عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى دحماني: الخوف من الفتنة ومن السياسة ومن السلطان

الخوف من السياسة

في التاريخ العربي/ الإسلامي هناك مفارقة غريبة وغريبة جدا، و هي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول والممالك والأمبراطوريات والوصول إلى السلطة وفي المعاملة مع الرعية من موقع السلطان والإستناد في أصول الحكم على الشرعية الدينية وشرعية القوة، و مع ذلك كانت السياسة والممارسة السياسية هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة وغاب الجمهور عن الشأن العام، إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من فعل ساس ويسوس وسياسة، كما فعل الشيخ محمد عبده بعد فشل الثورة العرابية في مصر، ولكن حتى عدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة، هي فكر وفعل وممارسة، أقصد التفكير ومناقشة قضايا ومفاهيم السلطة والدولة والخلافة والحكم . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق، أقول الفكر السياسي وليس الفقه السياسي ولا السياسة الشرعية، و أن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين في الحضارة العربية – الإسلامية، أصابع اليد الواحدة، مقارنة بعدد الفقهاء وعلماء اللاهوت، كما لا نندهش عندما لا نجدأثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، خلاَّ فيلسوف واحد هو محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة " أو بعض النصوص المتناثرة هنا وهناك في مقدمة العلامة عبد الرحمن بن خلدون وكتاب " الضروري في السياسة " للوليد بن رشد.

والغريب في الأمر أن الأمة العربية، في المشرق وفي المغرب، والتي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون وفي العلوم والفكر وفي الفقه والقانون، قد أصيبت ليس فقط بعُقم في مجال التنظير السياسي وفي حقل إنتاج الأفكار السياسية، بل وفي تطوير المفاهيم والمقولات ذات الصلة بالسياسية، و هي كثيرة، مفاهيم وكلمات تراثية/دينية، من قبيل الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والإختيار والوصية .

و لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن غياب الكلام في السياسة وغياب النقاش السياسي في تلك الحقبة من التاريخ العربي -الإسلامي، له أسبابه وله مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول، و لكن ما نبغي الإشارة إليه أن غياب الكلام وغياب النقاش والنقص الفادح في التنظير السياسي هي أعراض للمرض الحقيقي، الذي يتجلى بوضوح في الإستبداد السياسي أي الحكم المطلق أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي، الضاربة جذوره في أعماق التاريخ. وما يلفت الإنتباه أن مساحة الحرية كانت واسعة في العلوم النقلية أي علوم القرآن والحديث والفقه ودليل الإثبات هو إختلاف المذاهب الفقهية وتعدد تفاسير القرآن وكثرة كتب الصِحَّاح والأسانيد في الحديث النبوي، بل حتى حرية أن الكلام في الذات الإلهية كانت متاحة، وأبرز شاهد على ذلك هو علم الكلام الذي كان يناقش قضايا الجبر والإختيار والعدل الإلهي والصفات الإلهية والمحكم والمتشابه في القرآن، بل حتى أن قضايا الإلحاد والكفر والشرك بالله، كان الخلفاء والملوك والأمراء في بعض الأحيان يغضون الطرف عنها وتعتبر ذلك أمورا شخصية، لكن..و هذه أكبر لكن .. ما كان ممنوعا هو الإقتراب من الذات السلطانية، وما كان مرفوضا هو معارضة السلطة الحاكمة، لأن الناس في واقع الأمر تخاف من السلطان ولا تخاف من الله،، بالإضافة إلى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما سمّاها طه حسين بالفتنة الكبرى، و ما تركته في نفوس ووجدان وعقول الأفراد والجماعات عند السنة وعند الشيعة وعند الخوارج سواء بسواء، فنار الفتنة تلتهم الجميع وتقضي على كل ما تجده في طريقها، وبالتالي فإن أحداث هذه الفتنة وتطوراتها الدراماتيكية، بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية للأمة العربية- الإسلامية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة والإغتيال السياسي الذي طال ثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ اكتوى بنار العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً كبيراً من الأفراد والجماعات ولم تسلم من العنف السياسي حتى النخب الفكرية والعلمية ورجال الدين، و كما أن الثورة تقتل أبناءها فقد تعرض للقتل قادة وزعماء، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض من هذه الشخصيات يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تجلى العنف السياسي وبوضوح في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين، والحقيقة أن هذه الحروب التي لم تكن حروبا دينية بل حروباً سياسية ضد أولئك الذين رفضوا دفع الزكاة، و بلغة العصر كانت حروبا ضد التهرَّب الضريبي، و ضد التمرد على السلطة المركزية.

الخوف من السلطان

ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، و هم بمصطلحات العلوم السياسية المعاصرة ب "رجال الرئيس "، كانت تُشكّل ما يسمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة شؤون الدولة الوليدة، بعد وفاة النبي مباشرة، وبعد صراع كلامي ونقاش حاد بين الأنصار والمهاجرين في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، حيث حُسِّم الأمر لصالح قبيلة قريش، وهنا نستطيع أن نقول أن القبيلة " انتصرت " على العقيدة. والجدير بالذكر أن من بين رجالات الطبقة السياسية في عهد النبوة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي وصلوا إلى السلطة وتربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء/حكام، كُلُّهم من قبيلة قريش، والغريب في الأمر أنهم كُلُّهم ماتوا غيلة، وبعبارة أدق تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن إغتيال أعلى رأس في سلطة الدولة يمثل ذروة العنف السياسي ويؤشر على وجود خلل ما في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، نستنج من ذلك أنه عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة دراماتيكية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم وهناك مشكلة كبرى في الحكم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً وماتوا غيلة، كانوا قادة وكانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، و إذا شئنا الدقة نقول، أنهم كانوا في السلطة الحاكمة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل إتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغَّاشم من طرف السلطات الحاكمة والعنف المُفرّط والمُنفلّت من كل عقال من طرف المعارضة سواء بسواء. ومن هنا لا نندهش عندما يخاف الناس ويتوجُّس الجمهور خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من كل ما يصدر عن السلطة ومن كل ما يأتي به السلطان ومن كل ما يصدر عن الدولة السلطانية وكل ما تقدمه السلطات للناس من خدمات القمع والقهر والتسلُّط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجّس الشعوب خيّفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي وتكرار مشاهد قطع الرؤس.

الخوف من الفتنة

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأنه قد سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا مقولات ورفعت شعارات ونُحِتت عبارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " أي تفضيل بقاء الإستبداد السياسي على الحرب الأهلية الداخلية وهناك شعار يقول " ملك غشّوم ولا فتنة تدوم " ومعناه حاكم قوي خير من الإقتتال الداخلي وكذلك عبارة " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ويقصد بها أن رماد الحرب الأهلية في حالة كمون، فلا توفر الأسباب التي تؤدي إلى اشتعاله، وفي نفس الإتجاه وكما ورد في نصوص الفقهاء وفقهاء السياسة الشرعية أمثال أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان، حتى وإن كان هذا السلطان ظالم وقامع للحقوق والحريات، و تقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة شهيرة ابن جماعة والتي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة وعدم الخروج على ولايته " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته "و هناك عبارت تربط بين اللله والسلطان وتعتبر الثاني امتداد للأول مثل عبارة تقول أن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن عبارة أخرى ترى أن " الحاكم ظل الله على الأرض " ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك مقولات تركز على الربط في القداسة بين الحاكم والله، فالسلطان هو ممثل الله في الأرض، وبالتالي طاعة الحاكم/ولي الأمر/الإمام من طاعة الله، وفي هذا السياق ظهرت هذه العبارة التي تقول أن " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم وتجيز التسلُّط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب وفي نفس الوقت منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " . ونبغي التأكيد عليه هاهنا، أن فقهاء السلطان، وقد كانوا بمثابة وزراء الإعلام والدعاية والإرشاد في حكومات الملوك والسلاطين، قد بذلوا مجهوداً ضخما في صياغة هكذا عبارات ومقولات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، و وجود حاكم ظالم خير من عدم وجوده وفي هذا المعنى قالوا " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا/الشعب طاعة الحكام، فذلك من حقوق الحكام المشروعة، أما حقوق الشعب فهي مؤجلة إلى يوم تقوم الساة أي إلى يوم الحساب، ولأجل ذلك قالوا العبارة التالية... "أدوا إليهم حقهم.. واسألوا الله حقكم " ونحن نعتقد أن الدعوة إلى الطاعة هي الوجه الأخر للخوف من الفتنة، وكلا الوجهين له علاقة بالصراع على السلطة، وبالتالي له علاقة بما حدث في عهد ولاية عثمان بن عفان وخاصة في الست سنوات الإخيرة. وزيادة في التوضيح نقول، أن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي توزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، و ثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، و تعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في النبي محمد بن عبد الله (ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ النبوة / الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي السلطة والحكم بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله (ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، كما أشرنا سابقاً، رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفةً، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين فيما بعد في مذبحة كربلاء في مشهد يشيب له الولدان، وبالتالي إزاحة " آل البيت " من المشهد السياسي تماما وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييجا للمشاعر لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابًا من الناحية السياسية.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي - الجزائر

في المثقف اليوم