قضايا
علي جعفر محمد: تفكيك النزعة النقدية في الموسوعات الرجالية
قراءة معاصرة في أسباب نقد المعطيات الرجالية الأولية
تمثّل كتب الرجال عند الإمامية أحد الأركان الأساس في بناء المعرفة الحديثية، إذ تُعدّ المرجع الأول في تقويم الرواة وتمييز المقبول من المردود في الأخبار، غير أنّ المتأمّل في المسار العلمي لهذا الفن، ولاسيّما في الموسوعات الرجالية المتأخرة، يلحظ بوضوح بروز نزعة نقدية تجاه المعطيات التي قدّمتها المصادر الرجالية الأولية , وهذه النزعة لم تنشأ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكُمات علمية ومنهجية دفعت الباحثين إلى إعادة النظر في تلك المادة التراثية بوصفها معطيات قابلة للفحص والمراجعة، لا نصوصًا نهائية مكتفية بذاتها.
ومن أبرز العوامل التي أسهمت في ظهور هذه النزعة النقدية، حالة الاضطراب المفهومي التي رافقت بعض المصطلحات الرجالية، وفي مقدّمتها مفهوم "الغلو"، حيث لم يتفق الأعلام على تحديد دقيق له، بل تباينت قراءاتهم تبعًا لاختلاف منطلقاتهم العقدية، فعدّه بعضهم تركًا للعبادات اعتمادًا على الولاية، بينما وسّع آخرون دائرته ليشمل كثيرًا من القضايا المرتبطة بمقامات الأئمة (عليهم السلام)، حتى أُدرجت مسائل عقدية معتبرة عند فريق ضمن دائرة الغلو عند فريق آخر , وقد انعكس هذا التباين بشكل مباشر على الأحكام الرجالية، فاتهم بعض الرواة بالغلو لمجرّد تبنّيهم رؤى عقدية معيّنة، في حين وُصِف آخرون بالتقصير لعدم بلوغهم تلك الرؤى، مما جعل التقويم الرجالي في كثير من الأحيان متأثرًا بالاتجاهات الفكرية أكثر من كونه قائمًا على معايير موضوعية خالصة، وهو ما أثار انتباه المتأخرين ودفعهم إلى التعامل مع هذه الأحكام بحذر نقدي.
وإذا انتقلنا إلى الجانب النصّي، نجد أنّ كثيرًا من الكتب الرجالية لم تصل إلينا بصورتها الأصلية، بل تعرّضت عبر مسار النقل إلى تصحيفات وتحريفات وأخطاء نسخية، الأمر الذي أضعف الثقة المطلقة بما ورد فيها، خصوصًا مع الإشارة المتكررة من قبل عدد من الأعلام إلى وجود خلل في بعض النسخ المعتمدة، بل ووقوع أخطاء في نقل المعلومات أو إدراج بيانات غير دقيقة , وهذا الواقع النصّي ألقى بظلاله على مجمل المادة الرجالية، وجعل من الضروري إخضاعها لعمليات تحقيق ومقارنة، الأمر الذي أسهم بدوره في تعزيز النزعة النقدية لدى الباحثين، إذ لم يعد بالإمكان التسليم بكل ما ورد في تلك المصادر دون تمحيص.
كما أنّ طبيعة الكتب الرجالية الأولى نفسها كانت عاملًا مهمًا في هذا الاتجاه، فهي لم تُصنّف بوصفها موسوعات شاملة تستوعب جميع الرواة وتقدّم فيهم أحكامًا متكاملة، بل جاءت في الغالب على هيئة مصنّفات جزئية، يكتفي بعضها بذكر الأسماء أو الإشارة إلى المصنّفات، دون استيعاب كامل للجرح والتعديل، بل إنّ عددًا كبيرًا من الرواة بقي مسكوتًا عن حاله، الأمر الذي يكشف عن نقص بنيوي في هذه المصادر، ويجعل الاعتماد عليها بشكل مباشر دون استكمال أو تحليل أمرًا غير كافٍ، ومن هنا وجد المتأخرون أنفسهم أمام مادة أولية تحتاج إلى إعادة بناء واستدراك، لا مجرد نقل وتكرار.
ويضاف إلى ذلك إشكالية الخبروية في مجال الجرح والتعديل، إذ تبيّن للباحثين أنّ بعض من نقل عنهم التوثيق أو التضعيف لم يُعرفوا بالتخصص في علم الرجال، بل جاءت أحكامهم في سياقات عرضية ضمن مؤلفات كلامية أو فقهية، ومع غياب المؤلفات المتخصصة التي تثبت خبرتهم في هذا الفن، ومع ملاحظة وقوع بعض الاضطرابات أو التناقضات في تقويماتهم، أصبح من المتعذّر التعامل مع أقوالهم بوصفها حججًا تامة، بل غاية ما يمكن عدّه هو كونها قرائن تحتاج إلى ضمّها إلى غيرها من الشواهد، وهو ما رسّخ لدى المتأخرين ضرورة التمييز بين الخبير الرجالي وغيره، وعدم الاكتفاء بمجرد صدور الحكم من عالم متقدم.
وأخيرًا فإنّ تعارض التقويمات الرجالية بين الأعلام يُعدّ من أبرز الدوافع التي كشفت عن الطابع الاجتهادي لهذا العلم، إذ نجد اختلافًا واضحًا في الحكم على الراوي الواحد، بل قد يصدر عن العالم نفسه حكمان متباينان في موضعين مختلفين، وهو ما يدلّ على أنّ هذه الأحكام ليست قطعية في كثير من مواردها، وإنما هي نتاج اجتهادات قابلة للمناقشة والمراجعة، وقد دفع هذا التعارض الباحثين إلى البحث عن مناهج أكثر دقة في الترجيح والتحليل، بدل الاكتفاء بالنقل والتسليم، مما أسهم في ترسيخ النزعة النقدية بوصفها ضرورة منهجية لا خيارًا فكريًا.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ النزعة النقدية في الموسوعات الرجالية تمثّل مرحلة متقدمة في تطور علم الرجال، حيث انتقل البحث من مستوى جمع المادة إلى مستوى تحليلها وتقويمها في ضوء معايير أكثر نضجًا ووعيًا بالسياقات التاريخية والفكرية، وهو ما يفتح آفاقًا أوسع لبناء رؤية رجالية معاصرة تتسم بالدقة والموضوعية، وتكون أكثر قدرة على التعامل مع التراث الحديثي بروح علمية نقدية متوازنة.
***
أ. م. د. علي جعفر محمد
كلية الفقة / جامعة الكوفة







