تمثل الكفاية التواصلية جانباً من القدرات المعرفية واللغوية التي تتأسس عليها العملية التعليمية التعلمية من أجل خلق توافق معرفي بين الأستاذ والمتعلم، وتسعى الفلسفة التربوية التدبيرية الحديثة إلى ترسيخ هذا التوافق مع استحضار دور كل الهيئات والفاعلين التربويين بمنظومة التربية والتعليم. وفي ظل التكامل بين هؤلاء الفاعلين، والتكامل بين المناهج الدراسية والعلوم المعرفية واللغوية يكثر الحديث في سياق بزوغ المكون الحجاجي عن عدم جدوى البلاغة التعليمية وكونها بلاغة تقنية تكرس مفهوما واحدا للبلاغة يسميها محمد مشبال ب "المعرفة التقنية المجردة". ضمن هذا الرأي المتداول عند من يصفون أنفسهم بالبلاغيين الجدد نتساءل كيف تنمي البلاغة مفهوم التواصل في الفضاء المدرسي وتعزز من قيمته؟ ثم كيف يسهم الدرس البلاغي في إحداث الأثر التربوي في سلوك المتعلمين؟ كيف تعمل المدرسة على تحقيق خطاب تربوي يستمد مقوماته من أخلاقيات التواصل؟ كيف تسعى المدرسة إلى تبني خطاب يقوم على العدل والمواطنة؟ كيف تتحول البلاغة من مكون تعليمي إلى وسيلة لصناعة خطاب تربوي يحمل قيما معرفية؟
إن تطور الدرس البلاغي بالتزامن مع تطور الشعر العربي الجاهلي وهيمنته على مجال الأدب ظلت البلاغة تحاكم النصوص من منطلق جمالي إمتاعي فقط مبني على الذوق ومدى تحقيق الأثر النفسي، إلى أن تبلورت نظرية حديثة تدعو إلى توسع مجال البلاغة للنظر في مجمل الخطابات الإنسانية من منطلقات إقناعية وهذا ما سمي بنظرية الحجاج. وإن كان سؤالا كبيرا شغل الناقد التونسي "شكري المبخوت" يلغي مكون الإقناع في الأدب العربي القديم وهو أين يبرز مبحث الحجاج في مدونة الثقافة العربية القديمة؟ حيث قاده هذا السؤال إلى «قراءة مدونات البلاغيين قراءة استدلالية لا تقوم على أي تعسف أو إسقاط وإنما هي نابعة من صلب تصور البلاغيين لموضوع علمهم وأسلوب مقاربة الظواهر التي يهتمون بها». هذا السؤال يحمل في مدلوله غياب مكون الإقناع في التراث العربي القديم، علما أن الإقناع لا ينفصل عن الذوق والتقبل. فعندما حكمت "أم جندب" بكون علقمة بن عبدة أشعر من امرئ القيس فقد اهتدت إلى حكمها النقدي بكونها اقتنعت بتناسق اللفظ وجمال العبارة وحسن توظيف وصف الفرس الذي ينسجم مع معايير الفروسية العربية. لذلك فالإقناع والاقتناع لا ينفصلان عن النظر الجمالي والإمتاعي للنصوص.
لاينكر أحد أن الدرس البلاغي العربي نشأ في حضن القرآن الكريم وترعرع في سياقه من حيث دراسة أوجه إعجازه لفظا، لذلك يمكن القول إن عماد السؤال البلاغي العربي هو ثنائية اللفظ والمعنى وليس ثنائية التخييل والحجاج كما يذهب إلى ذلك "محمد العمري" وثلة من البلاغيين الجدد سواء في الغرب أو الوطن العربي، لكن هذا الرأي الذي يدعمه "محسن الزكري" في كتابة " أصول التأويل في البلاغة العربية" يظل قاصرا عن إدراك جوهر البلاغة في تعالقها مع النصوص والخطابات الإنسانية التي تستمد قوتها من الحجاج والتخييل وأهمها الخطاب التربوي. من هنا تظل البلاغة في أفقها العام توظف الإمتاع وتجعل الإقناع أداتها الكبرى.
