قضايا
عبد الأمير كاظم زاهد: القيمة التاريخية والعلمية لإطروحة النائيني
الدولة المدنية الدستورية البرلمانية
لكل انجاز فكري سياق تاريخي يتقدم على زمن إنجازه زمنا وظرفا كما ان له اثارا ومتغيرات فكريه وتطبيقيه تحصل بعد زمن ظهوره واطروحة الشيخ النائيني ولدت في سياق تاريخي معقد غاية التعقيد فقد بدأت ارهاصات التفكير في نموذج سليم للدولة أواخر القرن التاسع عشر عندما تسربت التجربة السياسية الاوربية للعالم الإسلامي وقد تزامن ذلك مع تداعي الإمبراطورية العثمانية وتصدعها وهزائمها العسكرية (1839-1867)
وما تسرب هو: أولا مسالة الشرعية السياسية للدولة. وثانيا مسألة التخلف والتقدم ودور نمط الدولة) فيه وبسبب سلبيه (المراكز والمؤسسات الدينية) وعدم استشرافها متغيرات العالم الغربي المتسللة للعقل الإسلامي في تركيا وايران ومصر فقد غاب الوعي المستقبلي لقادة اللمجتمع في رصد المتغيرات المؤثرة وعليه فقد مال كثير من الباحثين المتطلعين للخروج من ازمة النظم الاستبدادية (المزمنة) التي عاشتها امتنا لقرون عديدة والخروج من (وضع التخلف المزمن) باختيار النموذج الغربي لإقامة دولة على الغرر الغربي وتبنى تلك (الاتحاد والترقي) وطلائع التفكير الحداثي في مصر وفي ايران وكان هذا الخيار من اكثر الخيارات انتشارا.
يقابله الخيار التقليدي وهو الدعوة الى استعادة (دوله على نموذج الخلافة التقليدية) بوصفها رمزية إسلامية وكان ممن تبناها محمد رشيد رضا ومعه التيارات التقليدية السلفية، وينافس هذا الخيار النموذج الوهابي السعودي (الذي يمزج بين الايدلوجية الدينية السلفية والمنظومة القبلية الابوية ومصداقها (نموذج الدولة السعودية) هذه الخيارات السائدة كانت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ولم يتقدم عليها مشروع سياسي لدولة حديثة صارت من معطيات الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية 1918 وتحول الولايات العثمانية الى (دول مستقلة) على وفق معاهدة سايكس بيكو، عند ذاك جاءت هذه الافكار في هذا الخضم وهذه الظروف بإزاء أطروحة الامام النائيني (الدولة الدستورية البرلمانية) التي اخذت افضل ما في النموذج الغربي من سمات وعاملتها على انها نتاج فكر انساني متاح للإفادة لمن يريد الإفادة منه ويكون له الحق عملية الفرز لما هو سليم وعلمي من النموذج واستبعاد مالم ينسجم مع تراث وثقافة المجتمع، وكان الى جانب تلك الآراء والنظريات، ما كان يعتقده المحافظون من علماء الفقه الشيعي من ان الدولة والحكم والسلطة من مختصات الامام الغائب (المنتظر) وعليه فانه من غير الجائز السطو على مختصاته وحقوقه المقدسة والبقاء على الراي التاريخي ان الشيعة لا يقيمون الدولة قبل زمن الظهور لانه (عمل محرم) ونزعه طاغوتيه.
ووسط هذه التجاذبات والآراء المتضاربة كانت أطروحة النائيني (نظريه خلاص ضرورية) تعتمد على قوة التنظير وصرامة الاستدلال وعمق البرهنة للتخلص من (نمط الاستبداد التاريخي لنموذج الخلافة) وصنمية الحاكم وحصانته اللانهائية ومصادرة الحقوق والحريات، وادماج موارد الدولة بملكية الحاكم، وخضوع القضاء لسلطته وتحجيم مهمات القضاء بفض النزاعات الفردية ومنعه من محاسبة الحاكم وهذا ما افرزته تجربه الخلافة في تاريخنا من زمن الخلافة الاموية على الأقل الى سقوط الخلافة العثمانية 1924
كما انها (مخلص ايديولوجي) لخيار الراغبين بالنموذج الغربي، اذ أوضح النائيني ان الدولة على غرار النمط الغربي عباره عن منظومة حل لمشكلات الواقع الأوربي مثل مشكلات الاقطاع، والحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك وتسلط الكنيسة وتحلل الروابط الاجتماعية وهذا الخيار عندما يعتمد فكأنه غرسا في غير ارضه وتكون تداعياته ضارة، لأنها أولا لا تتصل بتراثه وتاريخه ومنظومته القيمية، والدليل ان الدولة التي أقامتها الانتدابات الغربية كانت دولا هشة فشلت في أقامة التنمية والانعتاق وسقطت في مستنقع قمع المعارضين
وكان اهم ركن في مشروع النائيني هو مسألة الشرعية (التي سطرها النائيني بانها قداسة المصدر الفكري (نظرية الدولةوفلسفتها) مقرونه بقناعة المواطنين ان السلطة صحيحة وقانونية، وان الحاكم خادم للشعب لان الحكام (وظيفيون) وان المواطنين جميعا – بلا استثناء – متساوون قانونا، وان الطاعة ليست لشخص الحاكم انما لانتظام وتطبيق القانون وتحكيم الدستور الذي هو عماد الشرعية وحدد الشرعية بطبيعة السلطة ودورها وبنية المؤسسات وطبيعة قوانين الأحزاب ومنظمات المجتمع الذي يتحقق بقبول اغلبية الافراد بنظام الحكم من ذلك حقهم في اللجوء الى قواعد الشرعية لإخضاع السلطة للرقابة العامة ومحاسبة القانون وأوضحت رساله النائيني ان الحاكم الذي يصل الى السلطة لا بد له من طريق شرعي ولابد ان تكون قراراته حائزة على رضا المواطنين، فقد اخذ النائيني من النموذج الغربي ضرورة وجود برلمان يراقب السلطة ويشرع مالم تنص علية الشريعة نصا قاطعا قابلا للتطبيق وذهب الى ضرورة تحديث النظام القضائي مؤكدا على فصل السلطات مؤصلا كل هذه التحديثات من النصوص القرآنية والسنة النبوية ونصوص نهج البلاغة والاجتهادات العقلية منبها على فشل المشروع الغربي ونمط الدولة فيه في العالم الإسلامي، وابان ان هذا المشروع سيكون عاجزا عن الوصول الى جذور الوجدان الإسلامي ولا يتفق مع مرتكزاته وثقافتة ولا يتوغل في ضميره ووجدانه الفردي او الجمعي، وبهذا يسقط النائيني المقولة الغربية التي ظهرت بعد ثلاثة ارباع القرن من زمن النائينئ من ان الديمقراطية الغربية هي (نهاية التاريخ) وهي حتمية كونية فقد اسقط قيمة هذه الدعوى قبل ظهورها بزمن ليس بالقريب
ثم: غرست أطروحة النائيني الإشارة لما ظهر بعد اكثر من نصف قرن من ان النموذج الغربي للدولة الديمقراطية يحمل تحديات جدية إزاء الانسان المسلم، فقد كشفت أدوارد سعيد إشكالية اغتراب المسلم الذي يقع في احابيل الفكر الاستشرافي وماكشفه وائل حلاق حول (التباينات والتناقضات بين معطيات دولة الغرب ومخرجات التراث والثقافة لدى الشعوب الإسلامية، ذلك ان الدولة على الطراز الغربي ليست دولة محايدة دينيا وفكريا وهي دولة خدمية فقط لانها معبرة عن أيديولوجية لصناعة فرد منتج ومنضبط بالجزاءات القانونية في حين ان أطروحة النائيني تسعى الى دولة لها دور تربوي لان أهم وظائفها صناعة مجتمع مثقف فاهم رشيد، وفرد منضبط باعتقاداته وايمانه وان مفهوم السيادة في أطروحة النائيني انها في الأصل لله تعالى ثم للامة بشراكة وتفاعل داخلي، لإنتاج القوانين وتنفيذها وتعظيم القيم النبيلة وتطبيقاتها وبذلك يكشف النائيني كشفا مبكرا عن (مزايا) الدولة المدنية البرلمانية الدستورية المنتزعة من الفكر الإسلامي التنويري وبين النموذج الغربي المادي المجدب
ويمكن القول: ان النائيني انتج من الفكر الإسلامي الأيديولوجي للدولة نسقا معرفيا، وسطر لها قواعد الشرعية وأوضح لها مسالك تحريك الموارد ورسم ملامح السلوك الاجتماعي وفعًل منظومة القيم النبيلة. لقد حول النائيني (الفقة السياسي الإسلامي) من نمطه التاريخي القديم الى أيديولوجية للناشطين وصاغ من الإسلام مفاهيم للحركة الاجتماعية والنشاط السياسي عندما جعل ثوابت الإسلام وقواعده العامة والكلية حاكمة على كل المجالات وبذلك فتح خزائن التصورات لحل معضلة التخلف المزمنة
ماذا علينا الان: ان اصل أطروحة النائيني كان (أصلا نظريا حاز درجة عالية من الاستشراف المستقبلي، وعلى من يرون انضاج أطروحته ان يطوروها بالكشف عن دور النظرية النائينيه في التعامل مع اثار عالمية الليبرالية، واثار ومعطيات العولمة على نموذج الدولة المدنية النائينية تلك التي تربط الدولة بمنظومات اقتصادية ومالية ومعرفية تهيمن من خلال مؤسساتها الاقتصادية والمصرفية الدولية على حركة راس المال والتجارة العالمية وترسم نظاما للتعليم لا يستنسخ النظام الغربي ويفكر عميقا بتوقي ثقافه الاستهلاك ان هذه التحديات تركها النائيني للمفكرين المسلمين بعد عصره ورسم لها أصولا فكرية اساسية اهمها ان الامة هي المستقبل وهي المستخلفة من الله لأعمار الكون وإقامة العدل واحقاق الحق وتطبيق الحريات والحقوق المدنية وان لها السلطة العليا وان التسلسل السياسي الصحيح (الله، الامة، الحاكم المنتخب) وان الشورى البرلمانية نظام واجب وملزم وان للديمقراطية في فهم النائيني خصائص وسمات تختلف عن الديمقراطية الغربية المغايرة لاطروحه تنبيه الامه وتنزية المله
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد







