لكل دعوةٍ أهدافُها وغاياتُها، ولكي تبلغ تلك الغايات لا بدّ لها من آليات ومرتكزات تُمهِّد الطريق أمام تحققها، وفي هذا الإطار، تسعى "الديانة الإبـراهيمية الجديدة" إلى البحث عن البيئة الملائمة التي تضمن لها النمو والانتشار، فتتوسل بالمشتركات الظاهرة بين الديانات السماوية الثلاث، بوصفها أرضية جاهزة للتقارب والاندماج؛ من وحيٍ منزّل، ونبيٍّ مرسل، وكتابٍ مقدّس، ومعجزةٍ خارقة للعادة، غير أنّ ما يُروَّج له من أنّ هذه الدعوة انطلقت من رحم المؤتمرات الفـكرية، أو وُلدت في فضاءات المقالات الأكاديمية والمراكز البحثية، لا يخلو من قدرٍ كبير من التمويه؛ إذ إنّ جذورها الفعلية، كما تكشف الوقائع، انبثقت من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، لا من ساحات الحوار الديني الحر.
نحن، إذن، أمام مشروعٍ متسلسل الحلقات، تتداخل فيه المصطلحات وتُعاد صياغتها بعناية، بحيث تغدو السياسة هي الحاكم الفعلي، فيما يُستدعى الدين بوصفه المظهر الخارجي لبوتقتها، وتُرفع شعارات السلام والتسامح والتعايش كواجهة أخلاقية لمضامين مغايرة. غير أنّ المحطات التي تمرّ عبرها هذه الدعوة، والبوابات التي تُفتح أمامها، لا توحي إلا باتجاهٍ واحد: تكريس النفوذ الغربي في الوطن العربي والإسلامي، أو ما يُسمّى سياسياً بالشرق الأوسط، عبر ترسيخ مفاهيم جديدة تتلاءم مع تحولات الثـقافة المعاصرة، وتُقدَّم بثوبٍ حداثي ناعم، بوصفها مبرراً لإزالة الحواجز بين الديانات الثلاث. وقد أسهم هذا المسار في توليد شعورٍ متنامٍ بأن وراء هذه الدعوة أيادي خفيّة، تتمثل على نحوٍ خاص في الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة، التي تراهن، بالتكامل مع حلفائها، على خلق مناخٍ يسمح بتطبيق المشروع الأمريكي–الصهيوني ذي البعد السياسي، تحت غطاء ديني–إنساني.
إنّ تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتأجيج الصراعات الطائفية والعرقية والدينية، لا يمكن فصله عن عملية إعادة ترتيب أوراق النفوذ المُعدّة سلفاً، ففي هذا السياق، تُقدَّم الديانة الإبـراهيمية بوصفها الدعامة المعنوية والمادية والإعلامية لتوسيع الهيمنة، لا بالسلاح العسكري، بل بالأسلحة الفـكرية والرمزية، وباستهداف الحركة الأصولية الإسلامية التي يُنظر إليها باعتبارها الخطر الأكبر، غير أنّ المفارقة الأكثر خطورة تكمن في تجاهل الأصولية اليهودية–المسيحية، التي لم، ولن، تتخلى عن قراءتها الحرفية للكتاب المقدّس، ولا عن عقائد عصمة العهدين، وما يرتبط بها من نبوءات تتعلق بأحداث مستقبلية ومصيرية، مثل فكرة "الشعب المختار".
ومنذ لحظة الاحتلال عام 1948، وولادة الصراع العربي–الصهيوني على أرض فلسطين، جرى توظيف هذه النبوءات لتبرير مشروعٍ استيطاني يروم تجسيد ما ورد في النصوص المقدّسة، من موقع معبد الله إلى حدود مملكة بني إسرائيل المزعومة. وهكذا، نجد أنفسنا أمام إشكالية عميقة: دعوةٌ مُعلنة إلى التسامح والتعايش والسلام العالمي، تقابلها في العمق مخططات للسيطرة، واقتحام الدين من داخله، وإعادة تفكيك الأديان، لا لتقريبها، بل لتفريغها من معناها المقاوم، وتحويلها إلى أدواتٍ في مشروع الهيمنة.
إنّ الحديث المتزايد عن "القواسم المشتركة بين الأديان" لا يمكن فصله عن كونه مدخلاً تمهيدياً لإعادة هندسة الـوعي الجمعي، لا عبر الصدام، بل عبر التذويب، فهذه القواسم تُقدَّم بوصفها قيَماً سماوية عليا، مقبولة لدى الجميع، لا تثير حساسية أتباع الديانات المختلفة، لتتحول، في الخطاب السياسي، إلى أرضية ناعمة يُبنى عليها مشروع "حلّ الصراع العربي–الإسرائيلي"، غير أنّ هذا الخطاب، في عمقه، لا يستهدف العدالة، بل إعادة تعريف الحق.
ولهذا، يحذّر المنظّرون الداعمون لهذا المسار من خطورة الحديث عن "إعطاء الحق للشعوب الأصلية" بصيغته النـقدية، لأنّ هذا المفهوم، كما يُعاد تأويله سياسياً، ينقلب عملياً إلى تبرير استيلاء إسرائيل الكامل على القدس، فالمفاوض الإسرائيلي والغربي لا يتوقف عن الترويج، بوسائل متعددة، لما يسمّى "الحقوق التاريخيّة لليهود" في المدينة، عبر استدعاء سرديات زائفة من قبيل "مملكة داوود" بوصفها كياناً سياسياً تاريخياً، والادعاء بأن اليهود هم سكان كنعان الأصليون، وأن اليهودية سبقت المسيحية والإسلام، بما يمنحها، وفق هذا المنطق، أسبقية الحق. وهذه المفاهيم، التي يجري ضخّها ثقافياً وإعلامياً، لا تمهّد إلا لتنفيذ ما يُعرف بـ"الدولة الإبـراهيمية"، القائمة على مبدأ إعادة الحق إلى أصحابه الأوائل… أي اليهود، بحسب الزعم الصهيوني.
***
د. حيدر عبد السادة جودة








