عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: الدرس الفلسفي في الجزائر

من المفهوم إلى التشخيص إلى الفعل

فرش اشكالي: في محضنه اللغوي الأول، عربياً كان أم اعجميا، لم يكن الدرس الفلسفي يوماً درساً محايداً أو بريئاً. إنه في جوهره، ابن صراع الأضداد الذي أدركه هيراقليطس، درس محكومٌ بقانون الهدم والبناء: يهدم سذاجة الرأي، غثاء الأحكام المتسرعة، غباء التسليم الأعمى...، وكل ما يجعل العقل عبداً لما ينبغي أن يكون سيداً عليه. وفي الآن نفسه يبني الإنسانَ في أبعاده الثلاثة: فكراً، وقولاً، وفعلاً، وهو بهذا المعنى لا يمثل بناءً نظرياً مجرداً، بل بناءً يطال الذات في صميم وجودها الأخلاقي والعقلي ذات واعية مدركة لنفسها وللذوات الأخرى فاعلة وملتزمة.

هذا الدرس لا يمكن أن يحيا إلا بما سمّاه القدماء برغبة الايروس: تلك المحبة العاقلة التي تجمع المعلم والتلميذ في صداقةٍ حول الحقيقة فالفلسفة عند هايدجر ليست حب الحكمة بقدر ما هي حكمة الحب. ولا يستقيم هذا الدرس إلا بدافع الايتوس: ونعني به الالتزام الأخلاقي بألا يكون الدرسُ سلطةً تُمارس على العقول، بل فضاءً تُحرر فيه.

لكن هذا المعنى الأصيل للفعل الفلسفي، أصابه الانحراف في واقعنا. فما كان يفترض أن يكون فضاءً للحوار والصدام المنتج، صار فضاءً للصمت والامتثال. وما كان يفترض أن يبني الذات النقدية، صار ينتج ذواتٍ مستسلمة خائفة لا تجرؤ على السؤال. وما كان يفترض أن يعلّم التواضعَ أمام تعقيد الحقيقة، تحول إلى آلةٍ لتوزيع المقالات المعلّبة. وبين الأصل الفلسفي والواقع التعليمي، انفتحت فجوة عميقة، صارت أشبه بجرح مفتوح في جسد الثقافة والتعليم وهنا نتساءل:

- إذا كان الدرس الفلسفي في جوهره هدمٌ للسذاجة وبناءٌ للإنسان فكراً وقولاً وفعلاً، فكيف تحوّل في واقعنا التعليمي إلى درسٍ يهدم الثقة بالعقل ويبني الامتثال للقوالب الجاهزة؟

- أين تكمن لحظة الانحراف التي جعلت الفلسفة تعلن تحرير العقل وتمارس تلقينه، وتدّعي السؤال المفتوح وتفرض الجواب؟

- كيف نفسّر هذا الانفصام المزمن بين غايات الدرس الفلسفي وآليات إنتاجه الفعلية؟

- لماذا تغيب عن هذا الدرس أسئلةُ التلميذ الحارقة التي تمس وجوده المشخَّص، ليحل محلها "مشكل زائف" لا يربك ولا يحفز ولا يحرر؟

- هل يمكن الحديث عن أزمة درسٍ أم عن أزمة ثقافة ونسق كامل؟

- وكيف السبيل الى تجاوز حالة التأزم؟

في مفهوم الدرس الفلسفي واشكال تحققه التاريخي

ليس المقصود بالدرس الفلسفي المادة المعرفية التي يلقنها المعلم للمتعلم، بل الفعل الفلسفي نفسه حين يصير تعلُّماً وتعليماً، وحين يصير لقاءً بين سائل ومجيب في أفق الحقيقة. انه فضاء ينفتح على ثلاثة شروط:

- حضور سؤال حقيقي يمس الذات والعالم.

- حضور آخر يُصغي ويُسائل ويدفع إلى التدقيق.

- حضور الإيروس بمفهومه الافلاطوني والإيتوس (الالتزام الأخلاقي)

هذا المفهوم لايشكل نظرة طوباوية او نزوعا نحو المثالية بل تجربة ممكنة التحقق وقد تجسد هناك في شوارع أثينا في الاغورا هناك حوَّل السوفسطائيون الشارعَ الأثيني إلى درس فلسفي مفتوح، فالإنسان في فلسفتهم هو مقياس الأشياء كلها يستطيع أن يفكر في كل شيء: في الآلهة، في القوانين، في اللغة، في الأخلاق. لقد كان هذا اتساعاً جريئاً للعقل خارج الوصايات. ثم جاء سقراط ليضيف إلى هذه الجرأة شرطاً آخر: الشجاعة الأخلاقية. لم يكتفِ بتعليم التفكير، بل علّم بالموت أن الفلسفة التزامٌ حتى آخر رمق. في هذا اللقاء بين جرأة السوفسطائي وشجاعة سقراط، وُلد الدرس الفلسفي بوصفه فضاءً لا يُعلِّم أجوبةً، بل يُعلِّم كيف يقف الإنسان على قدميه فكراً وخُلُقاً. ولم يكن الدرس الفلسفي في أثينا محصوراً في حلقة أفلاطون أو رواق زينون. لقد تسرَّب إلى الشعراء (فكروا في أسئلة الوجود في الملاحم والتراجيديات) فكانت اللغة عندهم هي بيت الكينونة، وإلى النحاتين (الذين صوَّروا في الرخام فكرة الجمال والحقيقة)، و المسرحيين (الذين جعلوا الخشبة مختبراً للصراع الأخلاقي)، وإلى السياسيين (الذين جلبوا السؤال الفلسفي إلى الأغورا). وهذا يعني أن الدرس الفلسفي تحقق أيضاً بوصفه "غيرية كريمة": لم يظل حبيس الفيلسوف المحترف، بل فتح ذراعيه للفن والأدب والسياسة، فاغتنى بها وأغناها. كان درساً يسير في الشوارع، يُرى في التماثيل، ويُسمع في الأبيات، ويُختبر في القرار السياسي.

و في الحضارة العربية الإسلامية، وجد الدرس الفلسفي متسعاً آخر: المجلس. في "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، حيث يتسامر الأصدقاء في مسائل العقل واللغة والوجود والأخلاق....، تمتزج فيها الجدية بالظرف، والحجة بالنادرة، والعمق بالبساطة. هنا صار الدرس الفلسفي مؤانسةً، لا لأن الفلسفة فقدت صرامتها، بل لأنها ربحت الحياة. الفكر لم يعد مرهقاً يُؤدَّى فرضاً، بل صار لذةً تُطلَب حباً. هذا هو الإيروس في أجلى صوره. أما إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري، فقد قدموا نموذجاً آخر: الدرس الفلسفي بوصفه موسوعةً يشارك فيها جمع لا فرد. لم يكن الواحد منهم هو المعلم المطلق، بل كانوا جماعة تتدارس الرياضيات والمنطق والطبيعة والإلهيات والموسيقى والأخلاق، بهدف تطهير النفس وتحريرها بالعلم. في رسائلهم نرى أن الدرس الفلسفي الأصيل يتسع للمعرفة كلها، ويجمع بين العقلي والروحي، ويُمارَس في أخوّة تُذكِّر بالإيتوس في معناه الرفيع: التزامٌ أخلاقي بأن تكون الحكمة للجميع، لا حكراً على أحد.

هذا هو المفهوم الذي سنحمله معنا الآن، لنرى كيف انحرف في واقع الدرس الفلسفي في الجزائر، حتى صار ضده. بين هذا التحقق التاريخي وما سنعاينه من أزمة، تنفتح هوة هي موضوع مقالنا كله.

