قضايا

غالب لمسعودي: ارتهان السيادة وإرث التبعية

قراءة فلسفية في الموقف الأوروبي تجاه أزمات الشرق الأوسط

في تشابك الجغرافيا وتناقضات التاريخ: تُعد العلاقة بين القارة الأوروبية ومنطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في التاريخ السياسي والفلسفي الحديث؛ إذ لا يمكن فهمها بمعزل عن إرث الاستعمار القديم الذي لم يمت، بل تناسل في قوالب جديدة تحت مسمى "الهيمنة الليبرالية المستحدثة". إن فحص الموقف الأوروبي من الحروب المستعرة في الشرق الأوسط يتطلب غوصاً في أعماق المفاهيم الفلسفية التي شكلت وعي "السيادة" و"التبعية" منذ معاهدة "صلح وستفاليا" عام 1648، وصولاً إلى انكسارات القرن الحادي والعشرين. (انظر: هوبسباوم، عصر الإمبراطورية).

 الجذور الفلسفية للسيادة وإرادة المنتصر

تأسس النظام الدولي الحديث على أنقاض الحروب الدينية في أوروبا، مما أدى إلى بلورة مفهوم "السيادة الوطنية"، الذي منح الدول استقلالاً نظرياً داخل حدودها. ومع ذلك، يرى الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في أطروحته حول "حالة الاستثناء" أن السيادة ليست مجرد قانون يسري على الجميع، بل هي القدرة المطلقة على "تعليق القانون" نفسه. ومن هنا، فإن السيادة الأوروبية بدت تاريخياً وكأنها "إرادة المنتصر" الذي يحدد من يدخل في نطاق الحماية القانونية ومن يظل في "العراء السياسي" أو ما يسميه أغامبين "الإنسان المستباح".

التباعد الكبير وتكريس الفجوة الحضارية

ارتبطت قوة أوروبا بما يصفه المؤرخ كينيث بوميرانتس بـ "التباعد الكبير"، وهي اللحظة التاريخية التي مكنت الغرب من تجاوز قيود النمو والتحول إلى قوة مهيمنة عبر استغلال الموارد المستعمرة. هذا التباعد لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان فلسفياً بامتياز؛ حيث ترسخ شعور بالتفوق الأخلاقي يبرر التدخل في شؤون "الآخر" بدعوى التمدين ونشر قيم الحداثة.

في الشرق الأوسط، تم توظيف هذا المفهوم لنزع الصبغة السيادية عن الدول، وتحويلها إلى مجالات نفوذ تابعة للمركز الأوروبي. إن الفلسفة الأوروبية، رغم ادعائها الكونية، ظلت حبيسة "المركزية الغربية" التي ترى في الشرق مجرد "مختبر" لتجريب نظريات الديمقراطية أو ساحة خلفية لتصريف الأزمات الأمنية. هذا التباعد هو الذي يفسر البرود الأخلاقي الأوروبي تجاه الضحايا في الشرق الأوسط مقارنة بالضحايا في العمق الأوروبي (كما في الأزمة الأوكرانية).

استعارة "أحدب نوتردام": سيكولوجية التهميش والازدواجية

تقدم رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" (1831) أرضية خصبة لفهم الموقف الأوروبي المعاصر. إن شخصية "كوازيمودو" ليست مجرد تشويه خلقي، بل هي تمثيل رمزي لـ "الآخر" الذي يُنظر إليه بعين الريبة والاشمئزاز رغم حاجته الماسة للحماية. إن الصراع في الرواية هو صدام بين "السلطة الاستبدادية" التي يمثلها القاضي فرولو، وبين "الضحية المهمشة".

في القراءات النقدية المعاصرة، يعكس هذا التناقض الموقف الأوروبي من شعوب الشرق الأوسط؛ حيث يتم تارة الاحتفاء بالثورات والمطالب الديمقراطية (تمثلاً بقيم التنوير)، وتارة أخرى يتم شيطنة هذه الشعوب كـ "تهديدات أمنية" أو "أحمال ديمغرافية" بمجرد تحولهم إلى لاجئين يطرقون أبواب القارة. إن أوروبا هنا تلعب دور "الجمهور الغوغائي" في الرواية، الذي يرفع المهمش ملكاً للحمقى في لحظات "الربيع العربي" العابرة، ثم يسحله بالتعذيب النفسي والقوانين العنصرية عند أول بادرة خوف من فقدان الرفاهية.