بين الإمتاع والإقناع يدور موضوع البلاغة ولا يمكن لنا أن نتجاوز الوظيفية الجمالية لها على حساب وظيفتها الإقناعية ومن ثمة لا يعدو أن يكون الإقناع مكونا جماليا. لهذا فالبلاغة من خلال الخطاب التربوي تنمي الحس الجمالي التأملي في المتعلم كما أنها تعلمه تذوق النصوص. وإذا كانت البلاغة عند القدامى "مطابقة الكلام لمقتضى الحال" فإن الوضعية التدريسية أو التقويمية من خلال التعلمات الصفية لا تنفصل عن هذا المفهوم؛ من أجل ذلك تعد البلاغة شرطا أساسا لتحقيق التواصل بين الأستاذ والمتعلم، «حيث إن المعنى المدروس في البلاغة هو مراد المتكلم لا المعنى مطلقا سواء أراده المتكلم أم لم يرده» [شكري المبخوت، الاستدلال البلاغي ص: 24]. إن البلاغة هنا وسيلة ديداكتيكية ينطلق منها الأستاذ في بناء التعلمات لذلك نعتبر أنه من شأنها تحقيق الانسجام والتوافق وتخليق الخطاب التربوي عبر الممارسة المهنية التعلمية حيث تستمد مقوماتها من العلاقة الأفقية الصفية التي تراعي بيداغوجيا الأخطاء والتفاوتات الذهنية والنفسية والمعرفية؛ من هنا تكون البلاغة جديرة بنقل الخطاب التربوي من حدود الفصول الدراسية إلى خارجها عبر توسيع نطاق القيم التربوية. لكن أمام هذا الرأي تعترضنا إكراهات كثيرة وإشكالات عميقة تتمظهر على مستوى مواظبة المتعلمين، التربية الوالدية، الحافزية، الإحباط المدرسي والمهني، وكذلك الانتقال بالبلاغة من مفهومها القيمي إلى مستوى تمويهي تضليلي حيث تقترن البلاغة بالمصلحة الشخصية فتتساوى مع الخطاب الإنساني الذي يراهن على الكذب والخداع والمراوغة خصوصا السياسي والاجتماعي، لأجل ذلك لا تحقق البلاغة الكفاية التواصلية في ظل تراجع أداء التعلمات نتيجة لضعف الإلمام والإعداد من طرف الأستاذ وعدم الجاهزية والاهتمام من طرف المتعلم وغياب دور الأسرة والإدارة التربوية التي سمينها سابقا بالإكراهات، إذ تظل المدرسة فضاء للنجاح والعمل بغض النظر عن الوسيلة حيث لم تعد تبحث في صناعة متعلم قادر على تعبئة موارده ومعارفه من أجل وضعية مشكلة لكنها أصبحت مؤرقة بسؤال: كيف ننقد موسما دراسيا بدون تهديدات حقيقية؟ وتبحث في حل المشكلات النفسية والاجتماعية للمتعلمين أكثر من بحثها عن حلول لمشاكل تعليمية صفية، وهذا ناتج عن تقليص دور الأسرة كما أنه ناتج عن السياسية العامة للإصلاحات التربوية التي تؤكد على عدم نجاعتها وفاعليتها كما تم التخطيط لها وقد أشار إلى ذلك تقرير المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب 2024. «لقد أضحى من البديهي أنه بدون تحول عميق للنظام التربوي لا يمكن بلوغ أي هدف من الأهداف التنموية للمغرب على مستوى ازدهار المواطنين، والتماسك الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، والإدماج الترابي»" ص: 18.
إن فئة كبيرة من المتعلمين لم تعد مهتمة بالدرس والتحصيل بقدر ما تهتم للنجاح أو العبور للمرحلة الموالية إن صح هذا التعبير، وهنا يبرز شبح الغش كآلية مضللة للنجاح تستثمر ذكاءات المتعلم في اختراع أساليب كثيرة، وفي علاقته بالبلاغة يمكن القول إنه يحول الجد إلى الاتكالية أي تحويل الصدق إلى الكذب وقد كان مفهوم البلاغة عند القدامى مرتبطا بهذا المعنى في إحدى تعريفاتها، يقول " ابن المقفع": «البلاغة كشف ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل»، لذلك فالبلاغة ترتدي رداءات مختلفة وينبغي تحريريها من هذا العبء كما يذهب إلى ذلك "صلاح حاوي" في كتابه "تحرير البلاغة، بحث في الذاكرة".
في عرف مفاهيم الحيل والذكاء والمكر يقترن الغش بالبلاغة المضللة التي تظهر الباطل في صورة الحق، لكننا نحسب أن الغش لا يقترن بالبلاغة ولكن يقترن بضعف شخصية الغاش التي نجد نظيرا لها عند القائد والسياسي والمثقف الذين يستعنون بالكذب والخداع والتملق لتسلق المناصب. وقد وظفت وزارة التربية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب هذا الموسم تقنية جديدة متطورة في تتبع حالات الغش في امتحانات البكالوريا؛ وإذ تنبأنا بجدواها وأهميتها حينها لكننا لم نلغ فرضية الغش لأن المتعلم يمارس دهاء ومكرا يفوق الآلة.
من هذا المنطلق نطمح في البلاغة المدرسية أن تبني الثقة في التلميذ وتشجع فيه التفكير النقدي وتزوده بآليات دقيقة للفهم والتحليل والتعامل مع الوضعيات المشكلة. كان هذا مبتغانا من هذا المقال وهو كيف تنتج المدرسة خطابا بلاغيا يقوم على البناء القيمي لشخصية المتعلم لا أن تستلهم المدرسة النموذج البلاغي القائم على الدهاء الذي يتبناه الكثير في مجتمعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.
***
د. عبد المجيب رحمون








