قضايا
علاء جواد كاظم: نكوص الوعي السياسي تجاه المعلم
حين يحتول صانع العقول الى معيار للفشل
كيف تحول من "كاد المعلم ان يكون رسولا" الى "لا يصلح ان يكون مدير مدرسة" في قاموس بعض السياسين العراقيين، يكشف لنا التحليل الفكري لازمة القيادة الجهل بمفهوم "بناء الانسان" مقابل ادارة الموارد، والمجتمع يعيش حالة من الصراح بين "رأس المال الثقافي" "ورأس المال الزبائني" الذي يجسده السياسي غير الناجح. وهذا السياسي الذي يطلق عبارات غير ناضجة سياسيا لاستصغار المعلم في الساحة السياسية لاجل حماية منطقة نقوذه عبر اقصاء الكفاءة التربوية وتصويرها للمجتمع على انها غير قادرة على ممارسة "اللعب السياسي".
السياسة في فكر افلاطون وساطع الحصري تعد من ارقى انواع التربية لانها تقود المجتمع، والذي يستصغر مكانة المعلم التربوية هو في الحقيقة يعترف بنكوص فكره، لانه يرى القيادة "امرا خاصة بالمال" وليس "صناعة وعي". ويعد مفهوم النكوص في علم الاجتماع حالة من الارتداد المجتمعي، ارتداد من قيم المدنية والمؤسساتية وتقدير الكفاءة الى قيم البداءة والعصبية التي تعتمد على المال والنفوذ والولاءات الضيقة، وعندما يتم نكوص المعلم، فأعلم أن هذا المجتمع بدأ يفقد بوصلته الحضارية العريقة عن طريق استبدال "سلطة المعرفة" ب "سلطة المنصب". وهذا النكوص هو نتيجة اختلال هرم المكانة الاجتماعية، ففي المجتمعات المتحضرة تضع التربوي والمفكر في قمة الهرم لانهم هم المنتجين لرأس المال الحقيقي، اما في حالة النكوص، فتتغلب القيم المادية وتسطيح الوعي الفكري والثقافي واللغة السياسية غير الناضجة.
صناعة الوعي هي نتيجة طبيعية لمعلم قائد واع خلق من رحم الطبقة المقدسة اجتماعيا لكن عندما انتقل هذا المجتمع من تقديسه لهيبة وقيمة المعلم الفكرية والعلمية الى مرحلة السطوة والنفوذ نتيجة تاكل الرمزية او القدسية، وفي وقت كان مدير المدرسة يمثل اعلى سلطة معرفية في المدينة او القرية، فاليوم قد اختزل المنصب في ابعاد ادارية ومالية ضيقة. وعندما يصرح السياسي بذلك فهو يمارس نوعا من التنمر الوظيفي ليبرهن أن مكانته او منصبة كنائب سياسي او وزير هو المعيار الوحيد للنجاح.
وفي مفهوم التسقيط السياسي تستخدم عبارة "انه لا يصلح لادارة مدرسة" فهي تغطية للفشل للسياسي، ويتم تصدير هذا الفشل للاعلام بايهام الناس او المجتمع وكأن المدرسة هي "سلة المهملات" لغير الناجحين سياسيا، وهذا تضليل للرأي العام، فالمدرسة كانت ومازالت وستبقى وأين كان يديرها او يرأسها هي المختبر الحقيقي الاول لنجاح الدولة او فشلها.
المعلم هو من اكثر الفئات المؤهلة لقيادة المجتمع، لانه هو الوحيد القادر على بناء العقول وأن المؤسسة التربوية هي الجهة الوحيدة القادرة على تشكيل الوعي، ومهارات المعلم القيادية اليومية للصف الذي يضم 30 الى 50 فردا من مختلف الثقافات والسلوكيات والحوار والتحفيز والانضباط وهي مهارات قيادية حقيقية تدرس ضمن القيادة التربوية. وتدريس المعلم الجيد القائم على تحليل المواقف واتخاذ القرارات الفورية هو جوهر العمل السياسي القائم على التفكير النقدي واتخاذ القرار لحل المشكلات وتقديم الحلول.
اذن لماذا هذا التقليل من قيمة المعلم سياسيا؟ من المنظور الاجتماعي للسلطة، تفسره الفلسفة الكانطية بقدر من يمتلك السلطة او المال اكثر من يمتلك المعرفة، وهذا ما انتقده الفيلسوف ايمانويل كانط عندما اشار الى "قصور عقلي" يقع فيه المجتمع. اما من المنظور الثقافي، فيتم اختزال المعلم بوظيفة اجرائية كناقل للمعلومات لا كصانع وعي، وهذا اختزال خطير عندما يتجاهل التعليم كأساس لكل بناء حضاري.
وعبارة "كيف اساويكم بمن علموكم" نابعة من وعي سياسي ناضح للمستشارة ميركل عندما طالبها القضاة والمهندسين والاطباء في المانيا بمساواتهم برواتب المعلمين، ولقب (Sensei) سينسي يطلق على المعلم في اليابان وهو تبجيلا يضاهي قدسية الرهبان او كبار المسؤولين نظرا لمكانته الاجتماعية والقانونية عندما قالوا اليابانين "لن نستطيع بناء السياسة الا عبر المعلم".
وفي الختام، عندما يصرح السياسي عبارة "لا يصلح لمدير مدرسة" فهو يثبت وقوعه في مصيدة "النكوص السوسيولوجي" وهو يظن بذلك أنتقاصه من خصمه السياسي، لكنه في الواقع يهين "الرحم" الذي ولد منه كل مبدع في الوطن. أن استعادة الوعي السياسي تبدأ من الاعتراف بأن "ادارة المدرسة" اشرف واصعب مهام الدولة، لانها تتعامل مع العقل، بينما تتعامل الساسية في صورتها المشوهة حاليا مع المصالح.
***
علاء جواد كاظم