"الكتاب سيقتل الصرح "

في فصل "هذا سيقتل ذاك"، يتنبأ هوغو بأن المطبعة (الكتاب) ستدمر سلطة الكاتدرائية (الصرح). وبالإسقاط على واقعنا المعاصر، فإن "الصرح" هو الدولة القومية الأوروبية بحدودها الويستفالية التقليدية، بينما "الكتاب" هو تدفق المعلومات، والشبكات العابرة للحدود، وسطوة الشركات الكبرى والقرارات التي تُتخذ في مراكز القوى العالمية.

تعاني أوروبا اليوم من تمزق وجودي؛ فهي متمسكة بـ "صرحها" المؤسساتي (الاتحاد الأوروبي)، بينما تتآكل سيادتها تحت وطأة مراكز القوى في واشنطن وبكين. هذا الانتقال من المركزية السيادية إلى التشتت النيوليبرالي خلق حالة من "الذيلية"، حيث تتبع أوروبا قرارات القوى الكبرى لأنها لم تعد قادرة على حماية فضاؤها السيادي بمفردها. إن "الكتاب" (العولمة) قد قتل بالفعل قدسية "الصرح" السيادي الأوروبي، وجعل قرارات باريس وبرلين مجرد هوامش على متن الكتاب الأمريكي.

التبعية البنيوية: أوروبا بين واشنطن والاحتلال

يبرز مفهوم "الذيلية" كأداة تحليلية محورية لفهم الموقف الأوروبي. يرى المفكر برهان غليون أن القارة تعاني من "إفلاس استراتيجي"؛ فهي تطمح لشرق أوسط مستقر يخدم مصالحها في الطاقة والأمن، لكنها ترفض في الوقت نفسه نمو أي تيار استقلالي حقيقي قد يهدد الهيمنة الغربية العامة. (المرجع: غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، 1988).

تتجلى هذه التبعية في قبول العواصم الأوروبية للقرارات الأمريكية حتى عندما تضر بمصالح القارة المباشرة. أما في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، فتتحول المواقف الأوروبية غالباً إلى صدى للسياسة الأمريكية، مع التركيز على "إدارة النزاع" بدلاً من حله. إن العجز الأوروبي عن فرض "حل الدولتين" أو وقف المجازر هو دليل قاطع على أن "السيادة الأوروبية" مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها ارتهاناً كاملاً للمظلة الأمنية الأمريكية والضغوط اللوبية الصهيونية التي تغلغلت في البنية السياسية لفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

 يورغن هابرماس وسقوط "الفضاء العام"

يرى يورغن هابرماس أن الاتحاد الأوروبي هو وسيلة لاستعادة القدرة على تنظيم الأسواق وحماية القيم الديمقراطية عبر "الفعل التواصلي". لكن الموقف من أزمات الشرق الأوسط كشف عن فشل "اليوتوبيا الهابرماسية". فالحوار العقلاني الذي يبشر به هابرماس توقف عند حدود البحر الأبيض المتوسط. (المرجع: هابرماس، حول دستور أوروبا، 2012).

إن السيادة في الممارسة الأوروبية لم تعد تُبنى على الحوار، بل على "التحالفات الأمنية الصلبة". لقد سقط الفضاء العام الأوروبي في فخ "الأمننة"، حيث أصبحت حقوق الإنسان مجرد أداة خطابية تُستخدم ضد الخصوم، وتُعلق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء. هذا التناقض هو ما يسميه سلافوي زيزيك بـ "الأيديولوجيا التي تعمل في الخفاء"، حيث تدعي أوروبا الحياد الأخلاقي بينما هي غارقة في دعم منظومات القمع والاحتلال.

الهيمنة الثقافية عند غرامشي وصناعة "الرضا الأوروبي"

لفهم سبب استمرار التبعية الأوروبية رغم التكاليف الباهظة، يجب الرجوع إلى مفهوم "الهيمنة الثقافية" لأنطونيو غرامشي. يرى غرامشي أن القوى المهيمنة عالمياً تحافظ على قوتها ليس عبر الإكراه الفيزيائي فحسب، بل عبر "الرضا العفوي" الذي تمنحه الدول التابعة للاتجاه العام الذي تفرضه المجموعة المهيمنة.

