عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: متى يتعافي المرء؟.. رحلة من الألم إلى الاتساع

ليس التعافي لحظة عابرة تصادفنا كما يصادف الضوء نافذة مفتوحة، بل هو رحلة خفية في أعماق الذات، تخاض بصمت أشبه بصمت البذرة وهي تشق ظلمة الأرض لتصبح شجرة. التعافي ليس نسيانا للألم، بل إعادة تأويله؛ ليس محوا للجراح، بل تحويلها إلى خرائط ترشدنا نحو أنفسنا. إنه ذلك التحول الدقيق الذي يجعل المرء يخرج من انكساره لا كما كان، بل أعمق، وأصدق، وأشد قدرة على احتمال الحياة.

يتعافي المرء إذا ألقى كل البؤس جانبا وحاول ألف مرة أخرى ليصنع من كل الظروف التي تحاربه ظرفا يدفعه لما يريده ويتمناه.

يتعافى المرء حين يدرك أن الحياة لا تعطي دروسها لمن ينتظر، بل لمن يحاول.. ألف مرة، وربما أكثر. حين يتحول البؤس من عبء إلى مادةٍ أولية لصناعة المعنى، ومن خصم إلى معلم قاسي لكنه صادق.

‏يتعافي المرء عندما ينشغل بذاته ويعرف مقدار نفسه. وحين يزن نفسه بميزان داخلي لا تهزه نظرات الآخرين ولا تثقله توقعاتهم. حينما يعلم ان وجود الناس جميل ولكن غيابهم لا يضر. حينما يتعلم التغريد خارج السرب ويتعلم أن من يسير وحيدا عكس الجمع ليس مخطأ وأن الوحدة ليست فراغا بل مساحة لإعادة اكتشاف الصوت الداخلي الذي طالما ضاع وسط الضجيج.

ويتعافى في تلك اللحظات الهادئة التي لا يشاركه فيها أحد؛ حين يجلس إلى ذاته. وبتأمل الطبيعه ونسمة ليل تمر على قلبه فتعيد ترتيب فوضاه. ففي التفاصيل الصغيرة، يرمم الإنسان ما هدمته العواصف الكبيرة.

يتعافي بعزلته وفنجان القهوة الساخن.. في كتاب يفتح له نوافذ لم يكن يدرك وجودها. لكن التعافي لا يكتمل بالعزلة وحدها، بل يزهر أيضا في صحبة صادقة.

‏يتعافى بالأصدقاء وإن كانوا حطاما وإن هزمتهم قسوه الظروف أو متاعب الحياه.. نتعافى بمجرد وجودهم. نتعافي بصحبتهم وإن جلسنا صامتين..قد يكونون مثقلين بآلامهم، لكنهم يمنحوننا حضورا صافيا لا يشترى

نتعافى بمحبتهم ولو في البعد. نتعافي بإحساس أن هناك من يتقبلنا على حقيقتنا ويحبنا كما نحن..‏  يتعافى المرء بأحبته وأصدقائه وعائلته.. بالضحكات التي لا تتوقف والحكايات التي لا تنتهي والدفء المحيط بهم حتى في أكثر الليالي برودة.. يتعافى بالأيدي التي تمسك به إذا وقع.. والكتف الذي يحتضنه عند الحاجة..  يتعافى بالحب وبالدعم ويتعافى بالصحبة. وجلسة أنس مع الأحبة..

ويتعافى المرء حين يتخلى عن يقينه المطلق، حين يعترف بأن الحقيقة أوسع من زاوية نظره، وأن الحكم على الناس ليس امتيازا منح له. ‏وعندما بتخلي عن إصدار حكم مطلق على الناس اما للجنة او للنار.. يتعافي عندما يعترف بما يجهل وعندما يمتنع عن التحدث كأنه مندوب الإله علي الأرض.

‏يتعافى المرء عندما يتعلم التخلي عن تقديس الأشخاص.. ‏عندما يتنازل عن الرغبة في شرح نفسه للعالم، ويعرف أنه بوسع كل شخص أن يفترض ما يريده وأن يبصره بالطريقة التي تناسب الظنون بداخله مقابل أن يحتفظ له برؤيته، معرفته وتقديره لنفسه،

يتعافى المرء عندما لا ينتمي لأحد.. ينتمي فقط لكل ما يحرر روحه من ثقل هذا العالم. ينتمي لألمه ومعاناته.  ينتمي لكل موقف يدافع عن حق كل الموجودات في الحياة.

ثم يبلغ التعافي ذروته حين يتحرر من الانتماءات الضيقة التي تصغر روحه حين لا يعود أسير هويه أو اسم أو جماعة أو فكرة مغلقة، بل ينتمي لكل ما يحرره، لكل ما يعلي إنسانيته. حين يصبح قلبه واسعا بما يكفي ليحبّ دون شرط، ويتألم دون تحيز، ويمنح دون انتظار.

يتعافى المرء عندما يتخطي جميع الأُطر. إطار الأنا والعائلة والقبيلة والإعتقاد واللغة والثقافة والعرق والجنسية والجغرافيا.

يتعافى عندما يبتسم قلبه لكل ما هو جميل. ويتألم مع كل متألم.. يتعافي عندما يسمح لمشاعره أن تنطلق خارج الحدود المرسومة مسبقا. أن يتجرد من كل ما هو ثابت وجامد. يتعافي المرء عندما يحمل معه انسانيته فقط.

نعم يتعافى المرء بانسانيته. التعافي في جوهره، ليس نهاية الألم.. بل بداية فهمه. ليس وصولا إلى حالة مثالية، بل مصالحة عميقة مع النقص الإنساني. إنه أن تمشي في الحياة خفيفا، لا لأنك لم تعد تحمل شيئا، بل لأنك تعلمت كيف تحمل كل شيء دون أن تنكسر. أن تدرك أن أثقل ما فيك.. يمكن أن يصبح أجنحة. وأن الإنسان، حين يتمسك بإنسانيته وسط هذا العالم القاسي لا ينجو فقط.. بل يضيء.

***

ابتهال عبد الوهاب