حين ينقلب المفهوم على نفسه

عندما ننظر إلى واقع الدرس الفلسفي في جزائر اليوم، لا نرى أثراً حياً لتلك المساحات الرحبة التي أثبتناها. ما نراه هو انقلابٌ كاملٌ للمعنى، يمكن تبيّنه في أربعة انقلابات تقابل المحطات التي وقفنا عندها:

الانقلاب الأول: من فضاء السؤال إلى سجن الجواب

حيث كان السوفسطائي وسقراط يفتحان للعقل فضاءَ الجرأة والشجاعة معاً، نجد درسَنا اليوم يغلق هذا الفضاء بإحكام. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر، صار ممنوعاً ضمنياً؛ ليس بقانون مكتوب، بل بآلية أشد خبثاً: الامتحان. التلميذ لا يسأل لأنه يريد أن يعرف، بل لأنه يريد أن يجيب. والأستاذ لا يعلّم السؤال، بل يعلّم تقنية الجواب النموذجي. لقد انتقلنا من درسٍ يعلّم الشجاعة على مواجهة المجهول، إلى درس يُدرّب على الخوف من الخروج عن المألوف. الفلسفة التي علّمت بالموت ألا تراجع، صارت تُدرَّس بالخوف من الرسوب.

الانقلاب الثاني: من غيرية كريمة إلى عزلة عقيمة

وحيث كانت الفلسفة في أثينا تنفتح على الشاعر والنحات والمسرحي والسياسي في غيرية كريمة، صار درس الفلسفة في جزائر اليوم معزولاً في قوقعة "المادة الدراسية". أي حوار بين الفلسفة والأدب الجزائري؟ وأي اتصال بينها وبين التشكيل أو المسرح أو السينما؟ وأي مساءلة للخطاب السياسي اليومي؟ لا شيء من ذلك. الدرس الفلسفي صار معزولاً عن الثقافة الحية، لا يلامسها ولا تلامسه. صارت الفلسفة مادة تُقرأ في القسم وتُنسى في الشارع، بينما كانت في الأصل نسيجَ الحياة العامة.

الانقلاب الثالث: من مؤانسة المحبة إلى عنف التلقين

في مجالس التوحيدي، كان الدرسُ مؤانسةً، والفكرُ لذةً، والحقيقةُ مطلوبةً حباً. أما في قسم الفلسفة اليوم، فالدرسُ واجب ثقيل، والحقيقةُ مفروضة من خارج، واللذةُ غائبة إلا لذةَ النجاح في الامتحان. الإيروس (المحبة) التي كانت تجمع المعلم والتلميذ حول السؤال، استُبدلت بعلاقة رأسية من الأعلى إلى الأسفل: المعلم يملِك الأجوبة، والتلميذ وعاءٌ يملؤه. هذا عنف رمزي يقتل الفلسفة في مهدها، لأن الفلسفة لا تُقبَل هبةً ولا تُؤخذ سلطةً، بل تُكتشف محبةً.

الانقلاب الرابع: من موسوعية إخوانية إلى اختزال مقرري

وعوض الموسوعية الجماعية التي بشّر بها إخوان الصفا، حيث تتحد المعرفة كلها في سبيل تطهير النفس وتحريرها، نجد درس الفلسفة اليوم مختزلاً إلى "برنامج" محدود الساعات، مقسّم إلى وحدات، يُدرَّس بوتيرة ميكانيكية، ويُقوَّم في امتحان لا يقيس إلا قدرة الحفظ وإعادة الإنتاج. الفلسفة التي كانت حياةً كاملة، صارت "مادة" كغيرها من المواد، تُحصى حصصها، وتُعدل معاملاتها، وتُختصر في "مقال" له مقدمة وعرض وخاتمة. الموسوعي صار مقررياً، والجماعي صار فردياً معزولاً، والتحرري صار انتقائياً.