إن الهيمنة الأمريكية على أوروبا ليست مجرد قواعد عسكرية؛ بل هي "ثقافة سياسية" أصبحت جزءاً من "الحس السليم" للنخب الأوروبية. يتم ترويج قيم "الليبرالية المستحدثة"، والدفاع المشترك تحت لواء "الناتو"، والتحالف غير المشروط مع إسرائيل كحقائق موضوعية لا تقبل الجدل. تقوم المؤسسات الأكاديمية والإعلامية بدور "الوكلاء" الذين يرسخون هذه الهيمنة، مما يجعل أي محاولة للخروج عنها تبدو كـ "انتحار سياسي". إن أوروبا اليوم تعيش حالة "الرضا التابع" حيث تظن أنها تختار قراراتها، بينما هي تنفذ مقتضيات الهيمنة الأمريكية. (المرجع: غرامشي، دفاتر السجن).

 فشل "السلام الاقتصادي"

لقد روجت أوروبا والولايات المتحدة طويلاً لفكرة "السلام الاقتصادي"؛ وهي الفرضية التي تدعي أن التجارة والتعاون سيحلان محل الحقوق السياسية. ومع ذلك، أثبتت التجربة المريرة أن "الرخاء تحت الاحتلال" هو وهم يهدف إلى تحويل المقاومة السياسية إلى عمالة رخيصة ومستهلكين مدجنين.

إن الاستثمارات الاقتصادية دون حل سياسي يحترم حق تقرير المصير هي مجرد محاولات لـ "شراء الصمت"، وهي محاولات محكومة بالفشل كما أثبتت الانتفاضات المتكررة. الموقف الأوروبي الذي يركز على تقديم "المساعدات الإنسانية" بدلاً من ممارسة "الضغط السياسي الفعال" لإنهاء الاحتلال، هو في جوهره محاولة لتجميد الصراع وضمان استمرار التبعية الاقتصادية للمنطقة تجاه المركز الأوروبي.

نحو استعادة الفاعلية والتحرر من "الذيلية"

إن فحص الموقف الأوروبي من أزمات الشرق الأوسط يكشف عن فجوة هائلة بين "الخطاب الأخلاقي" و"الممارسة السياسية". إن أوروبا، الغارقة في إرثها الاستعماري والمرتهنة لهيمنة القوى المنتصرة في القرن العشرين، لم تعد تمتلك زمام المبادرة السيادية. إنها تلعب دور "الوصيف" المطيع لواشنطن، مع محاولات خجولة للحفاظ على ماء الوجه عبر بيانات الإدانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

إن خروج أوروبا من "شرنقة التبعية" يتطلب شجاعة فلسفية لإعادة تعريف هويتها بعيداً عن المركزية الغربية المتغطرسة. وبدون ذلك، ستظل المواقف الأوروبية تتراوح بين الوعظ الأخلاقي العقيم والتبعية الاستراتيجية المهينة، وسيبقى "الصرح" الأوروبي مهدداً بالانهيار أمام "كتب" التحولات العالمية الكبرى التي تكتبها اليوم قوى صاعدة لا تقيم وزناً لـ "السيادة الويستفالية" المتآكلة.

***

غالب المسعودي

....................

مراجع

أغامبين، جورجيو (2003). حالة الاستثناء. ترجمة ناصر إسماعيل. بيروت: دار التنوير. (مرجع أساسي لفهم تعليق القانون الدولي).

غليون، برهان (1988). المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات. (لتحليل الإفلاس الاستراتيجي الأوروبي).

زيزيك، سلافوي (2008). عن العنف: تأملات في وجوه مألوفة. ترجمة فاضل جكتر. (لتحليل العنف الأيديولوجي الموضوعي).

هابرماس، يورغن (2012). حول دستور أوروبا: مقال. (لفهم طموحات وفشل المشروع التواصلي الأوروبي).

غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن. (لفهم آليات الهيمنة وصناعة الرضا التابع).

بوميرانتس، كينيث (2000). التباعد الكبير: الصين وأوروبا وصناعة اقتصاد العالم الحديث. (للسياق التاريخي للهيمنة الاقتصادية).

هوغو، فيكتور (1831). أحدب نوتردام. (كمصدر للاستعارة الفلسفية والأدبية في النص).

 

في المثقف اليوم