ثمة ظاهرة تستحق التأمل طويلًا في المشهد الثقافي العراقي بعد عام 2003. فمن اللافت أن عددًا غير قليل من الموظفين، بعد إحالتهم إلى التقاعد، اندفعوا نحو كتابة المقالات وتأليف الكتب التي توزعت بين الرواية والمذكرات والسرد الشخصي والانطباعات العامة عن المجتمع والسياسة والحياة اليومية. والمفارقة أن معظمهم لم يكن لهم، طوال سنوات عملهم الوظيفي، حضور يُذكر في الصحافة أو النشاط الأدبي أو الندوات الثقافية أو حتى في الهامش الاجتماعي الذي يدور عادة حول الكتابة والقراءة. لا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم قيمي مباشر على ما يكتبونه، فذلك شأن آخر تحكمه معايير النقد والجماليات واللغة والبناء الفني. إنما تكمن الملاحظة الأساسية في طبيعة هذا التحول المفاجئ نفسه: كيف ينتقل شخص أمضى أربعين عامًا بعيدًا عن أي ممارسة كتابية واضحة، إلى السعي الحثيث لاكتساب صفة “الكاتب” أو “الروائي” أو “الصحفي” في مرحلة عمرية متأخرة؟ وما الذي يدفع إنسانًا عاش داخل نظام الوظيفة، بقوانينه ورتابته اليومية، إلى محاولة إعادة تعريف ذاته من خلال الكتابة بعد أن يغادر مكتبه الأخير؟
إعادة تعريف الذات
في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد هواية متأخرة أو رغبة بريئة في تمضية الوقت، لكن الاقتراب من هذه الظاهرة يكشف طبقات أعمق من المعاني النفسية والاجتماعية. فالكتابة هنا لا تظهر دائمًا بوصفها فعلًا أدبيًا خالصًا، بل بوصفها محاولة لإعادة ترميم صورة الذات بعد انهيار الدور الاجتماعي القديم. ذلك أن الوظيفة، في المجتمعات التي تقوم على البيروقراطية الصارمة، لا تمنح الإنسان موردًا اقتصاديًا فقط، بل تمنحه أيضًا تعريفًا واضحًا لوجوده. وحين يفقد هذا التعريف مع التقاعد، يشعر فجأة بأنه خرج من مركز الحياة إلى هامشها الصامت.
لقد كان الموظف، لسنوات طويلة، يدخل إلى مؤسسته بوصفه شخصًا معروفًا بالاسم والصفة والموقع الإداري. كان يمتلك مكتبًا وختمًا وسلطة توقيع، وكان حضوره اليومي جزءًا من حركة المجتمع. لكن التقاعد يقطع هذه الصلة دفعة واحدة. وفجأة يجد نفسه أمام وقت فائض، وأمام شعور ثقيل بأن العالم يمضي من دونه. عند تلك النقطة بالتحديد، تبدو الكتابة وكأنها وسيلة لاستعادة الاعتراف الرمزي بالوجود.
وثائق نفسية
ولهذا يمكن قراءة كثير من هذه النصوص بوصفها وثائق نفسية واجتماعية أكثر من كونها أعمالًا أدبية مكتملة الشروط. فالقيمة الحقيقية لبعضها لا تكمن في براعة الأسلوب أو تعقيد البناء السردي، بل في ما تحتويه من تفاصيل خام عن الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية داخل مؤسسات الدولة والمدن والأحياء القديمة. إن بعض هذه الأعمال، على الرغم من بعدها الواضح عن المعايير الفنية للأدب، تظل قابلة للقراءة بوصفها مادة أرشيفية قد يعود إليها باحث أو مؤرخ أو حتى روائي يبحث عن ملامح عصر كامل جرى تسجيله من الداخل، بعفوية غير مقصودة أحيانًا.
ويبرز هذا الأمر خصوصًا في المذكرات التي تُقدَّم تحت لافتة “الرواية”. فكأن كلمة “رواية” تمنح التجربة الشخصية شرعية جمالية لا تملكها في أصلها. وهنا تتكشف واحدة من أكثر الظواهر دلالة في الثقافة العربية المعاصرة: اتساع مفهوم الرواية إلى درجة أصبحت معها قادرة على احتواء أي شيء تقريبًا؛ الذكريات، واليوميات، والشهادات الشخصية، وحتى التداعيات العابرة. لقد تحولت الرواية، في نظر كثيرين، إلى الوعاء الأكثر مرونة لتمرير السيرة الذاتية تحت غطاء أدبي يمنحها قيمة رمزية أعلى.
انهيار الشرعية الثقافية
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بطموح فردي متأخر، بل ترتبط أيضًا بالتحولات العميقة التي أصابت مفهوم الثقافة بعد عام 2003. فقد انهارت، إلى حد كبير، الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين الكاتب والقارئ، وبين النص الأدبي والخبرة الشخصية، وبين النشر الاحترافي والنشر العابر. أصبح بإمكان أي شخص أن يطبع كتابًا، أو ينشر نصًا، أو يعلن نفسه كاتبًا من دون المرور بالسياقات الصارمة التي كانت تفرضها الصحافة الثقافية أو المؤسسات الأكاديمية أو التراكم المعرفي الطويل.
لقد تغيرت فكرة “الشرعية الثقافية” نفسها. ففي زمن سابق، كان الكاتب يصل إلى الاعتراف بعد سنوات من الاحتكاك بالمجلات والصحف والندوات والقراءات المتخصصة. أما اليوم، فقد صار اللقب الثقافي متاحًا بدرجة غير مسبوقة، وأصبح الانتقال من القارئ إلى الكاتب يحدث أحيانًا بلا مقدمات واضحة. وهذا التحول، على الرغم مما يثيره من فوضى وارتباك، يكشف أيضًا عن نزعة ديمقراطية كامنة في الثقافة الحديثة؛ نزعة تسمح للأصوات المؤجلة بأن تتكلم أخيرًا، حتى وإن جاءت تلك الأصوات مرتبكة أو غير مكتملة.
الحاجة إلى الاعتراف
من الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة بسخرية متعالية، كما يفعل بعض المثقفين الذين يتعاملون مع الكتابة بوصفها امتيازًا نخبويًا مغلقًا. فالرغبة المتأخرة في الكتابة قد تكون، في جانب منها، تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة إلى الاعتراف والسرد وإعادة ترتيب الحياة داخل معنى يمكن احتماله.
إن الإنسان، حين يتقدم في العمر، يشعر بحاجة متزايدة إلى مراجعة قصته الشخصية، وإلى تحويل سنواته الماضية إلى حكاية قابلة للرواية. وربما لهذا السبب تحديدًا تظهر المذكرات في المراحل المتأخرة من العمر أكثر من أي مرحلة أخرى.
فالكتابة، في جوهرها، ليست دائمًا فعل إبداع بقدر ما هي مقاومة للنسيان. والموظف المتقاعد الذي يكتب مذكراته أو روايته الأولى لا يحاول بالضرورة أن ينافس كبار الأدباء، بل يحاول غالبًا أن يقول إنه كان هنا، وإن حياته لم تمر من دون أثر. إنه يكتب ضد الاختفاء أكثر مما يكتب من أجل الأدب.
ولعل هذا ما يمنح بعض هذه النصوص مسحتها الإنسانية الخاصة، حتى عندما تكون ضعيفة من الناحية الفنية. فخلف اللغة المرتبكة أو السرد المترهل، يمكن أحيانًا أن نلمح خوفًا دفينًا من الصمت، ومن التلاشي داخل عالم سريع النسيان. إن الكتابة هنا تصبح شبيهة بمحاولة متأخرة لوضع اسم على جدار الزمن قبل أن يُمحى كل شيء.
من جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن فراغ ثقافي عميق عاشته أجيال كاملة داخل النظام الوظيفي العربي. فقد أمضى كثير من الموظفين حياتهم في أداء أعمال روتينية استنزفت طاقتهم الداخلية، ولم تترك لهم فرصة حقيقية لاكتشاف ميولهم الفكرية أو الإبداعية. وحين انتهت الوظيفة، بدا كأنهم يستعيدون فجأة جانبًا مؤجلًا من ذواتهم. وربما لهذا تأتي كتاباتهم محملة أحيانًا بطاقة اعتراف متأخرة، وكأنها محاولة لتعويض ما ضاع من العمر.
نصوص متعجلة
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الموجة الواسعة من الكتابة قد أفرزت أيضًا قدرًا كبيرًا من النصوص المتعجلة والضعيفة، تلك التي تخلط بين الرأي الشخصي والأدب، وبين التوثيق والانفعال المباشر. غير أن هذه الفوضى ليست معزولة عن السياق الثقافي العام الذي يعيش هو الآخر أزمة معايير واختلاطًا في المفاهيم. فحين تصبح الشهرة أسرع من التجربة، ويصبح النشر أسهل من التعلم، فإن المجال الثقافي كله يدخل في منطقة رمادية تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الكاتب الحقيقي ومن يكتفي بادعاء الصفة. لكن، رغم كل ذلك، تبقى هذه الظاهرة جديرة بالانتباه لأنها تقول شيئًا مهمًا عن الإنسان المعاصر أكثر مما تقول عن الأدب نفسه. إنها تكشف عن خوف الإنسان من أن يعيش حياة كاملة ثم يرحل من دون أن يترك وراءه أثرًا لغويًا يدل عليه. ولهذا تبدو الكتابة، في كثير من هذه الحالات، أشبه بمحاولة أخيرة لترميم المعنى الشخصي للحياة بعد أن تنتهي الأدوار الاجتماعية الكبرى.
فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أيضًا أن يروي أنه عاش. والكتابة، مهما كانت متواضعة، تمنحه هذا الوهم الجميل: أن صوته قد يبقى قليلًا بعد أن يصمت العالم من حوله.
***
مروان ياسين الدليمي







