عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: محمد مدين.. مشروع فلسفي في خدمة العقل والإنسان

هناك مفكرون يضيفون إلى المكتبة كتابا، وهناك من يضيفون إلى الوعي طريقة جديدة في النظر إلى العالم. وبين الصنفين مسافة شاسعة؛ فالأول يترك أثرا على رفوف المكتبات، أما الثاني فيترك أثره في العقول والضمائر. والدكتور محمد مدين ينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا يكتفون بكتابة الفلسفة، وإنما يعيشونها، ولا يدرسون الفكر بوصفه تاريخا مضى، بل باعتباره طاقة متجددة لتحرير الإنسان من أوهامه، والدفاع عن العقل في زمن تتكاثر فيه أشكال اليقين الزائف

لم يكن مشروعه الفكري مجرد ممارسة أكاديمية داخل قاعات الجامعة، وإنما كان رحلة طويلة للبحث عن الإنسان، وعن معنى الحرية، وعن قيمة السؤال، وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الحضارات بعضها ببعض. ولذلك جاءت أعماله في التأليف والترجمة امتدادا لرؤية تؤمن بأن المعرفة لا وطن لها وأن الفلسفة لا تعترف بالحدود، وأن الحضارات لا تتصارع بقدر ما تتحاور حين تجد من يتقن لغة العقل.

لقد استطاع الدكتور محمد مدين أن يحتل مكانة رفيعة بين أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي، ليس لأنه حفظ تاريخ الفلسفة أو أتقن شرح نظرياتها، وإنما لأنه تعامل معها باعتبارها مشروعا لتحرير الوعي الإنساني. فكان دائم الانحياز إلى العقل النقدي، وإلى الحوار، وإلى الانفتاح على الثقافات المختلفة، مؤمنا بأن الفلسفة ضرورة حضارية ولا يمكن لأمة أن تتقدم من دونها.

ولعل أحد أهم ملامح مشروعه الفكري يتمثل في إيمانه العميق بالترجمة. فالترجمة عنده لم تكن نقلا حرفيا للكلمات، وإنما كانت إعادة بناء للمعنى، وجسرا تعبر عليه الأفكار بين الأمم. ولذلك أسهم في نقل عدد من الأعمال الفلسفية المهمة إلى العربية، واضعا نصب عينيه أن اللغة العربية قادرة على استيعاب أكثر المفاهيم الفلسفية تعقيدا

حين نتأمل المشروع الفكري للدكتور محمد مدين، ندرك أننا أمام عقل اختار أصعب مسارات الفلسفة وأكثرها دقة. فلم ينشغل بالشعارات الفكرية الكبرى، بقدر ما انشغل بالبنية العميقة للمفاهيم، وباللغة التي تتشكل داخلها الأحكام الأخلاقية، وبالسؤال الدقيق عن المعنى والقيمة والمنهج. ولهذا جاءت مؤلفاته وكأنها حلقات متصلة في مشروع فلسفي واحد، غايته إعادة الاعتبار للفلسفة التحليلية وللفكر الأخلاقي في الثقافة العربية.

إن من يقرأ كتبه يكتشف أنه لا يكتب بلغة مغلقة أو متعالية، بل بلغة تجمع بين الدقة الأكاديمية والعمق الفكري، فيشعر القارئ أنه يتحاور مع عقل حي، لا مع صفحات جامدة. وربما كانت هذه إحدى أهم خصائص الفلاسفة الحقيقيين. أنهم يجعلون القارئ شريكا في التفكير، لا مجرد متلقي للمعرفة.

إنه يدرك أن الحضارات لا تنهض وهي منغلقة على نفسها، وأن كل نهضة إنسانية كبرى بدأت بترجمة الآخر، لا بنفيه. ولهذا جاءت ترجماته امتدادا لرؤية فلسفية ترى أن المعرفة ملك للبشرية كلها، وأن اللغة ليست جدارا يعزل الشعوب، وإنما جسر يصل بينها.

