحادي عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

5 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 2، كتاب الصف الثاني عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

6 - هنري كوربان، المرجع السابق.

7 - كريستيان جامبيه، فلسفة إيران، حلقات إذاعية ضمن برنامج دروب الفلسفة، إذاعة فرنسا الثقافية، 2017.

في المثقف اليوم