هل المدونة تشريع باسم الدين أم مصادرة له؟
في هذه المقالة المستعجلة) كالمدونة المستعجلة- التي أقرت بلا إقرار حقيقي داخل البرلمان العراقي عام ٢٠٢٥- من دون قراءة واطلاع ومناقشة مطلقا، لانهم تصوروها منزلة من "السماء " وهي قد قدمت للتو بتوقيع من المعصوم جعفر الصادق (عليه السلام) مباشرة – فيها نقد لكيف تم تحويل المذهب الحر الى مذهب فقهي لا يشبهه.
الأخطر ما في الأمر انهم جعلوا المدونة كما لو كانت نصا منزلا، غير خاضع للنقاش والمراجعة وكأنها لاتتعامل مع بشر معاصرين. بل مع "كومة أحجار" ثابتة ومتشابهة وتصوراتهم واحدة عن قضايا حياتهم ودينهم ؟ أو كما لو كانت صياغة النص القانوني غير خاضع للمساءلة والتهميش والتعديل .
وهنا تبدأ المشكلة فالفقه الجعفري عبر تاريخه الطويل لم يكن مذهبا مغلقا أبداً. بل كان قائما على مبدأ الاجتهاد المفتوح وعلى تعدد الآراء (واختلاف الفقهاء) وحق المكلف في اختيار المرجع الذي يقلده) لم يكن هناك نص قانوني او فقهي يحتكر الحقيقة باسم المذهب لكن المدونة الجديدة فعلت العكس تماما.
لقد حولت الفقه من حركة فكرية حيّة الى جهاز قانوني جامد) ومن تعددية الاجتهاد الى احتكار النص. ومن اختلاف الفقهاء والاراء الى مادة قانونية ملزمة تصدرها الدولة وتفرضها على المجتمع باسم الدين.
والسؤال هنا: هل ماجرى هو تشريع باسم الدين، أم مصادرة للدين نفسه؟
لأن الدولة حين تختار رأيا فقهيا واحدا من بين عشرات الآراء داخل المذهب الجعفري) ثم تحويله الى قانون نافذ) فإنها لاتغير نظام المجتمع فقط) بل تعيد تشكيل المذهب نفسه وفق حاجتها السياسية والإدارية .
إن أخطر ما في المدونة ليس مضمونها أو تسميتها (بل الطريقة التي قُدمت بها، فقد أريد للمجتمع أن يتعامل معها بوصفها فوق النقد) وخارج النقاش وكأن الاعتراض عليها اعتراض على الدين ذاته وعلى المذهب الجعفري، -الذي يشعر اتباعه لليوم بأنهم مستهدفون في دينهم وتشريعهم- لا على صياغة قانونية بشرية قابلة للنقد والتعديل، فهي وأن كانت مستمدة من المدونات الفقهية الجعفرية الا أن نقلها للفتاوى ليس معصوما وطريقة الجمع والانتقاء بالآراء لم تكن معصومة بالتأكيد.
وهذه واحدة من أخطر آليات تدمير المجتمعات: أن يتحول القانون الى مقدس) وسياسة البلد الى دين والاجتهاد البشري الى حقيقة نهائية) والأخطر أن المدونة لم تطرح في مجتمع مستقر ومتوازن، بل في مجتمع عراقي ممزق بالحروب والطائفية والفقر والفساد والانهيار المؤسسي. أي أنها جاءت في بيئة متفجرة أصلا، لم تخرج من الحروب بعد، بدل أن تبحث عن ترميمها وتوحيدها .
فهل كان العراق بحاجة فعلًا إلى قانون يشوه المذهب ويجعله مع مرور الزمن مذهبا مغلقا ويفتح نزاعات مذهبية جديدة؟ وهل كانت الأولوية هي إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية) وفق صراعات الهوية الطائفية، بينما الدولة نفسها تعاني من فقدان العدالة والخدمات والاستقرار وغياب الدين الفعلي في مفاصل الحياة اليومية للناس الذين اكتفوا بالطقوس الظاهرية) التي دفعتهم اليها جماعات متشددة بعيدة عن روح الدين؟
إن القوانين الكبرى لاتبنى على الاستعجال) ولا على القداسة السياسية ولاعلى التخويف الديني) بل على النقاش المجتمعي العميق، والتوافق وفهم الواقع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للمواطنين .
أما حين يتحول البرلمان إلى مجرد ختم سريع لنصوص يُخشى الاقتراب منها، فإننا لا نكون أمام تشريع ديمقراطي، بل أمام إعادة إنتاج للاستبداد بلغة دينية، في صورة تبدو ديمقراطية. لمصلحة من يتم تزييف كل شيء ؟
لقد كان الفقه الجعفري حيا لأنه كان مفتوحا ومتعدد مقالة. وكان قويا لأنه قبلَ الاختلاف. وكان إنسانيا لأنه فهم تغير الزمان والمكان.
أما تحويله الى " مدونة مغلقة " تدعي تمثيله النهائي (فليس انتصارا للمذهب) كما أدعى البعض (بل اختزال له) وربما بداية فقدانه لروحه التاريخية التي قامت على الحرية والاجتهاد والتعدد .
***
ا. د. بتول فاروق
١٦/ ٦/٢٠٢٦







