يأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع نص للكاتبة الفاضلة الأستاذة ابتهال عبد الوهاب نُشر بصحيفة المثقف بتاريخ 27 تموز/يوليو 2026، ضمن قسم قضايا تحت عنوان: تعدد الزوجات (انتشار الغريزة وهزيمة العقل) والذي قدّم قراءة نقدية حادة لموضوع تعدد الزوجات، بوصفه تعبيرًا عن “انتصار الغريزة وهزيمة العقل”. وهو طرح يلفت الانتباه بقوته البلاغية ووضوح موقفه الأخلاقي، كما يثير، في الوقت ذاته، أسئلة تستحق مزيدًا من التفكيك والمراجعة.
تنطلق الكاتبة من ملاحظة واقعية لا يمكن إنكارها: تحول بعض القضايا الحساسة، وفي مقدمتها الزواج، إلى مواد تدريبية وتسويقية تُقدَّم في دورات مدفوعة، هذه ظاهرة تفتح الباب لنقد مشروع لما يمكن تسميته بـ”تسليع العلاقات الإنسانية”، حيث يُختزل المعنى الأخلاقي في مهارات قابلة للبيع والشراء.
غير أن الإشكال يبدأ حين ينتقل النقد من هذه الممارسة المحددة إلى تعميم حكم قيمي على التعدد في ذاته، فاعتباره “انتصارًا للغريزة” يفترض، ضمنًا، أن هذه الممارسة لا يمكن أن تُفهم إلا في هذا الإطار، متجاهلًا اختلاف السياقات والدوافع، فضلًا عن البنية التشريعية التي تنظمه.
علمًا ان التصور الإسلامي، لا يطرح التعدد بوصفه حقًا مطلقًا أو قيمة قائمة بذاتها، بل كإباحة مشروطة، يتصدرها شرط العدل، وهو شرط لا يُقدَّم بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل معيارًا حاكمًا يكاد يضيّق مجال التطبيق بدل أن يوسّعه. لهذا فإن الخلل لا يكمن في النص بقدر ما يكمن في أنماط تمثله داخل الواقع الاجتماعي.
كما أن ربط التعدد بفشل الرجل في إدارة علاقة واحدة، رغم وجاهته في بعض الحالات، لا يمكن تعميمه بوصفه تفسيرًا شاملًا، فالعلاقات الإنسانية، بطبيعتها، أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في سبب واحد، وهي تتشكل ضمن تداخل عوامل نفسية واقتصادية وثقافية.
في محور آخر، يطرح النص نقدًا لافتًا للخطاب الديني، معتبرًا أنه يساهم في تغذية “وهم ذكوري”. غير أن هذا الطرح، في صيغته العامة، يغفل التمييز بين أنماط متعددة من هذا الخطاب، بعضها يكرّس فعلًا تصورات اختزالية، وبعضها الآخر يسعى إلى إعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد العدل والكرامة والإنسانية.
أما المقارنة بين انشغال المجتمعات بقضايا مثل التعدد، وانشغال غيرها بالعلم والتقدم، فهي مقارنة تحمل بعدًا تحفيزيًا، لكنها تحتاج إلى قدر من التحفظ المنهجي، حيث التاريخ لا يقدّم علاقة سببية بسيطة بين أنماط الزواج ومستوى التقدم، كما أن المجتمعات المتقدمة نفسها تعيش تحولات عميقة في بنية الأسرة، لا تخلو من أزمات وتعقيدات وتجاوزات.
من جهة أخرى، يقدّم النص قراءة مهمة لدور اللغة في إنتاج الهيمنة، حين تتحول الألفاظ إلى أدوات لتوزيع الفضائل والوصم الاجتماعي، بينما هذه الملاحظة، على أهميتها، يمكن أن تُستكمل بالتنبيه إلى أن الخطاب النقدي ذاته قد يقع في إنتاج ثنائيات حادة (عقل/غريزة، تقدم/تخلف) تحجب تعقيدات الظواهر بدل أن تكشفها.
على هذا الأساس يكون النقاش حول تعدد الزوجات، في جوهره، ليس نقاشًا حول حكم جزئي، بل حول الإطار الأخلاقي الذي تُفهم داخله العلاقة الإنسانية.
بل بين مقاربة تختزل الظاهرة في الغريزة، وأخرى تكتفي بإحالتها إلى المشروعية، بينما تضيع المساحة التي يفترض أن يعمل فيها التفكير النقدي.
ما نحتاجه اليوم ليس الدفاع عن التعدد ولا الهجوم عليه بوصفه شعارًا، بل تحرير النقاش من التوظيف الأيديولوجي، وإعادته إلى شروطه الحقيقية: العدالة، والمسؤولية، والقدرة على صون كرامة الإنسان، رجلًا كان أو امرأة.
عند هذا الحد فقط، يمكن أن يتحول الجدل من مواجهة خطابية إلى حوار معرفي، ومن سؤال انفعالي إلى سؤال منتج: متى تكون العلاقة الإنسانية، أيًّا كان شكلها، تعبيرًا عن العدل لا عن الهيمنة؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، بعيدًا عن الاختزال، وقريبًا من تعقيدات الواقع.
في ختام هذا النقاش، لا يسعني إلا أن أقدّر للكاتبة جرأتها في ملامسة سؤال مركزي يتجاوز ظاهر الموضوع إلى عمقه الحضاري: كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد ترتيب العلاقة بين الأخلاق والدين والواقع؟ إن إثارة مثل هذه القضايا، في سياق عربي مثقل بالمسكوت عنه، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية تُوقظ الوعي وتكسر رتابة المسلمات.
غير أن قيمة الإثارة تكتمل حين تتحول إلى أفق للفهم، فالتعدد، بعيدًا عن ثنائيات الإدانة والتبرير، يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة وصل الأحكام بمقاصدها، والنصوص بأخلاقها، والممارسات بشروطها.
في التصور القرآني، لا تُقاس العلاقات بشكلها، بل بما تحققه من عدل، وما تصونه من كرامة، وما تمنعه من ضرر، هنا تحديدًا ينتقل النقاش من سؤال “المشروعية” إلى سؤال “التحقق”: هل بقيت القيم المؤسسة حاضرة، أم تحولت إلى غطاء لممارسات منزوعة من روحها؟
إن الأزمة، في جوهرها، ليست في قضية بعينها، بل في انفصال وعينا عن منطقه المقاصدي؛ حين نفصل بين الحكم وغايته، وبين النص وسياقه، وبين الفعل وأثره الإنساني، عندها فقط تفقد القضايا معناها، وتتحول إلى شعارات تتنازعها الخطابات.
للكاتبة فضل الإشارة إلى مواضع الخلل، وللنقاش فضل تعميقها، وللفكر مسؤوليته في إعادة البناء. وبين هذا كله، يظل التحدي الحقيقي هو أن نرتقي بأسئلتنا: من جدل الأشكال إلى جوهر القيم، ومن صراع المواقف إلى بناء المعايير.
هناك، حيث يصبح العدل ميزانًا لا شعارًا، والمقاصد أفقًا لا زينة، يبدأ الطريق نحو وعي لا يكتفي بالنقد، بل يؤسس لمعنى أصدق للإنسان، وأفق أوسع للعمران.
***
مراد غريبي
..................
للاطلاع
ابتهال عبد الوهاب: تعدد الزوجات.. انتصار الغريزة وهزيمة العقل








