عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي أسعد وطفة: فاغنر.. "خاتم النيبلونغ" أسطورة الحضارة والتنوير

تأخذ أسطورة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied) مكانها وأهميتها بين أكثر الأساطير الجرمانية في أوروبا شهرة واهتماما، وقد أبدع ريتشارد فاغنر (Richard Wagner) في إعادة بنائها فنيًا وتوظيفها جماليا وفكريا في عمله الفريد "خاتم النيبلونغ" (Der Ring des Nibelungen). ويرى معظم النقاد أن هذه الأسطورة ليست مجرد حكاية خيالية، بل تحتضن عالما رمزيا مفعما بالدلالات والمعاني التي تدور حول السلطة والقوة والطمع واللعنة والمصير وسقوط الحضارات. وترجع جذور الأسطورة إلى التراث الجرماني والإسكندنافي القديم، وقد تداخلت فيها الأساطير النوردية عن الآلهة مثل أودين (Odin) ولوكي (Loki)، وقصص الأبطال الجرمان، والحكايات الشعبية عن الذهب والخواتم السحرية والتنانين. وترمز كلمة "نيبلونغ" (Nibelung) إلى أصحاب الكنز الملعون. وأصبحت الكلمة لاحقًا مرتبطة بالخاتم السحري واللعنة التي ترافقه (1) .

تبدأ الأسطورة بوجود كنز سحري من الذهب موجود في نهر الراين (Rhine). يقوم أحد أبطال الأسطورة القزم ألبريش (Alberich) بسرقة الذهب ومن ثم يصنع منه خاتما يمنح صاحبه قوة هائلة للسيطرة على العالم، لكن الحصول على هذه القوة يتطلب التخلي عن العاطفة والحب والمشاعر الإنسانية. ومن هنا تبدأ اللعنة: إذ كان على كل من يمتلك الخاتم أن يصبح أسيرًا للطمع والرغبة في الهيمنة،وفي ظل هذا الطمع البشري يسعى الأبطال إلى امتلاك الخاتم فتنشب الحروب وتنمو الخيانة وترتكب المجازر البشرية ويرتفع منسوب القتل، وتسقط الآلهة والأبطال تباعًا، وينتهي العالم القديم إلى الدمار (2).

وقد جُمعت هذه العناصر القصصية في الملحمة الألمانية الوسيطة "أنشودة النيبلونغ" (The Nibelungenlied)، ثم أعاد فاغنر (Wagner) تحويلها إلى ملحمة أوبرالية فلسفية ساحرة. و تنطوي هذه الملحمة على منظومة رمزية متكاملة في حبكة محكمة إذ يرمز الخاتم إلى السلطة المطلقة والقوة والسيطرة والتملك المطلق. لكن هذه السلطة تحمل لعنة داخلية؛ فكل من يسعى للهيمنة يفقد إنسانيته تدريجيًا. ولهذا قرأ كثير من الفلاسفة هذا العمل بوصفه نقدًا للطمع السياسي والاقتصادي. وفي هذه الملحمة الشعرية يرمز الذهب إلى إغواء المادة والثروة والطمع، فذهب الراين ليس مجرد معدن، بل رمز للثروة والجشع والرغبة في تحويل العالم إلى ملكية قابلة للسيطرة.

وهنا تظهر فكرة قريبة من نقد الحداثة والرأسمالية عند مفكري النظرية النقدية. إذ تتضمن الأسطورة فكرة التخلي عن الحب من أجل صنع الخاتم والحصول عليه، وهذا يعني رمزيًا أن الهيمنة المطلقة تتطلب التضحية بالعاطفة والإنسانية. لذلك ترتبط الأسطورة بفكرة اغتراب الإنسان عن ذاته. وفي النهاية نهاية الأسطورة ينهار عالم الآلهة نفسه ويؤدي هذا السقوط إلى نهاية النظام القديم، وانهيار السلطة المتعالية، وعجز القوة عن تحقيق الخلاص. وقد رأى بعض الباحثين أن فاغنر (Wagner) كان يصوّر أزمة الحضارة الأوروبية الحديثة.(3) وصف فاغنر خاتم النيبلونغ (The Ring Of The Nibelungen) بأنه " صورة كاملة لتاريخ البشرية من بدايات المجتمع إلى الانهيار الضروري للدولة"(4).

وعندما يُسرق خاتم النيبلونغ، الذي يمنح من يمتلكه سلطة على العالم وإمكانية الوصول إلى كنز النيبلونغ، يسيطر فوطان سيد الآلهة على الخاتم فينتشر الشر والبلاء الذي لا يمكن أن يتوقف إلا بعد قبل سقوط الآلهة وإعادة الخاتم إلى الطبيعة. يسعى الإله فوطان بكل الوسائل الممكنة لتوسيع سلطته، ومن خلال إخضاع الآخرين لإرادته عبر التفكير الحسابي وعقد التحالفات والمعاهدات، لفرض نظام دائم على العالم. لكن مشروعه محكوم عليه بالفشل وغارق في الخطيئة التي لا يستطيع التكفير عنها، وينتهي به الأمر إلى الاستسلام لمصيره(5). وترمز الأسطورة في هذا السياق إلى فكرة مركزية قوامها : أن السعي إلى السيطرة المطلقة يتطلب التخلي عن القيم الإنسانية، وهذا بدوره يقود حتمًا إلى الفساد والانهيار والسقوط الإنساني والحضاري ، وغني عن البيان أن هذه الأسطورة قد وضعت لنقد للسلطة وللطمع والجشع والعقل الأداتي الذي يضع القوة فوق الإنسان.

أما عن كيف عاد الخاتم إلى الأرض، ففي نهاية ملحمة “خاتم النيبلونغ "يعود الخاتم إلى الأرض عبر حدث درامي رمزي قوي؛ كيف حدث ذلك؟ البطلة برونهيلده (Brünnhilde) تدرك أن الخاتم جلب الدمار بسبب لعنة السلطة والطمع والجشع ، فتقرر إنهاء هذه اللعنة، فتأخذ الخاتم وتلقي بنفسها في النار (محرقة جنازة زيغفريد)، وتمتد النيران لتدمّر عالم الآلهة (فالهاﻻ)، وبعد ذلك يفيض نهر الراين (Rhine) وتعود حوريات الراين لاستعادة الخاتم فيُعاد إلى موضعه الطبيعي في الماء؛ وهنا نجد أن المعنى الرمزي لعودة الخاتم إلى الأرض والماء يدل على نهاية هيمنة القوة الفاسدة واستعادة الطبيعة لما سُلب منها وسقوط عالم قائم على الطمع والسلطة؛ وباختصار عاد الخاتم إلى الأرض عندما ضحّت برونهيلده بنفسها وأعادته إلى نهر الراين، في إشارة إلى نهاية اللعنة واستعادة التوازن الطبيعي.

وعلى هذه الصورة الأسطورية لـــ “خاتم النيبلونغ " يعتمد كل من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما "جدلية التنوير" هذا التصور لتفسير نشأة العقل الأداتي وسطوته. وعلى هذا الساس يطوران البداية أطروحتها القائلة : إن الأشكال الصارمة للوعي " الأسطوري" تفسر لنا أن التغلب على الطبيعية يعقبا التغلب على الإنسان وتدمير الجانب الإنساني في الحضارة . فالعقل الأداتي الذي يتمثل في خاتم النيبلونغ يمثل يتحول في النهاية إلى قوة استلابية يمارسها الإنسان على نفسه وعلى الآخرين في محاولة السيطرة على العالم واستغلال الطبيعة. إن ظهور العلم والتفكير التنويري يكتسح الأساطير القديمة مدعيًا استبدالها بمعرفة حقيقية بالعالم وآلياته. لكن العلم والتنوير هما ورثة قوة الهيمنة، أي الأسطورة اللاحقة. إن قوة الطبيعة التي كان " البدائيون" يخشونها تتجلى في الخلايا الداخلية للتنوير، في القوى الأسطورية للعلم التي من خلالها يهبط الرجال والنساء بحياتهم إلى مستوى الأشياء.

