قضايا
علي عمرون: المؤلف الصنم.. نقد تحويل النص الفلسفي إلى طقس هوياتي
حين تختزل قيمة النص الفلسفي في التباهي بورود اسم مفكر جزائري في ورقة امتحان ما، تتحول الفلسفة من أداة للتساؤل والقلق إلى أداة "تمجيد هوياتي". فنكون امام نرجسية مزدوجة: نرجسية الأستاذ الذي يسعى للتماهي مع صورة صاحب النص فيغتذي منها تحت تأثير شهوة التملك، ونرجسية تُسقط على النص وصاحبه هالة من التمجيد تحجب عنا مضمونه الإشكالي. وهذا الفعل يُخرج ولا شك النص من إطاره البيداغوجي الصارم إلى فضاء الديماغوجيا الهلامي، حيث يصبح المعيار هو من كتب هذا النص؟ وهو فعل ساذج يؤدي الى تذويب الفلسفة في "فخر الأنا الجمعية" ومن ثمة قتلها، لأن فعل التفلسف يبدأ حين نجرؤ على محاورة النص لا على التمسح به والتبرك بقدسية كاتبه ومن يفعل ذلك فهو لا يعلم او يعلم ولا يعمل.
ونحن هنا لا ننكر ادراج اسم المؤلف أو الإشارة كتابه، بل نُعلّق حكمنا عليه مؤقتاً (نضعه بين قوسين) كما تطالبنا به فلسفة هوسرل ومن قبله منهجية ابن الهيثم في البحث لنتمكن من معاينة النص ذاته، كموضوع للتحليل وهذا الإجراء المنهجي هو الذي يجعل النص "تمريناً مدرسياً" حياً، ويحوله الى مختبر تُقاس فيه كفاءة الطالب في التفكير والتحليل والنقد، فالنص الفلسفي ليس مستودعا لاقتباسات جاهزة يتباهى بها ولا يجب ان يتحول شماعة نعلق عليها فشلنا في السمو بالدرس الفلسفي الى افق أوسع والمؤلف أيّاً كان، يتحول بمجرد ان يكتب نصه إلى عائق إبستمولوجي بلغة غاستون باشلار حيث يتحول الاسم الى ستار يحجب إشكالية النص، وعندما نقول "هذا نص لمالك بن نبي"، سنلاحظ على الفور ان الحوار في الغالب كما هو واضح عبر منصات التواصل قد تحول إلى جلسة استحضار وتمجيد للرجل. نتحدث فيها عن "عبقريته"، لا عن إشكالية نصوصه. مديح الحماقة هذا يحول نصه الى مرآة نرى فيها صورتنا النرجسية الجمعية منعكسة على المؤلف، فنصفق للمرآة بدل أن نحلل الصورة. وهذا هو "الإرهاب النقدي" الذي يمارسه أتباع صورة المؤلف. ولذلك كان ان المعيار الوحيد لقيمة النص الفلسفي هو تضمنه لإشكالية تستفز التفكير النقدي فنص البشير الابراهيمي أو ابن رشد لا يقل قيمة عن نص لديكارت أو كانط إن حمل سؤالاً حقيقياً، والعكس صحيح. وعندما اعلن رولان بارت موت المؤلف لم تكن دعوة ساذجة لتجاهل من كتب النص، بل ثورة ضد فكرة أن "تفسير النص" مرهون دوماً بالشخص الذي أنتجه. فالمؤلف انجز بالفعل مهمته وانتهى دوره.
يجب ان ندرك ان النص الفلسفي الحقيقي ليس "خطاباً" أحادي المعنى يودعه المؤلف ثم نستخرجه نحن، إنه "نسيج" من العلاقات والإحالات والإشكاليات التي تتجاوز قصدية الكاتب الواعية. والتركيز على "المشكلة" لا على "صاحب النص" هو الذي يحرر التلميذ ليكون منتجاً للمعنى لا مستهلكاً للقداسة والقاعدة الذهبية التي غابت عنا هنا ان القيمة ليست في "قول القائل" لأنه جزائري أو لأنه "علامة"، بل في "الحجة والبرهان" الكامنين في النص فطالب الحق كما قال ابن الهيثم :" ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجه والبرهان لا قول القائل الذي هو إنسان" ومن ثمة النصوص الفلسفية التي تُختار للامتحان يجب ألا تُعامل كآثار متحفية نقترب منها بخشوع، بل كأحداث فكرية تتفجر عنها أسئلة حارقة. وهذا لا يحدث إلا إذا "قتلنا" الأب-المؤلف رمزياً، وواجهنا النص مباشرة في عزلته الإشكالية، متسائلين: ما المشكل الفلسفي الذي يطرحه هذا النص بصرف النظر عن اسم كاتبه؟
صحيح ان النص الفلسفي يمتلك "خصوصية" انغراسه في سياق تاريخي وثقافي ولغوي معين، لكنه في الآن ذاته يطمح إلى "كونية" تتيح للعقل الإنساني، حيثما كان، أن يشتغل عليه. والخصوصية ليست امتيازاً وكون نص ما جزائرياً، وأفريقياً، ومكتوباً بلغة الضاد، هو معطى سوسيو-تاريخي يساعد على الفهم، لكنه ليس "قيمة فلسفية" مضافة بحد ذاته. والخلط بين الخصوصية الثقافية والقيمة الفلسفية هو جوهر الديماغوجيا التي تحاربها الفلسفة باعتبار التفلسف من أفعال التحرر ومن منطلق ان الفلسفة ثورة على كل ما هو سطحي وتافه في الحياة كما كان يقول هيغل .
يجب علينا ان ندرك أيضا ان النص الفلسفي لا يكتسب قوته من أنه يضعنا ضمن معادلة "الانا" ضد "الآخر"، بل من أنه يطرح سؤالاً يعنينا كبشر، لا كجزائريين فقط. وكونية النص الفلسفي لا تعني أنه يقول "الحقيقة المطلقة"، بل تعني أن إشكاليته قابلة للتعقل والنقاش من أي عقل كان، في أي زمان ومكان. فمثلا عندما نختار نصاً عن الحرية يكون معيار جودته ليس أنه كتبه مصطفى الأشرف أو جان جاك روسو، بل مدى قدرته على دفع أي تلميذ، جزائري أو ياباني، إلى التفكير النقدي في مفهوم الحرية. هذه الكونية هي التي تجعل النص جديراً بأن يكون "تمريناً مدرسياً" كونياً، لا مجرد شاهد على ثقافة محلية. نص تنجح مشكلته الفلسفية في اختراق قشرة الخصوصية لتستثير عقلاً كونياً. وهذا التحدي هو امتحان للنص قبل أن يكون امتحاناً للتلميذ.
واذا كان الامر كذلك فلابد من صياغة دفتر شروط صارم، متجاوزاً معيار "من كتب؟" إلى ماذا يحرك في العقول؟ وعليه النص الفلسفي يجب ان يقوم على أربعة اركان :
1- على النص أن يتضمن مشكلة فلسفية واضحة قابلة للتحديد (المشكلة، الأطروحة، المكاسب والحدود). إن لم تكن هناك مشكلة، فالنص وعظ أو إنشاء أدبي، لا تمرين فلسفي.
2- يجب أن يكون النص محكوماً ببنية حجاجية يمكن تفكيكها مفهوماتياً ومنطقياً، وألا يكون منغلقاً على "حكمة" لا تقبل الجدل. الهدف هو أن يُظهر التلميذ كفاءة في استخراج الحجج وتقويمها.
3- يجب أن تكون الإشكالية المطروحة قادرة على الاستغناء عن معرفة موسوعية متخصصة بحياة المؤلف أو تفاصيل تاريخية دقيقة لا يفهمها إلا المختصون. فالفهم يجب أن يكون مطلباً ضمن أسئلة النص.
4- أن يسمح النص بتعبئة الموارد التي يفترض أن التلميذ أنجزها خلال الموسم (مذاهب، مفاهيم، نصوص أخرى)، فيكون بمثابة "مختبر" لقياس كفاءة المفهمة والاشكلة والحجاج.
الخلاصة
ما ندعو إليه هو إعادة الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية: تعليم التواضع أمام تعقيد الواقع والأسئلة. وعندما نجعل من نص مفكر جزائري موضوعاً للتحليل الفلسفي الصارم بدل التمجيد الأجوف نكون بذلك قد اعدنا له الاعتبار، لأننا نعامله كعقل يستفز العقول، لا كتمثال يُقدّس ويُعبد. ولاشك ان الدرس الفلسفي سيستعيد كرامته حين نعيده إلى هذه الصرامة المنهجية، معترفين بأن هدفه ليس تعزيز أوهامنا، بل تفكيكها، بدءاً من أوهام "الأنا" الفردية والجمعية.
ونص ابن الهيثم والذي جاء فيه انه من الواجب:" على الناظر في كتب العلوم، اذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وجميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه." يقدم لنا خارطة الطريق التي أشرنا إليها خارطة تذكرنا ان النص الفلسفي الجدير بأن يُدرس ويُطرح في الامتحان، هو فقط ذلك النص الذي يستطيع أن يصمد في مواجهة قارئ ابن الهيثم: قارئ جعل نفسه خصماً مخلصاً للحقيقة، لا يتسامح ولا يتحامل، ولا يبالي بالاسم بقدر ما يبالي بالحجة والبرهان.
وأولئك الذين يتبادلون عبارات التمجيد ويصرخون "انظر هذا نص لكاتب جزائري"، هم بالضبط من وصفهم ابن الهيثم: بأنهم ليسوا "طلاب حق"، بل "ناظرون في كتب المتقدمين، مسترسلون مع طبعهم في حسن الظن بهم". إنهم يعيدون إنتاج الجهل المقدس، لا المعرفة النقدية.
***
الأستاذ عمرون علي