هذا الانقلاب ليس جزئياً ولا عرضياً. إنه انقلاب جوهري يجعل الفلسفة تنقلب على معناها الأصيل. ما يُدرَّس اليوم باسم الفلسفة هو، في العمق، نقيضها: إنه تدريب منهجي على الامتثال، وقتل للسؤال، وإطفاء للإيروس، وتجفيف للإيتوس. الدرس الفلسفي في الجزائر يعاني من "انفصام بنيوي مزمن" لأنه يدّعي غاية هي تحرير العقل، بينما آليات إنتاجه وتداوله وتقويمه كلها مصمَّمة لإنتاج نقيض هذه الغاية.

معالم الأزمة

المعلم الأول: الغياب — الفلسفة تفقد موضوعها (الإنسان الحي)

في صميم الدرس الفلسفي كما تحقق تاريخياً، كان هناك إنسان حاضر بجسده وهمومه ومصيره. سقراط في الأغورا يسائل صانع الأحذية والسياسي؛ والتوحيدي في مجلسه يؤانس من كان حاضرا في مجلس المناظرة بأسئلة تمس حياتهم؛ وإخوان الصفا يتدارسون المعرفة لتطهير نفوس هم بشر من لحم ودم. هذا الإنسان الحي، المتشخَّص، المثقل بأسئلة الوجود والموت والمعنى، هو "موضوع" الفلسفة الأول والأخير. في مقابل ذلك درس الفلسفة في جزائر اليوم، يغيب هذا الإنسان. ولا نعني بذلك الغياب المادي، فأقسام الدروس الخصوصية والجامعات مملوءة بالتلاميذ. انه غياباً آخر: غياب أسئلتهم الحارقة عن الدرس، غياب وجودهم المشخَّص عن المفهوم الذي يُدرَّس. حين يُشرح محور "الحق والواجب والعدل" او الحرية والمسؤولية مثلاً، لا يلتقي الدرسُ مع تلميذ يعيش تناقضات الحرية يومياً: في البيت، في الشارع، في علاقته بالسلطة السياسية والدينية. حين يُدرَّس "الغير"، لا يُسأل التلميذُ عن غيريته هو: عن تمزقه بين لغات (العامية، الفصحى، الأمازيغية، الفرنسية)، عن نظرته إلى المهاجر الإفريقي في شارعه، عن علاقته بالآخر المختلف مذهبياً أو ثقافياً. وحين يُعالج "العمل"، لا يُربط ذلك بشبح البطالة الذي يطارد وعيَه، ولا بصور الهجرة غير الشرعية التي تملأ شاشاته.

هذا الغياب ليس صدفة ولا سهواً، بل هو أثر بنيوي لانقلاب المفهوم: فحين صار الدرس مقرراً مؤقتاً بامتحان، تعيّن أن تكون "المفاهيم" مجردة بما يكفي لتُقوَّم قياسياً. والتجريد هنا يعني، بالضرورة، إفراغها من الإنسان الحي الذي تسكن فيه. هكذا يتحول التلميذ إلى شبح في درس الأشباح: يكتب عن الموت ولا يفكر في موته هو، ويكتب عن الدولة ولا يسأل عن دولته، ويكتب عن الأخلاق ولا يُختبر في خلقه.

ولكي يتضاعف الغياب، يغيب الأستاذ أيضاً بوصفه إنساناً حياً. فهو مطالب بأن يكون ناقلاً أميناً للمقرر لا شاهداً على أسئلته هو. لا يُسمح له بأن يقول لتلاميذه: "هذا المفهوم يربكني أنا أيضاً"، ولا أن يعترف بأن سؤال التلميذ فتح له أفقاً لم يفكر فيه. الأستاذ الحي يتحول إلى "صوت للبرنامج"، كما تحول التلميذ الحي إلى "يد تكتب المقال".

وهكذا يتم الدرس في فراغ وجودي هائل: يتحرك المفهوم في فلك ذاته، ويعيش التلميذ في فلك آخر، وبينهما جدار من الزجاج السميك؛ يرى كل منهما الآخر دون أن يلمسه. هذا هو "معلم الغياب": ألا تلمس الفلسفةُ الحياة، وألا تُسأل فيها الأسئلة التي توجع وتشغل وتحرك.