وكلما ازداد هذا التحكم بالطبيعة اكتمالًا، ازداد شمول نظام الهيمنة الاجتماعية الذي يتحقق من خلاله هذا التحكم. فالعلم والتكنولوجيا جزء لا يتجزأ من البنى الإدارية التقنية-العقلانية للمجتمعات الرأسمالية الحديثة. علاوة على ذلك، فإن القوة التلاعبية للمجتمع الحديث تدخل في تشكيل الذاتية الحديثة. ومن خلال العمل المتواصل لصناعات الثقافة، تُسلَّع الثقافة الشعبية وتُحوَّل إلى ثقافة صنمية فيتشية ضد الإنسان والإنسانية . وتتجلى فيما أطلق عليه أدورنو " المدّ القذر لصناعة الترفيه" التي تشكل نظاما مدمرا لصياغة التأثيرات على جسد الفرد وروحه من أجل تفكيك عناصر وجوده الإنساني وتحويله إلى كائن مستلب يزداد تفككًا ونرجسية وأنانية. إن عمل صناعات الثقافة، هو النقيض التام لمفهومهم للفن الحقيقي. فهو يقف إلى جانب التلاعب الشمولي بقدر ما يقف الفن – في أفضل أشكاله الحداثية – إلى جانب المقاومة والحرية.

إن الأسطورة والوعي الأسطوري هما الوسيلة ذاتها التي يروي بها فاغنر هذه القصة عن الانفصال الأصلي عن الطبيعة، نسخة من السقوط الأولي من النعمة التي كان الإنسان فيها على توافق مطلق مع الطبيعية . ومثل أدورنو وهوركهايمر، وقف فاغنر ضد القوة القمعية والصلبة لهيمنة البرجوازية على العالم. وقد عرّف الحرية بالعفوية والتحرر من كل الروابط المقيِّدة لتلك الشبكة الواسعة من المعاهدات والعقود الاجتماعية التي قيّدت الفرد في العالم البرجوازي(6).

وقد شدّد فاغنر هنا على أهمية الانفتاح على التغيير والتجدد وعلى تعددية الحياة؛ وركز على) الطابع الإنساني للحياة الاجتماعية ووجد أن طبيعة الإنسان الحقيقية طبيعة اجتماعية وليست أنانية، كما أكد فاغنر؛ والعمل المشترك والتعاطف المتبادل هو الحالة الطبيعية للبشر؛

إن الغاية التي يسعى إليها فاغنر هي ضرورة الاعتراف بالتغير والتعددية والتجدد الدائم للواقع والحياة. وهكذا وعلى هذا النحو فإن فاغنر يرى أن الانحدار الأخلاقي للمجتمع يتجسد في مبدأ الإخضاع إذ يتم إدماج الأفراد داخل كلية مجردة تفقدهم حرية التغير والتطور بحرية في علاقاتهم مع الآخرين. إن التهديد الذي يشكله تطور الدولة الحديثة لحرية الذات الحديثة يهيمن على تفكير فاغنر في بناء الخاتم، كما هيمن على تفكير أدورنو وهوركهايمر في جدلية التنوير. ففي كتابه " عمل الفن في المستقبل"، يربط فاغنر أيضًا بوضوح بين الدولة الحديثة " المفرطة الإدارة" وتطور العلم والتفكير التنويري. علاوة على ذلك، يوجد هناك صدى لافت بين عرضه لتطور القطيعة مع الطبيعة والتطور اللاحق للوعي الأسطوري والديني: فالإنسان عندما واجه الطبيعة طوّر ملكة التفكير منذ تلك اللحظة بدأ الخطأ، بوصفه أول تعبير عن الوعي. لكن الخطأ هو أم المعرفة؛ وتاريخ ولادة المعرفة من الخطأ نشأ تاريخ الجنس البشري من صلب أساطير العصور البدائية إلى يومنا هذا(7).

***

د. علي أسعد وطفة - كلية التربية

..........................

هوامش المقالة:

(1)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.33.

(2)- Anonymous, The Nibelungenlied, translated by A. T. Hatto, (Harmondsworth: Penguin Books, 1965).

(3)- Richard Wagner, Der Ring des Nibelungen, (Leipzig: B. Schott’s Söhne, 1876).

(4)- Richard Wagner, Opera and Drama, (Lincoln, Nebraska: University of Nebraska Press, 1995).

(5)- Robert W. Witkin, Adorno on Popular Culture, (London: Routledge,2003. P.34.

(6)- Robert W. Witkin, ibid . P.34.

(7)- Richard Wagner, Religion and Art, translated by William Ashton Ellis, (Lincoln and London: University of Nebraska Press, 1993), p. 70.