مقاربة نقدية بين الجزائر وتونس والمغرب
"الفلسفة في صلبها الضد الرافض للتعود...
الفلسفة لا تكون بدون الفكر الحر والفعل الحر"
محمد مصطفى القباج
***
فرش اشكالي
تعيش الفلسفة في المدرسة المغاربية حالةً من البؤس المزدوج: بؤس التنظير وبؤس الممارسة. فمن جهة، تتشابه البلدان الثلاثة – الجزائر وتونس والمغرب – في رهانها على الفلسفة كأداةٍ للتحرر الفكري والارتقاء بالوعي، وتتفق مناهجها على وعودٍ باهرةٍ بالتفكير النقدي والإبداعي. ومن جهةٍ أخرى، تتباين مساراتها المنهاجية في تفاصيلها، لتتفاقم أوجه قصورها جميعاً بشكلٍ يكشف عن أزمةٍ بنيويةٍ لا تقتصر على منهاجٍ بعينه أو بلدٍ بذاته، بل تمتد لتطال جوهر العلاقة بين الفلسفة والمدرسة، فواقعيا الفلسفة تكابد في مجتمعاتنا العربية ألواناً شتى من العذاب الفكري. إنها تُدرَّس في مجتمعاتٍ مسكونةٍ بالازدواجية: تمجد الهوية قولاً وتنسلخ عن ذاتها فعلا، تسترهب النقد الذاتي وتتعالى على الآخر في ازدراءٍ مقيتٍ للغيرية. وفي ظل هذا السياق، تحوّل الدرس الفلسفي – الذي يُفترض أنه «مدرسة الحرية» على حد تعبير اليونسكو – إلى رهينةٍ لتناقضٍ مؤلمٍ بين وعود المناهج وواقع الممارسة.
هذه الأزمة ليست مصيراً محتوماً. ومن هنا يتناول هذا المقال مقاربة نقدية مقارنة لتجارب تدريس الفلسفة في سنواتها الأولى بالبلدان الثلاثة، انطلاقاً من تشخيصٍ دقيقٍ للواقع الجزائري كحالةٍ نموذجيةٍ للأزمة، ثم تفكيكاً للأسباب الجذرية في التجربتين التونسية والمغربية، وصولاً إلى طرح بدائل بيداغوجية من شأنها إعادة الاعتبار للفلسفة، لا كمادة مدرسية عقيمة، بل كممارسة حية للتفكير الحر. ولعل المفارقة الكبرى أن الفلسفة، وهي الخطاب الذي نشأ لتحرير العقل من الوصاية، أصبحت داخل المدرسة العربية واحدة من أكثر المواد خضوعًا لمنطق الوصاية والامتحان. ومن هنا تنشأ الإشكالية التي يسعى هذا المقال إلى مناقشتها: هل يعود تعثر تدريس الفلسفة إلى اختيارات المناهج، أم إلى شروط تنزيلها، أم إلى أزمة أعمق تمس علاقة المدرسة العربية بالتفكير ذاته؟
الإطار النظري: الفلسفة عنصر غريب في الجسم العربي
بالنسبة للوطن العربي عموما، يوجه تفكيرنا إطار من الأوليات: أن الفلسفة إبداع إغريقي، وأن العرب اتصلوا بالفلسفة بعد أن أغلق جوستنيان سنة 527م مدرسة الإسكندرية، فاتجه أساتذتها إلى الشرق العربي. الفلسفة إذن عنصر غريب في الجسم العربي، وليس عنصراً متأصلاً يمكن قبوله أو رفضه بانتقائية تختار ما يفي بالغرض وتنحي ما يخل بالكيان.
بعد انحسار المد الحضاري العربي، أخذ ذلك الوضع المتوتر – الذي كان خلافاً نسبياً – نمطية قارة. فتقرر في الجامعات الإسلامية (الأزهر، القرويين، الزيتونة...) تدريس جزء من الفلسفة هو المنطق الصوري في صلبه الأرسطي شرحا، وأهمل سقراط وأفلاطون إهمالاً تاماً. وإذا تجاوز تدريس الفلسفة نطاق «الدرس المنطقي» واستعمل في قضايا لها علاقة بالمعتقد الديني، فإن هذا التجاوز يعتبر مروقاً وزندقة.
ومن الأحداث الدالة: صدور فتوى تحرم تعاطي الفلسفة في مصر سنة 1870 كان من نتائجها إقصاء درس المنطق والفلسفة عن مقررات جامعة الأزهر. وقريب من هذا، المرسوم القاضي بتحريم تدريس الفلسفة الذي أصدره الحاجب المنصور في العصر الموحدي بالمغرب، إذ أصدر أمراً بألا يترك أي كتاب من كتب الفلسفة تحت التداول، ونفذه بإبادة وإحراق كتب الفلسفة. وفي عهد السلطان محمد بن عبد الله سنة 1780، أُصدر «ظهيرٌ» يحدد بدقة المواد الممنوعة: «من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة... فليتعاطى ذلك في داره مع أصحابه... ومن تعاطى ما ذكرنا في الجوامع ونالته عقوبته فلا يلومن إلا نفسه».
مع حلول ظاهرة الاستعمار، اخترق الغرب المجال المعرفي والتربوي العربي. فأدمج الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي ببعض البلدان في الثلاثينات (لبنان، سوريا، العراق، المغرب...). لكن الحقيقة المرة التي لا بد من الإقرار بها: أن الدرس الفلسفي في الوطن العربي ما زال واقعاً تحت تأثير «المدرسة الاستعمارية». ولم يوفق أي بلد عربي لحد الآن في صياغة درس فلسفي مطابق لفكر العرب وواقعهم، لدرجة العجز عن التوفيق الأدنى بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية.
المنهاج بين الطموح والعجز
يراهن منهاج الفلسفة الجزائري للسنة الثانية ثانوي (شعبة آداب وفلسفة) على كفاءتين ختاميتين: التحكم الفعلي في آليات الفكر النسقي، وخوض تجارب فعلية في طرح القضايا الفلسفية وفهمها ومحاولة حلها. ويوزّع الحجم الساعي تقريباً بالتساوي بين الدروس النظرية (55 ساعة) والأعمال التطبيقية (53 ساعة). غير أن هذه الكفايات، على طموحها، أقرب إلى مطالبٍ أخلاقية كانطية منها إلى أهدافٍ قابلةٍ للتحقق في ظل غياب لغة تفكير مشتركة قوية، وضعف التأطير، وانعدام ثقافة احترام الآخر والتواصل.
وفي المغرب، يُعرَّف التلميذ في الجذوع المشتركة على الفلسفة كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.
أما في تونس، فيبدأ تدريس الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي»، يتفرع إلى الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير (التعقل بدلاً من الانفعال، الحوار بدلاً من الإرغام).
أولاً: الجزائر
يشهد الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي الجزائري حالة من البؤس من حيث الممارسة، ومن جهة التنظير البيداغوجي يعاني من الهزال والفقر. إنه يمر بأزمة عميقة تظهر أعراضها في القلق والاكتئاب والتمزق لدى الأستاذ والتلميذ معاً. حيث ينظر أغلب التلاميذ إلى الفلسفة نظرة استخفافٍ وتعالٍ، لأن القدرة على حفظ المقال الفلسفي واستظهاره تُعتبر في مخيالهم العلامة الحقيقية على جودة التفكير. وتحت ضغط الامتحانات الرسمية، تحوّل الدرس إلى هجينٍ تلفيقيٍّ يغلب الكم المعرفي على الكيف. وهنا يتأرجح موقف التلميذ بين الخوف والحقد (بالنسبة للشعب العلمية)، والتهكم والسخرية (لدى تلامذة الشعب الأدبية).
وفي ظل هشاشة تكوين الأساتذة، يراهن كثيرٌ منهم على تخوفات التلميذ وغرائزه. فيتحول الدرس غالباً إلى ما يشبه الكوميديا تحقيقاً لمطلب الفرجة (إتقان فن الإلقاء ووجوب الإنصات)، أو إلى دراما عندما يعلن المتعلم انزعاجه وعدم رغبته في دراسة الفلسفة، لكثافة مواردها المعرفية والتفكير في طلب الخلاص عبر الغش أو الهروب نحو الدرس الخصوصي.
العوائق العشرة
يمكن رصد أهم العوائق فيما يلي:
أ) طريقة تدريس تقليدية سكونية تغلب الكم على الكيف، تعتمد الترغيب ببعض المقالات المتوقعة داخل الدرس الخصوصي والترهيب من طرف أستاذ المادة. طريقةٌ متناقضةٌ يحذّر فيها الأستاذ تلامذته من الأحكام المسبقة ثم يزوّدهم بمجموعةٍ من المطبوعات المستنسخة، ويمتدح المواقف الحرة ثم يحطّ من أهمية موقف التلميذ. مما ولد لدى التلميذ عزوفاً نفسياً وعقلياً.
ب) ضعف التأهيل والتكوين: حيث يُوجَّه أفضل التلاميذ إلى الشعب العلمية، وتستقطب الفلسفة الأضعف تكويناً. وتأتي المادة متأخرة (السنة الثانية أداب)، مثل «بومة مينيرفا» الهيغلية. وقد أكّد المرحوم محمود يعقوبي أن الإشكالية ليست في المنهجية بقدر ما هي في ضعف المستوى المعرفي للمدرسين والطلبة الموجهين إلى التخصص.
ج) العائق الأيديولوجي: خضوع المنظومة التربوية للقرارات السياسية الكبرى (ديمقراطية التعليم، الجزائرَة، التعريب، الأسلمة) وجد هذا التدخل مجاله التطبيقي الأول في حقل الفلسفة
د) غياب التفكير النقدي والمرونة اللغوية والرياضية: إذ تتطلب الفلسفة، كما كان أفلاطون يذكّر، إتقان اللغة والرياضيات، وغياب هذا المدخل يضعف القدرة على التجريد.
هـ) مركزية المقال الفلسفي واختزاله في أشكالٍ معلّبةٍ وأسئلة نمطية مستهلكة تسرّع من وقوع المتعلم في الملل.
و) العائق الثقافي: الصعوبات ليست مؤسساتية أو ديداكتيكية فحسب، بل ثقافية أيضاً؛ فالتدريس لا يتم في فراغٍ أيديولوجي.
ز) غياب الحرية: حيث لا يزدهر الدرس الفلسفي إلا في وطنٍ يقدّس الحرية.
ح) الانغلاق والعزلة عن التطورات العالمية في ميدان الأفكار، مما يقود إلى موت الفكر المبدع.
ط) غياب التخطيط وتهافت المشروع التربوي: تنمية تربوية هشة، فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، ارتفاع التكلفة مع انخفاض المردود، تهافت المحتوى، وغياب التخطيط المستقبلي.
ي) توزيع الحصص (55 ساعة نظرية مقابل 53 ساعة تطبيقية) يوحي بتوازنٍ زمني، لكن الواقع يقول إن الحصص التطبيقية تظل رهينة ضعف التأطير وغياب البنى التحتية، ما يحوّلها إلى مجرد أرقامٍ على الورق.
ثانياً: تونس
تختلف التجربة التونسية اختلافاً جوهرياً، إذ تبدأ الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة لتدريسها) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي». وهو عنوانٌ يحمل في طياته فلسفةً تربويةً عميقة تقوم على ردم الهوة بين الحياة والتفكير.
يتفرع هذا المطلب إلى ثلاثة عناصر: الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير. كما تُدرج تجربة الالتزام الفكري من خلال شخصيات فكرية تربط بين الفكر والممارسة، وهو ما يمنح التجربة التونسية بعداً إنسانياً ووجودياً ناقصاً في التجربتين الجزائرية والمغربية. ذلك ان المنهاج التونسي يتميز باعتماد «القراءة التأليفية»، وهي الدرس كما يتصوره الأستاذ وينجزه فعلياً في الفصل، فيدمج بين التمشي المعرفي والإشكالي. وهي «قراءة شمولية، تأويلية تستحضر الكل في الجزء (روح التفكير الفلسفي) وتربط الأهداف الخصوصية بالأهداف العامة». وتمثل النصوص ثلثي الكتاب المدرسي.
لكن التجربة التونسية – كما يسجل حمادي بن جاب الله – لم تبتئس يوماً قدر ما ابتأست يوم اشتدت العناية بها. فقد شهدت خلالها توسعاً كمياً وانحساراً كيفياً انتهيا بها إلى ما يشبه الوأد. فتوسع مجال تداول القول الفلسفي لم يزده إلا وهناً، كما تشهد بذلك مقالات امتحانات الباكالوريا ومستوى الطلبة الوافدين على كلية الآداب.
وقد تعزى هذه الظاهرة إلى سوء التبليغ أو عسر الهضم أو ضحالة الغذاء أو إلى هذه العوامل الثلاثة مجتمعة. فأما سوء التبليغ، فلا يقتصر على انعدام الإعداد البيداغوجي، بل يتعداه إلى عدم التحكم في أداة التبليغ، إما بسبب ما يعانيه المعلم من اختلاف بين لغة الدرس (الفرنسية) ولغة التدريس الحالية (العربية)، وإما بسبب ازدواج لغة التكوين ازدواجاً فجاً لم ينتج إلا نوعاً من حاملي الشهادات العليا لغتهم أقرب ما تكون إلى اللغة الهجينة.
وأما محتوى البرامج، فهو يبدو لأول وهلة ثرياً ثراءً يشهد له حجم البرامج المقررة نفسه (حوالي 1000 صفحة موزعة على ثلاث مجلدات). لكنه في حقيقته «ركام من المعلومات السطحية المحتوى والمتنافرة التركيب»، يحكمها مساواة فاسدة بين العلماء وغير العلماء، وخلط شنيع بين الحدوسات والرؤى التخيلية والمفاهيم والنظريات العلمية. وهكذا يسود الاعتقاد أن اكتشاف اليوم ليس إلا حلقة أخيرة من مضمار سباق خطى تتنامى فيه المعارف وتتراكم، وهو ما يوجب اجتثاث النصوص من مناخها الفكري
ولعل حضور البعد السياسي في صلب القول الفلسفي هو الذي يفسر إلى حد بعيد تردي الفلسفة عندنا. فقد شهدت أواخر الستينات وأوائل السبعينات انتشار المواقف اليسارية، فحاولت معالجة الوضع عن طريق إدخال تحويريات كانت مصحوبة بما يشبه القنبلة الإيديولوجية تدور على معنى «الجلاء الثقافي» و«الأصالة» و«العروبة» والأسلمة. وانتهى كل ذلك إلى شيء يشبه الوصاية العامة على العقل والوجدان والضمير. وقد انعكست هذه السلفية السياسية على الفلسفة تعليماً وإنتاجاً، فكان الاتجاه إلى ضرب من «التواصلية الإبستيمولوجية» تمحو الفوارق النوعية بين مختلف مراحل صيرورة المعارف.
رغم الطموح، يتحول التلميذ التونسي إلى رهينةٍ لنظامٍ مدرسيٍّ عاجز عن توفير قاعة عرضٍ لفيلمٍ فلسفي أو خشبة مسرحٍ لتجسيد إشكالٍ فلسفي. وغلبة النصوص (ثلثي الكتاب) قد تُضيّق أفق التلميذ وتُبعده عن الجذور التاريخية للتفكير. ناهيك عن إكراهات الدرس الخصوصي التي تقتل الروح الفلسفية في مهدها.
ثالثاً: المغرب
في المغرب، يلتقي التلميذ بالفلسفة لأول مرة في الجذوع المشتركة (الأولى ثانوي)، حيث يُعرَّف عليها كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.
2. تاريخ التدريس: ثلاث مراحل
يمكن استعراض تاريخ التعليم الفلسفي بالثانوي في المغرب في ثلاث مراحل متلاحقة:
المرحلة الأولى (1940-1970): يعود إدخال الفلسفة في التعليم الثانوي إلى الأربعينات، حيث كانت الشهادة منظمة في مرحلتين، كانت الثانية منهما تضم تعليماً فلسفياً يدرس باللغة الفرنسية مستلَماً من البرامج التقليدية الفرنسية. وعند خلق الباكالوريا المغربية سنة 1960، انطلق مسلسل التعريب.
المرحلة الثانية (1971-1974): تتميز بحركة التعريب التي عربت الفلسفة بشكل كامل سنة 1971، مما أتاح إعادة اكتشاف الفلسفة العربية الإسلامية. وقد عرفت هذه المرحلة إقرار برنامج جديد (1971) كان يضم في الواقع برنامجين منفصلين: أحدهما للفلسفة والآخر للفكر الإسلامي.
المرحلة الثالثة (1975-اليوم): أبرز سماتها النزوع إلى التجديد، منها إقرار برنامج جديد (سبتمبر 1976) الذي جرى تعديله لاحقاً. ولعل أهم عنصر يميز هذا المقرر هو دمج الفلسفة والفكر الإسلامي اللذين كانا منفصلين في مقررات سابقة. وتخضع تعليم الفلسفة في تنظيمه للمذكرة رقم 179 المؤرخة في 28 سبتمبر 1976، التي تضع أربع مبادئ توجيهية: الموضوعية في التقديم، ربط التدريس بالواقع الوطني والتراث العربي الإسلامي، الانفتاح على الواقع المعاصر، وبناء المواد على أساس إشكالات محددة بوضوح.
بين النشأة والاستشكال
يُطلب من المدرس أن يُشغّل التلميذ على قضية نشأة الفلسفة، لا كإخبارٍ تاريخيٍّ جاف (ظهرت عند اليونان في القرن السادس قبل الميلاد وانتهى الأمر)، بل كإشكاليةٍ فلسفيةٍ تدور رحاها بين ثنائية المركز والهامش (النزعة المركزية الأوروبية مقابل نقدها والاعتراف بجدية الشرق). وهو ما يقتضي استثمار نصوص فلسفية وتاريخية وأنثروبولوجية، ليكون التعرف على الفلسفة ممارسةً لفعل التفلسف لا نقلاً للمعرفة.
الاكتظاظ كقاتلٍ للفلسفة
غير أن هذا الطموح يصطدم بواقعٍ مرير: الاكتظاظ الهائل في الفصول، وعدم تلاؤم الغلاف الزمني مع حجم المقررات، ما يدفع بالمدرس إلى تعليم الفلسفة لا التفلسف. أي إلى نقل معارفَ يحفظها التلميذ ليستظهرها في الامتحان، ثم يتخلص منها عند «التحرر من قيود الامتحان». وبعض المدرسين يتعاملون مع النصوص الفلسفية كغاياتٍ في حد ذاتها لا وسائلَ لتعلم التفلسف.
إقصاء الفلسفة
وقد عبّرت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة عن رفضها لقرار إقصاء الفلسفة تدريساً وامتحاناً من مستويات الأولى والثانية باكالوريا (2017)، رأت فيه تجسيداً للارتجالية والمزاجية التي تحكم النظام التربوي المغربي، وانعدام الإرادة السياسية للانتقال من «مدرسة الحفظ» إلى «مدرسة التفكير».
نحو تجاوز العوائق – مقترحات إصلاحية
الحل لا يكمن في مزيد من الشعارات، بل في اقتحام مباحث علم التدريس (الديداكتيك) بشكلٍ علميٍّ. ويمكن اقتراح مداخلٍ تشترك فيها البلدان:
1. تدرج تدريس الفلسفة: البدء بتدريسها من السنة الأولى ثانوي بشكلٍ متدرج (مفاهيم، ثم مدارس، ثم إشكاليات)، بدلاً من إلقائها على التلميذ دفعةً واحدة.
2. تنويع التمارين: العمل على التعاريف، مجموعات صغيرة (2-5 تلاميذ) لمناقشة الحجج، منتديات حوارية، استضافة مختصين من خارج المدرسة.
3. التكامل بين المواد: الاشتغال على ترجمة النصوص (في شعب اللغات)، وتحقيق التكامل بين مدرس الفلسفة وأستاذ الأدب العربي وأستاذ اللغات الأجنبية حول قضايا المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية والمراهقة.
4. تجديد المشكلات: الاشتغال على قضايا روح العصر مثل الذكاء الاصطناعي والآثار الفلسفية للتكنولوجيات الجديدة.
5. إعادة بناء الامتحانات: لا يجب أن تُعلَّم التيارات الفلسفية على شكل معارف مخزّنة، بل بطريقة تمكّن من فهم التسلسل التاريخي للفكر ومجابهة نسبية الآراء.
6. شعبة «علوم وفلسفة»: التفكير في إنشاء شعبة جديدة تربط بين العلوم والفلسفة، استجابةً لطبيعة الفلسفة «بنت العلوم» لا «أمها».
7. فك العزلة: التوثيق، واستضافة المؤطرين المبدعين، وتنظيم تدريبات، واستغلال منح التعاون الدولي.
8. إعادة اعتبار تكوين المدرس: ليس تكويناً معرفياً فحسب، بل تكويناً في فن الحوار الصفي وإدارة النصوص وتشجيع الإنتاج الفلسفي.
9. تخفيف المحتوى: التخمة المعرفية تقتل التفكير. يجب أن يكون «الأقل هو الأكثر» في تدريس الفلسفة.
10. تحرير الفلسفة من الامتحان: جعل الامتحان أداةً لتقييم التفكير لا حفظ المعارف.
11. تأسيس مجلس عربي لتدريس الفلسفة: على غرار المجالس الدولية المتخصصة، يضع معايير موحدة وينظم أوراش عملٍ مشتركةً، ويصدر مجلةً متخصصةً في ديداكتيك الفلسفة.
خاتمة
الفلسفة مادة كونية وإنسانية. عزلها يقود إلى موت الفكر المبدع. والارتقاء بها يتطلب أكثر من تعديل برامج: فهو يتطلب إعادة اعتبار لزمن القسم، وتكوين المدرس، والارتقاء بالفضاء المدرسي، وغرس ثقافة التقييم التي تكافئ التفكير لا الاستظهار.
ان هذا المقال لا يدّعي الشمولية. بل هو دعوة إلى مواصلة الرصد الميداني، وإلى حوارٍ بين مدرسي الفلسفة في البلدان الثلاثة حول ما ينجح فعلاً داخل القسم، لا فقط ما يُكتب في الوثائق الرسمية. فالانتقال من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا ليس شعاراً، بل شرط إمكانية أن تصبح الفلسفة، مرةً أخرى، تجربةً حقيقيةً في التفكير.
***
عمرون علي
................
المراجع
- محمد مصطفى القباج، «إشكالية الممارسة الفلسفية تدريساً وإنتاجاً (حالة الوطن العربي)»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).
- اليونسكو، الفلسفة مدرسة الحرية: تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف، تقرير 2009.
- وزارة التربية الوطنية الجزائرية، منهاج الفلسفة – السنة الثانية ثانوي، شعبة آداب وفلسفة.
- وزارة التربية الوطنية المغربية، برنامج الجذوع المشتركة – الفلسفة.
- وزارة التربية التونسية، برنامج الفلسفة – السنة الثالثة ثانوي.
- عبد الرحمن بدوي، «تعليم الفلسفة في الجامعة»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).
- المؤلف، «محنة الدرس الفلسفي في الجزائر: من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا».
- محسن سعيد السيد، بيداغوجيا تعليم الفلسفة.
- محمود يعقوبي، مداخلة في افتتاح الملتقى الوطني «تدريس الفلسفة في الجزائر: واقع وآفاق»، المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة.
- زواوي بغورة، نقد تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي والجامعي.
- ضياء الدين زاهر، دراسات في التعليم العربي.
- عمر الفقيه حسن، «القراءة التأليفية»، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 23، ص 113.
- حامد بن جاب الله، «وضع الفلسفة في تونس تعليماً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).
- إسماعيل فائز، «الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب: رؤية نقدية».
- الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، بيان بخصوص قرار وزير التربية الوطنية رقم 3295.17، 6 ديسمبر 2017.
- أبو الوفا التفتازاني، «الفلسفة في مصر: تدريساً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).
- المرجعية العامة للمناهج الجزائرية، ص 44.
- القباج، مرجع سابق.