المعلم الثاني: الامتحان القاتل - حين يصير التقويم بروكروستياً

إذا كان الغياب هو أثرُ المؤسسة على المحتوى الحي للدرس، فإن الامتحان هو أداتها المركزية لفرض هذا الغياب وتعميقه. الامتحان، في الأصل، لحظة حقيقة: لحظة يختبر فيها التلميذ قدرته على مواجهة سؤال فلسفي بذاته. لكنه، في واقع الدرس الجزائري، تحوّل إلى "طقس بروكروستي" (نسبة إلى سرير بروكروست الأسطوري الذي كان يمدد الضيوف أو يبترهم ليلائموا سريره).

"سرير بروكروست" هنا هو "المقال الفلسفي الجاهز": نموذج صارم له مقدمة وعرض وخاتمة، له عدد محدد من العناصر، له لغة بعينها (لا لغة التلميذ الحية)، له طريقة قياسية في طرح المشكل وحلّه. وبدل أن يكون هذا القالب أداة لتنظيم الفكر، صار سريراً يُبتَر عليه الفكرُ إن زاد، ويُمطَّط إن نقص، حتى يلائم القياس.

هكذا ينتج الامتحان "فوضى الدال وعقم المدلول"، كما وصفها أحد المحللين: يكتب التلميذ كلمات فلسفية كبرى (الحرية، العقل، الواجب، الوعي...) ولكنها فارغة من أي مدلول معيش، لأن المطلوب ليس أن يفكر في الحرية بل أن يعيد إنتاج الدرس عن الحرية. ويكتب "مقدمة" تطرح "الإشكالية"، لكنها إشكالية مزيفة لأن الجواب معروف مسبقاً، ومحفوظ في الكراس. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر ويحفز على البحث غائب، وحلّ محله "المشكل الزائف" الذي يجيب عنه التلميذ بالحفظ لا بالفهم.

والأخطر من هذا كله أن الامتحان تحول إلى أداة عقاب للخارجين عن القالب. التلميذ الذي يجرؤ على التفكير بطريقة شخصية، بلغة تخصه، بمنطق يبنيه هو لا يُكافَأ، بل يُعاقَب بنقطة متدنية لأنه لم يحترم "المنهجية". وهكذا يتعلم التلاميذ، جيلاً بعد جيل، أن التفلسف خطر على المستقبل، وأن النجاح في الامتحان لا علاقة له بالتفكير. هذا هو الامتحان القاتل: ليس قاتلاً بمعنى أنه صعب، بل بمعنى أنه يقتل الفلسفة في صدر التلميذ، ويحولها من فعل تحرر إلى طقس امتثال.

المعلم الثالث: البيئة الحاضنة مسمومة

لا يُعزل درس الفلسفة عن البيئة الثقافية التي يتنفس فيها. وإذا تأملنا هذه البيئة، وجدناها تنضح بـ"كراهية الحكمة" بأشكال شتى. المجتمع الذي يُفترض أن يكون حاضناً للسؤال الفلسفي، صار يمجّ "الوصفة السحرية" ويحتقر التردد والالتباس. المتفلسف في المخيال الجمعي، شخصٌ ثرثار يعيش في الغيوم، لا "وليٌّ صالح" يحمل أجوبة مضمونة للنجاح. وهذا "الولي الصالح" موجود فعلاً، متجسداً في أستاذ الدرس الخصوصي الذي يوزع "الملخصات" الجاهزة، ويحفظ تلاميذه "المقالات النموذجية" عن ظهر قلب، ويرفع معدلاتهم في البكالوريا؛ فيُصبح هو "المنقذ" بينما يتحول أستاذ القسم الذي يحاول تعليم التفكير إلى شخص هامشي لا يُؤبه له.

هذه البيئة ليست محايدة. إنها "تربة مسمومة" تنمو فيها كل أمراض الدرس الفلسفي الأخرى. كيف تزدهر الفلسفة في بيئة لا تقرأ، أو تقرأ "المقالات الجاهزة" ولا تقرأ النصوص الأصلية؟ كيف تزدهر في بيئة لا تحترم السؤال، بل تريد الأجوبة سريعةً هشةً كالوجبات الخفيفة؟ وكيف تزدهر في بيئة تخلط بين "الحرية" و"الانفلات"، وبين "النقد" و"العدمية"، فلا هي تثق في العقل، ولا هي تريح صاحبه؟ إن الدرس الفلسفي هنا لا يسبح مع التيار، بل ضده. وأي أستاذ يحاول أن يُدرّس فلسفةً حقيقية يشعر بهذا التيار الجارف الذي يدفع تلاميذه -والمجتمع من ورائهم- نحو السؤال الوحيد: "ما الذي سيأتي في الامتحان؟"

المعلم الرابع: بؤس الجامعة

هنا نصل إلى ينبوع الأزمة العميق. قد يظن المرء أن الأزمة تنحصر في الطور الثانوي، لكن الحقيقة أن "أم الأزمات" تكمن في الجامعة. لقد تحولت أقسام الفلسفة في كثير من الجامعات، كما شخص الأمرَ بعضُ نقادها بعنف، إلى "مصنع لإنتاج موظفي الفلسفة" لا إلى "مشتل لإنتاج الفلاسفة".

الطالب الذي يدخل قسم الفلسفة يتعلم، في الغالب، كيف يجتاز الامتحانات، وكيف يحفظ الشروح، وكيف يتقن الصراعات المفاهيمية العقيمة التي تدور في فلكها وتحوم حول ذاتها. لكنه نادراً ما يتعلم كيف يكون فيلسوفاً؛ أي كيف يواجه نصاً أصلياً مواجهة حرة، وكيف يبني سؤالاً بحثياً أصيلاً، وكيف يكتب فلسفةً لا تقريراً عن الفلسفة.

ثم يتخرج هذا الطالب أستاذاً في الثانوي، فيحمل معه المرضَ نفسه الذي أصابه: يفهم أن "النجاح" في درس الفلسفة هو في حفظ القوالب لا في كسرها، وفي إعادة الإنتاج لا في الإبداع. هكذا يصير الأستاذ "البروكروستي" ضحيةً قبل أن يكون جلاداً. إنه يُمارس على تلاميذه ما مارسته عليه الجامعة. وبدل أن تكون الجامعة "ضميراً" للدرس الفلسفي وسنداً له، صارت طرفاً أساسياً في إعادة إنتاج "فقر الدم الفلسفي" ذاته. وما لم ينكسر هذا الإسفين في الجامعة، فكل إصلاح في الثانوي سيكون ترقيعاً فوق جرح غائر.

المعلم السادس: التنظير في وادٍ والممارسة في وادٍ آخر

هذا المعلم هو الخيط الناظم الذي يربط كل ما سبق. إنه "الانفصام المدوي" بين ما تقوله الوثائق الرسمية وما يحدث في قاع القسم.

تقرأ "دليل بناء الاختبارات" أو "المناهج الطموحة"، فترى كلاماً جميلاً عن "التفكير النقدي"، و"الحوار"، و"بناء المواطن الصالح"، و"التفتح على العالم". لكنك في القسم ترى العكس تماماً: تلقيناً، قمعاً، خوفاً، ومقالاً جاهزاً. هذه هي "الكذبة الممنهجة" التي تحدثنا عنها: أن ندّعي أننا نعلّم التفكير النقدي بينما كل جهازنا التعليمي مصممٌ لقمع كل أثر للتفكير النقدي الحقيقي.

إنه "الفعل المزدوج" بعينه: خطاب حداثي طموح يخاطب اليونسكو والتقارير الدولية، وممارسة بيروقراطية متخشبة تخاطب الامتحان ومعدلات النجاح. والتلميذ هو ضحية هذا الانفصام، لأنه يُربى على أن "النفاق المعرفي" هو القاعدة: قل شيئاً وافعل شيئاً آخر، اكتب في ورقة الامتحان أنك تحب الفلسفة وأنت تكرهها في أعماقك لأنها تحولت إلى كابوس.

هذه الديناميكية المفرغة بين هذه المعالم الستة تنتج "البؤس" و"العقم" و"فوضى الدال" التي تملأ أقسامنا: كلمات فلسفية ضخمة تدور في الفراغ، بلا بشر، بلا حياة، بلا أسئلة حقيقية.

تجاوز الأزمة من التشخيص إلى الفعل

أمام هذا التشخيص القاتم، هل من مخرج؟

إن المخرج لا يمكن أن يأتي من "فوق"، من إصلاح وزاري هش تطارده التناقضات نفسها. المخرج يبدأ من "تحالف نقدي" يُبنى في الفراغات التي لا تراها المؤسسة. إنه "فعل كلام" يفضح الكذبة الممنهجة، ويبني درساً موازياً حيثما وجد متسع.

أولاً: فضح "الكذبة الممنهجة"

تحويل الامتحان من طقس سري إلى حدث فكري عمومي. أن يُنشر سؤال البكالوريا في اليوم ذاته، ويُناقش علناً: هل هو سؤال حقيقي؟ هل يسمح بالتفكير؟ أم هو "سرير بروكروست" آخر؟ هذا الفعل البسيط، الذي مارسه بعض النقاد بشجاعة، يضرب جوهر الأزمة في مقتل.

ثانياً: بناء "درس موازٍ"

لا ننتظر الإذن. ننشئ ورشات فلسفة في المكتبات العامة، ودور الثقافة، ونوادي في الثانويات، خارج إكراهات البرنامج والامتحان. نستعيد "ليالي الإمتاع والمؤانسة" في مقاهينا الفكرية، ونحوّل الفلسفة إلى حدث ثقافي وليس مادة دراسية. التجارب المغاربية والدولية في "فلسفة الأطفال" و"المقاهي الفلسفية" تقدم نماذج عملية جاهزة للتطويع.

ثالثاً: خلق ذاكرة نقدية وفضح النماذج

توثيق التحليلات النقدية للامتحانات، ونشر نماذج لدروس فلسفية حية، ومقارنة أسئلتنا بأسئلة دول أخرى تحترم العقل الفلسفي. هذا يُراكم وعياً ويجعل كل جيل يبني على ما سبقه، بدل أن يبدأ من الصفر.

رابعاً: كسر العزلة والانفتاح اللغوي والمعرفي

الاستفادة من المنصات الرقمية (يوتيوب، بودكاست) لنشر محتوى فلسفي هادف بالعربية واللغات الأخرى التي يجيدها التلاميذ. ترجمة نصوص أساسية، واستضافة فلاسفة، وفتح نقاش حولهم. هذا يحرر الدرس من سجن اللغة الواحدة والمرجع الواحد، ويُسمع التلميذَ أصواتاً فلسفية حية.

خامساً: "الخيانة المبدعة" للقالب

على الأستاذ أن يمارس، حيث يستطيع، "خيانة مبدعة": أن يترك مساحة لسؤال حر لا علاقة له بالامتحان، أن يعلّم منهجية المقال بوصفها أداة مؤقتة لا غاية، أن يقول لتلاميذه إنه مسموح لهم بأن يفكروا بطريقة لم تخطر له هو على بال. هذه أفعال صغيرة لكنها، إذا تكاثرت، تصنع تياراً مضاداً.

هذه الأفعال تحتاج إلى "فاعل نقدي" جديد، يتشكل من أساتذة يرفضون أن يكونوا سجانين، وأكاديميين يرفضون اللامبالاة، ومثقفين مستقلين، وتلاميذ يكتشفون متعة السؤال. هذا التحالف ليس وهماً. إنه موجود، لكنه معزول.

***

عمرون علي - الجزائر

في المثقف اليوم