قضايا
محسن الأكرمين: البلاهة عند الرواد الجدد من أطر الفكر الأكاديمي والجامعي
من الصعب تحديد مستويات وعمق تفكير الانزياح الإيديولوجي عند بعض الأطر الأكاديمية والجامعية من الجيل الجديد. من المتعب قراءة رمزيات التنظير المعياري لديهم الذي ينتج الولاءات والانبطاح، وذلك عندما يربط الهدف ببروز مصالح ذاتية أو أخرى متوزعة بالنفعية. وكذا من الصعب معرفة دواعي وخلفيات توجيه الرأي العام نحو الخضوع والإيجاب والقبول بحتمية قدر إكراهات معيشة الحياة، وحتمية التصديق المطلق لأصحاب القرار التنفيذي. لكن المشكلة الكبرى حين تغلب لغة العزف على وتر واحد، فاعلم أن هناك توجيهات صارمة وصامتة، أو أن هنالك ريع (حلال) في متناول اليد والاستهلاك الفاسد بقضايا الوطن.
لغة جديدة ظهرت رديئة، وباتت تماثل لغة شفهي (ميكرو- تروتوار/ Micro Trottoir) في إعلام الشارع (الفايسبوك) من قبل بعض من يحملون شواهد أكاديمية وجامعية، وقد تتشابه حد (تهجئة الكتابات) في علوم الدارجة. لغة تُشابه ما تتناقله (ميكروفونات) البلاهة والتفاهة، والتي تأسست لضرب القيم الحصينة، وتشتيت الرأي العام وفق خليط من الأفكار والقناعات السمجة والملتوية، ولما لا اختراق ما بقي من أسس نظافة الفكر والعقل البنائي الذي كان يتخرج بفخر من جامعاتنا الوطنية ويؤطر المواطنين والمواطنات.
تلك مظاهر جديدة من التحولات التي ترتكز على بلاهة الرأي والأسلوب والتوجيه، ورمي الأفكار والقناعات المفبركة، والعمل على تمرير نوعية من سموم تناقضات حربية السياسية، ولما لا خلق الفجوة الرقمية بين الحقيقة والتزييف.
كل هذا بحق باتت أزمة بعض من النخب التي تحمل الشواهد والديبلومات، وتتشدق بالعلمية والتحليل المنهجي، وما هي بالطبع إلا أداة تُسخر وكراكيز لتلميع الفاسد والفساد، وجعل أبي لهب يتسيد على فعل التقوى والخير!!!
من شدة العوز الثقافي المغربي، حين تركب تلك النخبة على ممرات الوطن والوطنية، ومحاولات تنميط الفكر، والعمل الحثيث على (فورماطاج/ Formatage) مكونات شخصية المواطن البسيط نحو إيمان جديد مفبرك بالبلاهة. نخب جديدة من الفكر الجامعي ومن بعض الوصوليين الذين يمتلكون ألوان العمى، ويفسرون الخير بالشر، والشر بالخير، وبازدواجية ماكرة. فقد تصبح الوطنية عندهم تماثل الخضوع والانبطاح والقبول حتى بالمتغيرات الدولية، ولما لا الهرولة نحو إلحاق الوطنية بمطامح ومطامع أخرى، وقد تصبح الوطنية عند هؤلاء من بيادق (البحلسة) والتمسح عند عتبات الولاءات تنميط متغير المواقف لا خلاف عليه، وعقل جمعي حاضر في قيادة القطيع اللامفكر.
اختلاف الأمة في الرأي فيه رحمة التنوع، من تم كانت التعددية الحزبية مسلكا سديدا نهجته الدولة المغربية بارتياح. وقد كان ولازال هذا الوعاء الشامل وغير الاستبدادي (الحزب الواحد) كيس أمان لكل الارتدادات والحوادث الاجتماعية الفزعة عبر تاريخ المملكة، لكن من العيب أن تأتي تلك الكُمشة من الانتهازيين على صفحات مجانية من إعلام الشارع (الفيسبوك)، وتعمل على صناعة لسعة السم المقوية للباطل وإدخال مصالح الدولة العليا ضمن منظومتهم الانتهازية، فإن هذا من العجب الذي يرتدي جلباب الحكيم في جسد شيطان مارد ماكر يختفي وراء مصالح حب الدولة والوطن ومن (الحب ما قتل).
الأهم عند هذه الفئة المستنيرة بعلم نشيد (لَعَبْ وَكُولْ)، هو دوام سيولة المال السخي، والعمل بالتوجيهات مهما كانت نوعيتها المنحطة، فأن تصبح الزيادة في ثمن المحروقات مصلحة وطنية لا محيد من التصفيق لها، والخضوع لها بفرح الكاميرات (البودكاست/Podcast )!!! فهذا مكر سياسي تجريدي من القيم!!! وأن يتم التنظير لتلك الوطنية الساذجة، والتي تتمثل في أن يتحمل المواطن تبعات توجهات الدولة الكبرى في صنف خلق التحالفات الجيوسياسية، وكأن المواطن مفعول به بالنصب!!!
هيهات فهيهات أن تكون الوطنية تكلفة فقط من المرتدات الضاغطة عند المواطن بحتمية القبول بها، وليس أن يكون المواطن جزءا من إنتاج الرأي والرأي المضاد. فالوطنية ليست نمطا استهلاكيا يُوازي الأكلات السريعة (الفاست فود/ Fast Food) ومرتبطة بالحروب والكوارث وبالمنجزات الرياضية، بل الوطنية الحقة هي جزء لا يتجزأ عن قيم الوطن وثوابت الدولة العليا بلا متغيرات. الوطنية الحقة أخلاق ومواقف الشعب المشتركة، والتي تتسم بحقيقة الهوية الثقافية الفردية والجماعية، وتلك الذاكرة المشتركة للشعوب.
ما أثارني من هذه الفئة الأكاديمية الجديدة المتشدقة بالمعارف (الجيوسياسية)، والمستنيرة من الانحيازيات السياسية والتحكمية، هو ذاك الولاء المطلق لأرباب النعمة في ضمير الغائب والمستتر والمنفصل، وكذا هو اللعب بقضايا الوطنية العليا بالاستهلاك الفاضح والمرتبك، وتقويض مرتكزاته الاعتقادية والاعتيادية.
فئة من نخب (أعطيني لسانك آكل به الشوكْ)!!! وكأنهم من الحراس الأمناء على هذا الوطن الكريم (حاشا والله أن يكونوا كذلك)!!! إنهم نوعية من توليفات رؤى الشيطنة السياسية الجديدة التي تصنع (تهافت التهافت على الأزمات من حروب وكوارث والمنجزات الرياضية) لكي تأكل الثوم بأفواه شرهة، وتُذهب تخوفات الجن المارد الذي يُغذي نمط حياتها بأنفة التعالي والتنظير والتهكم.
لا علينا فالفراغ العقلاني المتوتر بخلطة عاشوراء السياسية، وسيادة الفكر الثقافي الرخو، والمواقف السياسية الغائبة عند الأحزاب السياسية الوطنية، هي من تركت لهذه الفئة (المتنطعة) كي تلعب أدوار وكلاء البلاهة (... قاضي حاجة)، والاسترزاق من نشرات (إعلام الشارع) البئيس، ولكن التاريخ لن يغفر لهذه الفئة الرائدة في تثمين البلاهة التي تبيع الوهم والذمم، بل التأريخ سيعود بالعودة نحو المعقولية حتما وتحييد وكلاء إعلام أولي النعمة.
***
محسن الأكرمين






