عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: جدلية العاطفة

منتوجات الحب عندما تنسلخ الروح إلى ما هو غير معلن

"نحن لا نكره أبدًا من نحب، إلا إذا تحول الحب إلى رغبة في السيطرة، وحينها يصبح التملك وجهًا آخر للعبودية."... باروخ سبينوزا

***

إن رحلة الحب البشري منذ بداياتها وحتى يومنا هذا تحمل في طياتها تناقضات عميقة؛ فهي تبدأ من غريزة البقاء لتتطور عبر التاريخ والفلسفة إلى أسمى معاني الارتقاء، لكنها في المقابل قد تسقط في فخ التملك والتشوه النفسي إذا غاب عنها الوعي والنضج.

نشأة الحب وتطوره بين البيولوجيا والفردانية

لم يكن الحب في بداياته الأولى فكرة فلسفية مجردة ولا شعورًا رومانسيًا حالئًا، بل ولد من رحم الضرورة البيولوجية والاجتماعية القصوى لضمان بقاء النوع البشري في مواجهة قسوة الطبيعة والمفترسات فكانت غرائز الحماية والرعاية الوالدية والتعاون الجماعي داخل القبائل البديلة هي الشكل الأولي لهذا التعلق ومع تطور الإنسان عقليًا ولغويًا بدأت هذه الروابط تتخذ أبعادًا رمزية تترجم في طقوس وأساطير تعبر عن الانتماء والتعلق بالآخر ومع الثورة الزراعية واستقرار الإنسان ظهرت الملكية الخاصة وتنظيم النسل والأسرة النووية فتحول الارتباط من مصلحة جماعية للقبيلة إلى تنظيم اجتماعي واقتصادي ثنائي محدد الملامح ومع بزوغ الحضارات الكبرى واكتشاف الإنسان لذاته المستقلة ظهرت أولى النصوص والأساطير المعبرة عن لوعة العشق الفردي مثل ملحمة جلجامش وأساطير عشتار وتموز لتتوج هذه المسيرة لاحقًا في العصور الوسطى الأوروبية عبر شعراء التروبادور ومفهوم الحب المهذب أو الرومانسي الذي رفعت من شأن المرأة وجعل التضحية من أجلها قيمة كبرى وصولًا إلى العصر الحديث حيث فرضت الفردانية نفسها ليصبح الحب والارتباط العاطفي اختيارًا شخصيًا مستقلاً ومبنيًا على التوافق الروحي والنفسي البحت بعيدًا عن الإكراهات الاقتصادية والقبلية.

الحب والوجودية في مواجهة عبثية الوجود

تنظر الفلسفة الوجودية عند أعلامها مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو إلى الحب والجمال باعتبارهما الجناحين اللذين يرتفع بهما الإنسان لمواجهة عبثية الوجود ولا معقوليته فالجمال الوجودي لا يقف عند حدود الزخرفة الشكلية بل يمثل المواجهة الأصيلة للواقع المادي والكوني حيث يمنح الفن والإدراك الجمالي للإنسان شعورًا بالمعنى والتحرر من وطأة العدمية المطلقة أما الحب فيتموضع في قلب الفكر الوجودي كأزمة وكحل في آن واحد فعلى الرغم من أن سارتر يرى في نظرة الآخر تهديدًا محتملًا لحرية الذات إلا أن الحب الحقيقي يظل المحاولة الأذرع والأعمق لكسر العزلة الوجودية المطلقة والاعتراف المتبادل بحرية الكائن الآخر وهشاشته ليتحول الحب من مجرد حاجة عاطفية إلى فعل وجودي واعي يتقاسم فيه طرفان حران عبء الوجود وصمت الكون.

الوجه المزدوج للحب بين الارتقاء الحضاري والعنف المدمر

حمل الحب منذ نشأته طاقة مزدوجة ومتناقضة جعلت منه القوة الدافعة الكبرى للارتقاء الإنساني وفي الوقت ذاته الصاعق المفجر لأعنف غرائز التدمير فعلى صعيد الارتقاء كان الحب الوالدي والتعاطف الاجتماعي الركيزة الأساسية في بقاء وتطور الكائنات البشرية وتكوين مجتمعات متعاونة كما كان الملهم الأكبر لكل الفنون الخالدة من شعر وموسيقى وعمارة وساهم بفعالية في توسيع دائرة الأخلاق والرحمة الإنسانية لتتجاوز الأسرة الضيقة نحو قيم عالمية مشتركة وفي المقابل كان هذا الشغف الجارف نفسه وقودًا لدمار هائل عندما تحول إلى رغبة مرضية في التملك المطلق والغيرة العميقة مؤديًا إلى حروب وصراعات فردية وجماعية باسم العصبية والهوية والتعصب المقيت مما يثبت أن الحب مرآة حقيقية لتناقضات النفس البشرية بين السمو الإنساني والتوحش الغريزي.

الوجه المظلم للحب وتجليات من الحب ما قتل

المثل العربي الشهير من الحب ما قتل يختزل ببراعة ذلك الانحراف الخفي الذي تدخله العاطفة عندما تنسلخ الروح عن نقائها وتتحول من فضاء التحرير والارتقاء إلى سجن مظلم من الهوس والسيطرة فالحب في جوهره يمنح الحرية والاتساع لكنه عندما يقترن بخوف مرضي من الفقد أو برغبة عارمة في الاستحواذ المطلق على الشريك يفقد معناه السامي ويتحول إلى طاقة هدامة تسيطر على العقل وتغيبه وحين يتعرض هذا التعلق العاصف لصدمة عاطفية قوية كالخيانة أو الرفض أو الفراق يعجز الإنسان عن استيعاب الواقع بسبب فرط الاحتراق النفسي وارتفاع مستويات التعلق العصبي مما يدفعه تحت وطأة الانهيار التام إلى ارتكاب أفعال عنيفة أو مدمرة تثبت أن الوجه المظلم للحب ليس نتاج الحب ذاته بل هو نتاج سقوط الإنسان في فخ الأنانية والاعتمادية المريضة.

جوهر الحب الحقيقي بوصفه خيارًا أخلاقيًا للتحرر

إذا كانت كل تلك التشوهات والاصطدامات العنيفة تمثل الجانب المظلم للتعلق فإن جوهر الحب الحقيقي والنقي يظل مرتكزًا على مفاهيم جذرية تعيد للعاطفة براءتها وسموها فالإنسان في الحب الواعي لا يبتلع شريكه ولا يعتبره ملكية خاصة بل يمنحه الحق المطلق في أن يكون حرًا ومستقلًا بذاته لأن الحب الحقيقي لا يقوم على محو الآخر بل على الاحتفاء بوجوده وتفرده كما أن العلاقة السليمة تبنى على التكامل الروحي والتبادل الواعي بعيدًا عن الاعتمادية المرضية التي تبحث عن نصف آخر يكمل النقص بتهور وهنا ينتقل الحب من كونه مجرد غريزة عمياء أو تفاعل عاطفي عابر إلى خيار أخلاقي وإنساني مستدام يستند إلى الرحمة والاحترام المتبادل ليغدو الوسيلة الأسمى لتحقيق السلام الداخلي والتحرر الروحي الكامل.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم