عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: دلالة الأضحية أو ما يشبه القراءة في كبش الفداء والعنف المقدس

"لولا جهل الناس بخفايا نوايا بعضهم تجاه بعض لاستحال التعايش بينهم"

الاستغناء عن الغير والاكتفاء بالذات؛ غاية الغايات وأمنية الأمنيات التي كانت ودامت ومازالت حلم الكائن الإنساني الاناني بطبعه والاجتماعي بالتطبّع ولكنها أمنية مستحيلة بسبب عجزه مواجهة تحديات الحياة بمفرده وبحسب ابن خلدون " الظلم من طبع الإنسان، فلا بد من وازع يزعهم عن بعضهم البعض، ولا يكون ذلك إلا بسلطان قاهر" واسطورة جرجيس في جمهورية أفلاطون فيها ما يكفي من الدرس والمعنى. بحسب الأسطورة الشهيرة كان جرجيس من ليديا راعي في خدمة العاهل العجوز كاندياس، ملك ليديا. بعد وقوع زلزال لجأ جرجيس إلى كهف يحتمي فيه، وبينما هو يستعد لمغادرة الكهف عائداً إلى قطيعه، عثر على خاتم دفعه الفصول ليضعه في أصبعه فإذا به يدرك أنه يخفيه عن الأنظار. كلما حركه باتجاه الداخل. جلس يفكر في حاله وفيما هو فاعل بمستقبله. اكتشف أنه غير راض إطلاقا عن حياته البسيطة ووظيفة الراعي فقرر أن يتخلى عنها ويبدأ حياة جديدة. كان أول ما خطر على باله أن يقوم بغواية زوجة الملك الفاتنة الجمال والمتقدة الأنوثة ويخطط معها لقلب نظام الحكم والتخلص من الملك العجوز والزواج منها. وفى ذات ليلة وضع الخاتم في أصبعه باتجاه الكف وذهب إلى القصر. مشى بين الحراس ولا أحد يراه حتى وصل إلى غرفة نوم الملك واتجه نحو فراشه وقتله. وفى الصباح التالى تزوج الملكة وأصبح هو نفسه ملكا على ليديا. ويرى الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه المهم (الأنثروبولوجيا الفلسفية والحياة المشتركة) إن الإنسان أنانيا بطبعه بوصفه كائنا حيا مدفوعا بقانون مقاومة الفناء والحفاظ على البقاء ولكن عجزه عن مواجهة تحديات الحياة بمفرده وحاجته الدائمة إلى الآخرين جعله اجتماعيا ومدنيا بالاكتساب جاء في القرآن الكريم تعريف الإنسان بوصفه كائنا أنانيا متوحشا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ۖ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 30) وفي كتابه “الليفياثان” (Leviathan)، يعرّف هوبز الحق الطبيعي بأنه:" الحرية التي يمتلكها كل إنسان في استخدام قدراته الخاصة وفق ما يشاء من أجل حفظ حياته. ”أي أن الإنسان، في حالة الطبيعة، له الحق المطلق في أن يفعل أي شيء يراه ضرورياً لبقائه، دون أن يكون مقيداً بقانون أو سلطة أو نظام. قوته قانونه وقدرته مرجعيته. هذا المبدأ هو الذي تم ترشيده في السياسة بوصفها فن ادارة القوة وقانونها الأساسي بوصفها فن الممكن (افعل ما تستطيع فعله ولا ما ترغب بفعله) كما هو الحال في المرحلة الذئبية وشعارها (إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) هنا تتوحد الرغبة مع القوة بوصفهما حقا طبيعيا لكل كائن حي! ولذلك يقول هوبز إن هذه الحالة تقود إلى “حرب الجميع ضد الجميع” ،حيث تكون الحياة متوحشة ، قصيرة، مسكونة بالعنف والتهديد والتوتر الدائم. وهذا ما يستدعي السياسة بوصفها تنظيما للحياة المشتركة وهنا بداية الحضارة فأول الحضارة هو الإحساس بالخوف من عاقبة الاعتداء على الآخرين ومن الضرر الذي يصيب الإنسان من اعتداء الآخرين عليه وهو الخوف الذي نعبر عنه بالضمير والوازع ومخافة الأذى والضرر جراء القيام بالذي صار اسمه بعدما لا يحصى من الزمن والخبرات والتجارب حراما وعيبا وممنوعا ولا يجوز" ويذهب فرويد إلى إن الحضارة بدأت حينما بدأ الإنسان في تنظيم دوافعه الغريزية عن طريق مجموعة من النواهي والتابو والقانون" أننا لا نعدم البراهين التاريخية التي تدعم فرضيتنا القائلة بأن الحضارة هي القوة التنظيمية في التاريخ قوة تشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي (السياسة والأخلاق, التشريع) فهذا عالم الاجتماع الفرنسي (غي روشية)، يعرف الحضارة بأنها " تضم مجموع الوسائل الجماعية التي يلجأ إليها الإنسان حتى يمارس سيطرة على نفسه وينمو نمواً عقلياً وأخلاقياً وروحياً" والحضارة هي قدرة الإنسان في السيطرة على نفسة السيطرة التي لا تكون إلا بمعرفة قوانين التطور التاريخ والحياة الاجتماعية وتوظيفها في تحسين بيئة الحياة الإنسانية الجديرة بالعيش والتنمية.

فمنذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم وهو يحدّق بدهشة في لغز الحياة والموت والزمن. فمن تعاقب الفصول، وولادة الأطفال، وذبول الأشجار، واندثار الأجيال، تشكل ذلك الوعي الإنساني الغامض الذي دفع البشر إلى ابتداع الأعياد والاحتفالات بوصفها محاولة رمزية لترويض الزمن، والانتصار المؤقت على الفناء. إذ لا توجد جماعة بشرية على هذه الأرض، منذ ما قبل التاريخ وحتى اليوم، لم تبتكر طقوسها الخاصة للاحتفال بالحياة. فالأحياء وحدهم هم الذين يحتفلون، أما الموتى فلا أعياد لهم ولهذا ارتبطت الأعياد دائماً بفكرة التجدد والخصب والانبعاث والأمل. فالشعوب الزراعية القديمة كانت تحتفل بالمطر والحصاد وتعاقب المواسم لأنها كانت ترى في الطبيعة مرآةً لمصيرها الإنساني. كان المصري القديم يحتفل بفيضان النيل لأنه يعني استمرار الحياة، وكان البابليون يحتفلون بعودة الربيع بوصفه عودةً للخصب بعد موت الشتاء الرمزي، وكانت شعوب الأرض كلها تقريباً تنظر إلى الزمن لا بوصفه ساعات وأرقاماً، بل بوصفه حركةً كونية تتجدد فيها الحياة باستمرار إذ لم يكن الإنسان المندمج يمتلك وعياً تاريخياً بالمعنى الحديث، بل كان يعيش داخل زمن دائري يعيد نفسه كل عام. ولهذا كانت الأعياد تعبيراً عن حاجة الإنسان إلى الطمأنينة أكثر من كونها احتفالاً بالتاريخ. غير أن الأديان الكبرى حين ظهرت، نقلت معنى الاحتفال من مجرد الاندماج بالطبيعة إلى الوعي الأخلاقي بالوجود الإنساني، ومن الخوف من غضب الطبيعة إلى سؤال المعنى والمصير والحرية والتضحية.

ومن هنا يكتسب عيد الأضحى عند المسلمين خصوصيته الفريدة، لأنه ليس مجرد عيد طقوسي مرتبط بالذبح والقرابين كما يتوهم البعض، بل هو عيدٌ يتضمن في أعماقه أكثر الأسئلة الإنسانية حساسيةً وتعقيداً: ما قيمة الإنسان؟ وما حدود الطاعة؟ وما معنى التضحية؟ وهل يمكن للحب أن يتجاوز حتى غريزة التملك والخوف والفقد.

المعنى الرمزي الأعمق للقصة لا يكمن في فعل الذبح ذاته، بل في لحظة التراجع عنه. فالقصة لا تمجد قتل الابن، بل تؤسس لقداسة الحياة الإنسانية. لقد كان الامتحان الأصعب على الإطلاق: أن يُطلب من الأب أن يذبح ابنه، أي أن يواجه الإنسان أكثر روابطه الوجودية عمقاً وألماً. فالعلاقة بين الأب وابنه ليست علاقة عابرة، بل هي امتداد للذات نفسها، ولذلك كانت لحظة التسليم هنا لحظة مأساوية تتجاوز حدود الفهم العقلي المباشر.

والأكثر عمقاً في القصة أن الابن نفسه كان واعياً بفداحة المشهد. كان يدرك خوف أبيه وحبه وتردده وألم أمه القادم، ولذلك بدا وكأنه يخفف عن أبيه عبء المأساة، في واحدة من أكثر الصور الإنسانية تأثيراً في المخيال الديني للبشرية. غير أن ذروة المعنى لا تتحقق في الاستعداد للذبح، بل في إيقافه. فالإله الذي أمر، هو نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش. وكأن المغزى النهائي للقصة أن الإنسان ليس موضوعاً للذبح، وأن الحياة الإنسانية أسمى من أن تُراق قرباناً. (ينظر، احمد برقاوي، دلالة عيد الأضحى الأخلاقية، صفحة فيسبوك)

ومن هنا تتبدى الدلالة الأخلاقية العميقة لعيد الأضحى. فالعيد في جوهره ليس احتفالاً بالموت، بل احتفال بانتصار الإنسان على فكرة الذبح ذاتها. إنه إعلان رمزي بأن الدم الإنساني ليس مباحاً، وأن التضحية الحقيقية ليست قتل الآخر، بل قتل الوحش الكامن داخلنا: الجشع، والقسوة، والتعصب، وشهوة الهيمنة، والرغبة الدائمة في تقديم البشر قرابين للأفكار والحروب والأيديولوجيات.

وبهذا المعنى كانت السياسة ومازلت بوصفها ادارة شؤون الناس العامة هي أنبل وأخطر المهام التي يمكّن إن يضطلع بها الإنسان وأثقلها مسوؤلية لذا ينبغي إلا تترك وظائفها دون معايير دستورية صارمة لا ينجح فيها إلا أكثر المتقدمين تأهيلا وقدرة وكفاءة فضلا عن السمات الشخصية التي يجب إن يتسم بها كل من اراد ممارستها ومنها: الحلم والحكمة والشجاعة وسعة الأفق وسلامة الطوية ونقاوة الضمير والحسد السليم.

في المجتمعات التي وصلت إلى قناعة عامة بإن الإنسان هو الكائن الأهم في التاريخ ومن ثم في يجب أن يكون غاية كل فعل وسلوك استطاعت إن تأسس الدولة المدنية الحديثة التي نادى بها إسبينوزا " " ليس الغرض الأقصى من الدولة أن تسيطر على الأفراد، ولا أن تكمِّمهم بالمخاوف، ولكن الغاية منها أن تُحرِّر كلَّ إنسانٍ من الخوف، حتى يستطيع أن يعيش ويعمل في أمنٍ تامٍ دون أن يضر نفسه أو يؤذي جاره.

إنّي أكرِّر القول بأنّ غاية الدولة ليست أن تحوِّل الكائنات العاقلة إلى حيواناتٍ متوحشةٍ أو آلاتٍ، بل إنّ الغرض منها هو أن تُمكِّن أجسامهم وعقولهم من العمل في أمنٍ، غايتها أن تهيِّئ للنّاس عيشًا يستمتعون فيه بعقولٍ حرةٍ، حتى لا يُنفقوا جهدهم في الكراهية والغضب والكيد والإساءة لبعضهم البعض. إنّ غاية الدولة الحقيقية هي أن تكفل الحريّة " ينظر باروخ إسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة)

كم هو مؤلماً أن يتحول بعض الناس إلى قتلة باسم الله نفسه الذي فدى إسماعيل بكبش، أو باسم الأوطان والثورات والطوائف والعقائد. فما أكثر الذين يدفعون الأبناء إلى الموت وهم جالسون بعيداً عن ساحات الدم، يرفعون شعارات البطولة فوق جماجم الضحايا. ترى من منح هؤلاء الحق في التضحية بما لا يملكون؟ ومن أقنعهم أن الله الذي افتدى إنساناً بكبش، يمكن أن يرضى بتحويل البشر إلى وقود دائم للحروب؟ إن المعنى الأخلاقي المضمر في عيد الأضحى يتناقض جذرياً مع كل ثقافة تمجد القتل أو تقدس الموت المجاني. فالعيد في حقيقته دعوة إلى صون الحياة لا إلى إهدارها، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة الأعلى في الوجود الاجتماعي والأخلاقي. وربما لهذا السبب ظل العيد مرتبطاً بفكرة المشاركة والتكافل وإطعام الفقراء وتوزيع اللحم على الآخرين، لأن الأضحية ليست مجرد طقس فردي، بل فعل اجتماعي يعيد ترميم الروابط بين البشر فالإنسان حين يوزع أضحيته، لا يمنح الطعام فقط، بل يعترف ضمنياً بأن الحياة لا تستقيم إلا بالمشاركة. ولذلك كانت الأعياد دائماً لحظات نادرة يتوقف فيها صخب المصالح اليومية قليلاً، ويتذكر الناس أنهم ينتمون إلى مصير إنساني واحد، وأن هشاشتهم المشتركة أقوى من أوهام التفوق والانقسامففي المجتمعات التقليدية القديمة، كان العيد حدثاً وجودياً تشارك فيه القرية أو المدينة بأكملها. كانت البيوت تُفتح، والقلوب تتسع، والناس يتبادلون الطعام والزيارات والضحكات بوصفهم جماعةً تواجه قسوة العالم بالفرح الجماعي. فالاحتفال في جوهره ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية لمقاومة العدم. الإنسان يحتفل لأنه يعرف أنه فانٍ، ولأنه يدرك أن الزمن يلتهم كل شيء: المدن، والوجوه، والصداقات، وحتى الأحلام نفسها.

وقد أدركت الأساطير القديمة هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. فالإغريق أطلقوا على الزمن اسم “كرونوس”، الإله الذي يلتهم أبناءه، تعبيراً عن تلك القوة الكونية التي تفني كل شيء. وكان الإنسان القديم يعيش هذا القلق الوجودي يومياً أمام مشاهد الولادة والشيخوخة والموت، فابتكر الطقوس والأعياد والأساطير ليمنح حياته معنىً وسط هذا الخراب الكوني الهائل.

ومن هنا نفهم لماذا تبقى الأعياد ضرورة إنسانية حتى في أكثر الأزمنة بؤساً. فالإنسان لا يحتفل لأنه سعيد دائماً، بل لأنه يحتاج إلى لحظات يرمم فيها روحه المتعبة. حتى الشعوب المنكوبة بالحروب والخوف لا تتوقف تماماً عن الاحتفال، لأن التوقف الكامل عن الفرح يعني انتصار الموت الداخلي غير أن الفرق بين المجتمعات المستقرة والمجتمعات المأزومة يظهر بوضوح في علاقتها بالعيد والزمن. فحين يشعر الإنسان أنه يمتلك شيئاً من القدرة على التأثير في مصيره، يصبح العيد مناسبة للأمل والتطلع إلى المستقبل. أما حين يعيش داخل دائرة مغلقة من الفوضى والخوف والعجز، فإن الزمن يتحول إلى عبء ثقيل، ويصبح الاحتفال أشبه بمحاولة يائسة للتشبث بما تبقى من المعنى.

ولعل هذا ما يجعلنا في عالمنا العربي نعيش أعياداً مرتبكة في كثير من الأحيان؛ نكبر فيها بالذاكرة أكثر مما نكبر بالفرح. نتذكر طفولتنا القديمة حين كانت أصوات التكبير، ورائحة الخبز والقهوة، وحركة الأسواق، وملابس الأطفال الجديدة، كافية لصناعة عالم كامل من الطمأنينة. كانت الأعياد أكثر اتصالاً بالطبيعة وببساطة الحياة وبالعلاقات الإنسانية الصافية. وكان الناس يربطون العيد بالخصب والرزق والبركة، فتُعلق الأغصان الخضراء على النوافذ، وتُخفى الحبوب داخل الطعام، ويتفاءل الجميع بعام جديد أكثر خيراً ووفرة.

كان أسلافنا يحتفلون بالحياة دون تنظير فلسفي معقد، لكنهم كانوا يدركون بحدسهم الطبيعي ن الإنسان يحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الخبز، وأن الاحتفال ليس هروباً من الواقع بل مواجهة رمزية لها. ولهذا فإن اختزال عيد الأضحى في طقوس الذبح أو الاستهلاك أو المظاهر العابرة، هو اختزال لمعنى إنساني وأخلاقي وروحي شديد العمق فالعيد في جوهره احتفال بالحياة المشتركة، وتذكير دائم بأن الإنسان ليس مجرد كائن عابر في الزمن، بل كائن قادر على منح الزمن نفسه معنى. إنه اللحظة التي يحاول فيها البشر أن يقولوا للموت: نحن نعرف أنك الحقيقة النهائية، لكننا سنواصل الحب والإنجاب والبناء والغناء والاحتفال ما دمنا أحياء.

وبهذا المعنى كتب أحمد برقاوي في الدلالة الأخلاقية للأضحية العيدية فعيد الأضحى، في معناه الأعمق، عيداً لقداسة الإنسان قبل أي شيء آخر؛ عيداً يقول لنا إن حياة البشر أثمن من أن تتحول إلى قربان دائم للآلهة أو الطغاة أو الأيديولوجيات، وإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يقتل باسم (الحقيقة)، بل أن يحمي الحياة باسمها.

ختاما يمكن يمكن التذكير بما كتبه رينيه جيرار في كتابيه العنف المقدس وكبش الفداء إذ يرى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي أن المجتمعات القديمة كانت تلجأ إلى “الذبيحة” بوصفها وسيلة رمزية لتفريغ العنف الجماعي ومنع انفجاره داخل الجماعة وذلك بالبحث عن “كبش فداء” تُسقط عليه توتراتها ومخاوفها وأحقادها، ثم تقوم بالتضحية به لاستعادة السلم والوحدة. غير أن المفارقة العميقة في عيد الأضحى الإسلامي أن الأضحية فيه جاءت على النقيض من منطق التضحية بالبشر الذي عرفته الحضارات والأساطير القديمة. فالقصة لا تنتهي بذبح الإنسان، بل بافتدائه. وهنا تكمن القطيعة الأخلاقية الكبرى: إذ يتحول الكبش من بديل عنفٍ بشري إلى إعلان رمزي عن حرمة الدم الإنساني نفسه. فالعيد لا يشرعن القتل، بل يضع له حدًا ميتافيزيقيًا وأخلاقيًا، وكأن الرسالة الضمنية للقصة هي أن الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى قربان للصراعات والأهواء والعقائد والهويات القاتلة. ولذلك يبدو العالم الحديث، رغم كل ادعاءاته الحضارية، وكأنه يعود باستمرار إلى المرحلة البدائية ذاتها كلما أعاد إنتاج “كبش الفداء” في السياسة والطائفة والحرب والأيديولوجيا، حيث يُدفع الأبناء إلى الموت الجماعي بينما يواصل الآخرون الاحتفال بانتصاراتهم فوق الخراب.

***

ا. د. قاسم المحبشي