في كتابه "جورج إدوارد مور: بحث في منطق التصورات الأخلاقية" أعاد قراءة أحد أهم مؤسسي الفلسفة التحليلية، كاشفا كيف تحولت الأخلاق عند مور من مجرد مواعظ معيارية إلى تحليل منطقي للمفاهيم والقيم. ثم واصل هذا المشروع في كتابيه "الحدس الخلقي: الإطار النظري والمنهجي" و"الحدس الخلقي: مقال في المنهج الأخلاقي"، قدم معالجة فلسفية عميقة لنظريات الحدس الأخلاقي، مبينا أن الضمير الإنساني ليس شعورا عابرا، بل قضية فلسفية تستحق التحليل والنقد.

أما كتابه "الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر: دراسة في مشكلة المعنى. فيمثل أحد أهم إسهاماته في تعريف القارئ العربي بالفلسفة التحليلية الحديثة، إذ تناول فيه قضية المعنى بوصفها محور الفلسفة في القرن العشرين، موضحا كيف أصبح تحليل اللغة مدخلا لتحليل الفكر نفسه.

وفي منطق البحث: دراسة في منطق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي.. انتقل إلى الفلسفة البراغماتية مبينا أن التفكير ليس تأملا مجردا، بل عملية بحث متصلة، وأن المعرفة لا تتولد إلا من مواجهة المشكلات والسعي إلى حلها بمنهج علمي نقدي.

ولم يغب ديفيد هيوم عن مشروعه الفكري، فخصص له كتابين مهمين هما "فلسفة هيوم الأخلاقية" و"نظرية القيمة عند ديفيد هيوم: بحث في إعادة بناء رسالة في الطبيعة البشرية"، مقدما قراءة تحليلية دقيقة لأحد أبرز الفلاسفة الذين أسهموا في إعادة صياغة الفكر الأخلاقي الحديث، وكاشفا عن عمق العلاقة بين العاطفة والقيمة والحكم الأخلاقي في فلسفة هيوم.

كما واصل اهتمامه بفلسفة الأخلاق من خلال مؤلفات مثل "دراسات في النظرية الأخلاقية الحديثة"، و"التوجهات الميتاأخلاقية للنظرية المعيارية"، و"التعادلية في القيمة"، و"ألفريد يونج: دراسة في منطق النقد الأخلاقي"، و"النظرية الأخلاقية عند برتراند راسل"، وهي أعمال تشكل في مجموعها موسوعة عربية رصينة في فلسفة الأخلاق المعاصرة، تجمع بين الدقة التحليلية والقدرة على تبسيط أكثر الإشكاليات الفلسفية تعقيدا.

وامتد اهتمامه إلى فلسفة الفن وعالم القيم من خلال كتابيه النظرية الطبيعية في الفن والأكسيولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر، مؤكدا أن الجمال والقيمة ليسا موضوعين هامشيين، بل يمثلان جوهر الخبرة الإنسانية، وأن الحضارة لا تقوم على المعرفة وحدها، بل على الوعي بالقيم التي تمنح تلك المعرفة معناها.

أما كتابه مقدمة في الفلسفة العامة فقد جاء ثمرة خبرة أكاديمية طويلة، يقدم للقارئ مدخلا رصينا إلى أهم القضايا الفلسفية، جامعا بين وضوح العرض وعمق التحليل، حتى أصبح مرجعا مهما للدارسين والباحثين.

ولم يقتصر عطاؤه على التأليف، بل كان واحدا من أبرز المترجمين الذين أدركوا أن الترجمة ليست نقلا للكلمات، وإنما نقل لطرائق التفكير. فقد أثرى المكتبة العربية بترجمات نوعية، من أبرزها كتاب "مشكلة القيم في فلسفة هارتمان ولويس، الذي قدم من خلاله إحدى أهم النظريات المعاصرة في فلسفة القيم، وترجمة كتاب حل المشكلات اليومية بالمنهج العلمي : كيف نفكر مثل العالم؟".. الذي جعل التفكير العلمي أقرب إلى الحياة اليومية، وترجمة كتاب النزعة الإنسانية، التي أعادت طرح سؤال الإنسان بوصفه مركزا للثقافة الحديثة، إضافة إلى ترجمته المهمة لكتاب الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، الذي فتح للقارئ العربي نافذة واسعة على أبرز التيارات الفلسفية الفرنسية الحديثة.

