عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نبيل عيدو: هل قوائم تطوير الذات فعالة؟.. قراءة تحليلية

نعيش في زمن يتسارع فيه كل شيء، وجبات أكل سريعة تدافع سريع للتقنية والمعلومات حتى وصل الأمر إلى الوجبات النفسية السريعة في قوائم تطوير الذات. يكفي أن تمرر إصبعك على شاشة هاتفك لتجد قوائم جاهزة تعدك بنسخة أفضل من نفسك: “عشر عادات للشخص المتوازن”، “سبع خطوات للثقة بالنفس”، “افعل ولا تفعل”. نقرأ ونفهم ونشعر بشيء يشبه الارتقاء اللحظي، ثم نعود بعد أيام إلى أنماطنا القديمة وكأن شيئًا لم يحدث. هنا تظهر مشكلة لا تتعلق بالقوائم بحد ذاتها، وإنما بطريقة فهمنا لطبيعة الوعي والتغيير.

المشكلة الأساسية هي افتراض ضمني أن الإنسان يتغير كما يتغير جهاز الكمبيوتر حيث تُدخل له معلومات صحيحة، فيُنتج سلوكًا صحيحًا. ولكن هذا لا يحدث في حالة الإنسان. فالمعرفة ليست دائمًا قوة، هي قوة عندما تستخدمها فقط. وما عدا ذلك، ربما تكون مجرد وهم بالقوة. إن فهم مبدأ لا يعني القدرة على تطبيقه تحت الضغط. هناك فرق جوهري بين أن تعرف شيئًا، وأن تكون قادرًا على تطبيقه والعيش وفقه.

العقل البشري يعمل كمنظومة متداخلة من التجارب والانفعالات والتوقعات. ويمكن تشبيه هذه المنظومة بالعجين الذي يتشكل عبر سنوات طويلة من المخاوف القديمة والخبرات المؤلمة ولحظات النجاح وأنماط تفسير العالم. وبعد هذا الامتزاج العميق، كما أننا لا نستطيع أن نقول هنا طحين وهنا ماء داخل العجين، لا نستطيع أيضًا أن نفصل في العقل بين ما هو تفكير وما هو شعور وكأن كل واحد منهما عنصر مستقل. فكل ما يصدر عن الإنسان يكون مزيجًا متداخلًا من الاثنين معًا، حتى في أكثر لحظاتنا التي نظنها عقلانية. لذلك، ما نسميه تفكيرًا عقلانيًا يكون في كثير من الأحيان مشبعًا ببنية عاطفية عميقة تعمل في الخلفية دون أن ننتبه إليها.

من هنا، تصبح قوائم تطوير الذات أدوات محدودة الوظيفة. هي تعمل في أفضل حالاتها كوسيلة تذكير أو توجيه. فائدتها تظهر لدى من يمتلك أصلًا بنية داخلية قريبة من تلك السلوكيات؛ أي أنها تصف ما هو موجود أكثر مما تصنع ما هو مفقود. أما تحويل السلوك بشكل مستقر، فهو يتطلب تدخلًا أعمق من مجرد التذكير. وهذا ما دعانا إلى كتابة هذا المقال.

 ذلك لا يعني أن القوائم بلا قيمة. ففي بعض الحالات، يمكن للسلوك أن يسبق الإدراك، ويحقق التغيير المطلوب وهي فكرة معروفة في العلاج المعرفي السلوكي، حيث يُستخدم التكرار المقصود للسلوك لإحداث تعديل تدريجي في البنية الداخلية. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعوامل محددة: الاستمرارية، الارتباط العاطفي، والسياق الذي يُمارس فيه السلوك. بدون هذه الشروط، يتحول التطبيق إلى أداء شكلي سرعان ما ينهار عند أول اختبار حقيقي.

إذًا، الإشكال ليس في القوائم، بل في المبالغة في تقدير قدرتها. حين نتعامل معها كأدوات تحويل جذري، نقع في وهم معرفي: نخلط بين إدراك الفكرة وامتلاكها. أما حين نراها كبوصلة تشير إلى اتجاه مرغوب، فإنها تستعيد قيمتها الحقيقية.

حين ننتقل من السلوك إلى التطبيق، يتغير السؤال من ماذا أفعل؟ إلى كيف أرى؟، وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين القوائم والتغيير الفعلي. فالسلوك االمطلوب هو المحطة الأخيرة لسلسلة طويلة من العمليات الداخلية التي تعمل بصمت، وتعيد إنتاج نفسها مع كل موقف مشابه. يمكن وصف هذه السلسلة بأنها عدسة إدراكية تتكون من تراكمات الذاكرة والانفعال والتوقع، وهي التي تحدد زاوية التقاطنا للواقع قبل أن نقرر كيف نتصرف حياله. وعندما تكون هذه العدسة مشبعة بإحساس خفي بالتهديد أو المقارنة أو النقص، فإن أي سلوك يُبنى فوقها يحمل هذا الأثر، حتى وإن بدا متزنًا في شكله الخارجي.

في هذا المستوى يصبح الحديث عن الجذور والثمار أكثر وضوحًا. فمحاولة تغيير السلوك دون فهم الطريقة التي يتشكل بها تشبه محاولة تعديل نتيجة دون النظر إلى السبب الذي أنتجها. ومع مرور الوقت يظهر فرق بين ما نحاول أن نظهره للآخرين وما نشعر به في الداخل، ويزداد هذا الفرق في لحظات الضغط، حيث تعود ردود الفعل القديمة للظهور بشكل تلقائي. لذلك، يبقى الحديث عن تطوير الذات غير مكتمل إذا لم يتجه إلى طريقة فهمنا للأحداث، وكيف نعطي معنى لما يحدث لنا.

 هذا يقودنا إلى إعادة فهم السلوك لا إلى إنكار دوره ضمن منظومة أوسع. فالتكرار يمكن أن يترك أثرًا مرغوبًا، خاصة حين يكون مصحوبًا بانتباه صادق وتجربة شعورية وعاطفية حاضرة، وعندها يتحول الفعل من محاولة تطبيق خارجي إلى عملية إعادة ترميز تدريجية، حيث تبدأ العدسة نفسها في التحول ببطء.   وهي عملية تحتاج زمنًا كافيًا يسمح بإعادة ترتيب العلاقات الداخلية دون استعجال النتائج.

التغيير الحقيقي، أو ما أسميه تنظيف العدسة الإدراكية، يبدأ من معالجة توزيع الضوء داخلنا. عندما نفهم لماذا نشعر بالتهديد من تميز الآخرين، يبدأ العجين النفسي في التحلل وإعادة التشكل من جديد. إن مدح الآخرين، إضافة إلى كونه مهارة اجتماعية، هو أيضًا فيض طبيعي يحدث عندما يستوعب العقل فكرة الوفرة؛ أي عندما يدرك أن ضوء الآخرين لا ينقص من ضوئك شيئًا، بل يضيف إلى العالم مزيدًا من الإنارة.

ضمن هذا الفهم، تستعيد قوائم تطوير الذات مكانها الواقعي كإشارات اتجاه، تذكّر بما يمكن أن يكون عليه السلوك عندما تنضبط الرؤية الداخلية، وتفتح باب المراجعة دون أن تدّعي القدرة على إعادة البناء.

الاتزان النفسي لا يأتي من إضافة سلوكيات جديدة، بل من تغيير الطريقة التي يتشكل بها السلوك من الداخل. وعندما يحدث هذا التغيير، تبدأ الصفات الجيدة بالظهور بشكل طبيعي ودون جهد كبير، بدل أن تكون مجرد محاولة لإظهار صورة معينة أمام الآخرين.

***

الكاتب: نبيل عيدو