عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الرحيم الجرودي: العدمية والعبثية

المقال الأول: العدمية، حين تصمت السماء

في منتصف القرن التاسع عشر، كتب نيتشه جملته التي لم يتعافَ منها الفكر الغربي حتى اليوم: "الله مات ونحن قتلناه". لم يكن يعلن نبأ لاهوتيا، ولا بشّر بنصر الإلحاد على الإيمان. كان يصف انهيارا في البنية الكاملة للمعنى، في تلك الشبكة الخفية من القيم والمعتقدات واليقينيات التي جعلت الحياة الأوروبية تبدو على مدى قرون وكأن لها اتجاها ووجهة وعقلا مدبّرا. فحين يسقط المطلق أيا كان اسمه أو توصيفه، إلها أو عقلا أو تاريخا أو تقدما، لا يبقى شيء يملأ مكانه ولا يُستعاض عنه بشيء. يبقى الفراغ فراغا. وهذا هو قلب العدمية النابض بالصمت.

قبل نيتشه، كان شوبنهاور يمهّد الأرض لهذا الفهم بطريقته الخاصة الثقيلة. كان يرى أن الكون لا يحكمه عقل ولا حكمة ولا عناية، بل تحركه "إرادة" عمياء مجنونة، قوة جرفاء لا تعرف هدفا ولا ترحم ضعفا. كل كائن حي هو تجلٍّ لهذه الإرادة العمياء: يجوع فيطلب الطعام، يشتهي فيطلب الاقتران، ويبني فيطلب الديمومة، وفي كل مرة يبلغ مطلبه، لا يجد فيه ما توهّمه، فيعود الجوع والاشتهاء من جديد. هذه الدوامة بلا منتهى ليست قدرا طارئا يمكن إصلاحه، بل هي طبيعة الوجود ذاته. الحياة في جوهرها معاناة، لا كمصطلح أخلاقي بل كحقيقة بنيوية. والمعرفة في أقصى مآلاتها، لا تُنتج سوى مشاهدة أوضح لهذا الإفلاس. لهذا أُعجب شوبنهاور بالبوذية، ووجد في الزهد الاختياري وإطفاء الإرادة طريقا نحو نوع من الخلاص السلبي: التخلي بدل بالتحقق.

قلب نيتشه الطاولة على هذا الحل البارد. في كتبه "إنساني، إنساني جداً" ثم في "هكذا تكلم زرادشت" و"ما وراء الخير والشر" و"في نسب الأخلاق"، شنّ نيتشه حربا فلسفية لم يوفّر فيها شيئا: لا الدين، ولا الأخلاق الموروثة، ولا الديمقراطية، ولا حتى العلم حين يتوهم أنه خلف شرعي للميتافيزيقا. وفي قلب هذه الحرب كان السؤال المؤلم: إذا أسقطنا كل ما كنا نؤمن به، فما الذي يتبقى؟ وكيف نعيش في الفراغ الذي أوجدناه بأيدينا؟

كان نيتشه يميز بين عدميتين، الأولى يسميها العدمية السلبية، وهي تلك التي تستسلم لموت المعنى وتقبع في حفرة اليأس، تنعى مطلقا ضاع ولا تجد من يعوّضه، وتنتهي بنفوس مرهقة تؤمن بلا شيء وتعجز عن الإبداع. هذا النوع كان نيرى فيه مرضا، لا نهاية المطاف. والثانية يسميها العدمية الفاعلة، وهي تدمير للقيم القديمة لا كغاية في ذاتها بل كتمهيد لخلق قيم جديدة من مادة الإنسان نفسه. الإنسان الأعلى (Übermensch) الذي يُطلقه نيتشه في فضاء أفكاره ليس طاغية خارقا ولا بطلا أسطوريا، بل هو من يتحمّل العدم دون أن ينهار، ومن يُقرّ بغياب المعنى الموروث ثم يُصرّ على صنع معناه الخاص من الإرادة والإبداع والشجاعة. هو إنسان يعيش ثقل اللامعنى ولا يُسقطه على الآخرين، ولا يهرب منه إلى الأوهام الجماعية. ثمة في فلسفة نيتشه فكرة أشد فتكا من "موت الله": فكرة "العود الأبدي". تقول هذه الفكرة إن كل لحظة من حياتك، بكل آلامها وأفراحها وخسائرها وانتصاراتها الصغيرة، ستعود إلى الوجود مرات لا تُحصى، بلا تغيير ولا رحمة. لا بداية ولا نهاية ولا تقدم ولا خلاص، فقط تكرار أبدي لنفس اللحظات نفسها. طرح نيتشه هذه الفكرة ليس بوصفها حقيقة ميتافيزيقية مؤكدة، بل كاختبار وجودي: لو علمت أن حياتك ستتكرر إلى الأبد بهذه الصورة بالذات، فهل تريدها؟ هل تقبلها؟ الإنسان الذي يجيب بنعم، الذي يقول للحياة "عُودي" رغم معرفته الكاملة بثقلها وأوجاعها، هذا هو الإنسان الذي تجاوز العدمية فعلا لا قولا.

في القرن العشرين، حمل مارتن هايدغر هذا الموروث ووضعه في سياق وجودي أعمق وأكثر تقنية، رأى أن الأزمة الحديثة لا تبدأ من الإجابات الخاطئة، بل من نسيان السؤال الصحيح، سؤال الوجود ذاته. الإنسان الحديث يمضي في حياته دون أن يسأل يوما: ما الذي يعنيه "أن يكون" شيء ما؟ ما الذي يجعل الموجودات موجودة بدل أن تكون لاشيء؟ هذا النسيان ليس جهلا عارضا يُعالَج بالتعليم؛ هو طريقة وجود أصيلة تسكن الحداثة في جوهرها. الإنسان يعيش "مُلقىً" في العالم دون أن يختار هذا الإلقاء، ثم يندمج في ال"هُم" الاجتماعية: ما يشغل الجميع، ما يقوله الجميع، ما يريده الجميع، هربا من مواجهة وجوده الخاص. الموت هو الإمكانية الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يتقاسمها مع الإنسان أو يحمل عنه عبأها، وحين يواجه الإنسان موته بوضوح، باعتبار نهايته الحتمية الشخصية اللاقابلة للنقل إلى سواه، تنكشف له العدمية لا كنظرية فلسفية بل كحقيقة نابضة تحت جلده في كل لحظة.

"المسكين" نيتشه انتهى إلى انهيار عقلي في تورين عام 1889، قضى على إثره السنوات العشر الأخيرة من حياته في صمت شبه كامل حتى وفاته عام 1900. التشخيص الطبي الدقيق لا يزال محل جدل بين المؤرخين. ما الذي نصنع بهذه النهاية؟ ليس من الإنصاف أن نُقيّد فكرة بقدر صاحبها البيولوجي، فالحياة الشخصية ليست دليلا على صحة الفكر أو بطلانه. لكن ثمة شيئا موجعا في هذه المشهدية لا يمكن إغفاله: أن الفيلسوف الذي أراد للإنسان أن يُبدع معناه بإرادته الخاصة انتهى في صمت لا إرادة فيه ولا إبداع. ربما لأن من يواجه الهاوية بلا هوادة لا تكفيه الفلسفة وحدها سلاحا.

ما يجعل العدمية فكرة يصعب رفضها بسهولة أنها لا تطلب منك أن تؤمن بشيء، بل تطلب منك الدليل على أن للحياة معنى، لا الدليل الديني ولا الأيديولوجي ولا العلمي، بل الدليل الحقيقي الذي لا تسنده سلطة خارجية ولا عادة موروثة. وحين يجلس الإنسان مع هذا السؤال في صدق تام دون أن يستعجل الإجابة، يجد أن معظم ما اعتقده معنى طوال حياته لم يكن أكثر من خوف مُقنَّع، أو انتماء جماعي مريح، أو وهم أقنعه إياه من سبقوه لأنهم هم أيضا كانوا يحتاجون الإقناع. العدمية مزعجة لأنها صادقة في تشخيصها. وهي مقيمة بيننا منذ أمد بعيد، تحت أسماء كثيرة وأوجه متعددة، في الاكتئاب الحضاري  العميق، وفي الشعور العابر بأن كل شيء لا يهم حقا، وفي تلك اللحظات التي تسقط فيها الأقنعة ويجد الإنسان نفسه وحيدا في مواجهة سؤال لا يعرف أين يذهب به.

***

عبد الرحيم الجرودي

في المثقف اليوم