وإلى جانب كتبه وترجماته، جاءت بحوثه العلمية لتؤكد اتساع مشروعه الفكري؛ فقد ناقش قضايا شائكة مثل نقد الوضعية المنطقية، واللغة الدينية، والإرهاب بوصفه مفهوما فلسفيا، والسببية عند هيوم، والحركة التحليلية، وقدم قراءات نقدية لإسهامات عدد من كبار الفلاسفة المصريين، مؤكدا أن الفلسفة لا تكتفي بشرح التراث، بل تمارس نقده وإعادة بنائه باستمرار.

وهكذا تتكامل صورة المشروع الفكري للدكتور محمد مدين؛ مشروع لا يقوم على كثرة المؤلفات فحسب، بل على وحدة الرؤية. رؤية تؤمن بأن الفلسفة فعل تحليل، وأن الأخلاق قضية عقل، وأن اللغة مفتاح الفكر، وأن الترجمة جسر الحضارات، وأن الدفاع عن العقل هو في النهاية دفاع عن الإنسان نفسه

وربما يستطيع التاريخ أن يحصي عدد ما ألّفه وما ترجمه، لكنه لن يستطيع أن يحصي عدد الأفكار التي أيقظها، ولا عدد العقول التي ساعدها على اكتشاف نفسها، ولا مقدار الأثر الذي تركه في كل من عرفه أو قرأ له أو تتلمذ على يديه.

فالأفكار العظيمة لا تموت، لأنها تسكن البشر، والكتب الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، لأنها تبدأ في عقل القارئ. وهكذا سيظل محمد مدين واحدا من أولئك الذين يثبتون أن الفيلسوف الحقيقي لا يعيش في الماضي، ولا ينعزل عن الحاضر، بل يصنع المستقبل بصبر، وبكلمة صادقة، وبعقل لا يتوقف عن التفكير.

لقد سار طويلا في دروب الفكر، ولم يكن همه أن يصل وحده، بل أن يترك خلفه علامات مضيئة حتى لا يضل القادمون الطريق. فيجمع المعاني كما يجمع البستاني أزهاره، ويغرس الأفكار كما يغرس الفلاح بذوره، مؤمنا بأن المعرفة لا تزهر في موسم واحد، وإنما تحتاج إلى أعمار كاملة حتى تؤتي ثمارها.

لذلك، فإن احتفائي بالفيلسوف القدير محمد مدين ليس احتفاءا بمسيرة أكاديمية وقيمه علميه فحسب، بل احتفاء بفكرة نبيلة قاومت الزمن؛ فكرة أن العقل يستطيع أن يكون أكثر رحمة من التعصب، وأن المعرفة أكثر خلودا من السلطة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع، في هدوء، أن تهزم ضجيج العالم.

وما أجمل أن يمضي الإنسان في هذه الحياة، ثم يلتفت خلفه، فلا يجد آثار أقدامه على الطريق، بل يجد حدائق كاملة من الأفكار نبتت حيث مر، ووجوها كثيرة صارت ترى العالم بعيون أكثر جمالا واتساعا

تحية إلى رائد الفلسفة التحليلية الذي آمن بأن العقل هو آخر حصون الإنسان، وأن الترجمة ليست نقلا للمعرفة فحسب بل صناعة للحوار، وأن الثقافة ليست ترفا بل شرطا ضروريا لبقاء الحضارة نفسها.

سلام على أولئك الذين اختاروا أن تكون حياتهم رسالة، وأن يكون الحرف وطنهم، وأن تكون الحكمة رفيقة أعمارهم  وأن تكون كتبهم نوافذ نطل منها على إنسانيتنا .

وسلام على الدكتور محمد مدين، الذي أثبت أن العمر الحقيقي ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما نتركه من ضوء في أرواح الآخرين... وأن بعض البشر لا ينتهون عند آخر صفحة من كتبهم، بل يبد أون هناك، حيث يفتح قارئ شاب كتابا، فتولد الفكرة من جديد، ويولد معها الأمل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم