قضايا
ابتهال عبد الوهاب: ميلاد الحكمة.. تأملات في أفكار الفيلسوف حسن حماد
ليست كل العلاقات في حياتنا تقاس بقرب المسافة أو بطول السنوات؛ فبعض البشر يدخلون حياتنا كما تدخل الفكرة العظيمة إلى العقل: فجأة… ثم لا يعود العالم بعدها كما كان. هؤلاء لا يمرون بنا مرور العابرين، بل يتركون في أرواحنا شقوقا يدخل منها الضوء. وحين أفتش في ذاكرة روحي عن أولئك الذين صنعوا في وعيي هذا الضوء، وأيقظوا في داخلي هذا القلق الجميل، قلق المعرفة، أجد اسما ينهض من بين الوجوه كلها بوضوح خاص:
أستاذي ومعلمي الأول… الفيلسوف الدكتور حسن حماد.
لم يكن مجرد أستاذ يشرح نصوص وأفكار الفلاسفة، بل كان واحدا من أولئك النادرين الذين يجعلونك تشعر أن التفكير نفسه مغامرة، وأن العقل يمكن أن يكون وطنا أوسع من كل الحدود.
لم يكن يعلمنا الفلسفة بوصفها تاريخا للأفكار، بل باعتبارها تمردا دائما على السكون العقلي. كان يذكرنا، صراحة أو ضمنا، بأن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الجهل، بل اليقين المغلق. علمنا أن الشجاعة الفكرية ليست صراخا في وجه السلطة، بل القدرة على أن تظل حرا في مجتمع يخشى الحرية. وأن الفلسفة ليست ترفا ذهنيا، بل محاولة مستمرة لإنقاذ الإنسان من نفسه، ومن الأوهام التي يصنعها لنفسه.
كان حضوره أشبه بورشة دائمة لإيقاظ الوعي. يتنقل بين الأفكار كما يتنقل البحار بين الجزر المجهولة؛ لا يخشى العواصف الفكرية، ولا يهرب من الأسئلة المحرجة.
ولذلك لم يكن مشروعه الفلسفي مجرد تنظير أكاديمي، بل معركة فكرية مفتوحة ضد أنماط متعددة من الاستبداد: استبداد السلطة، واستبداد التقليد، واستبداد المقدس حين يتحول إلى أداة لإغلاق العقل.
ففي كتاباته، كما في محاضراته، كان يحاول أن يفتح النوافذ التي أغلقت طويلا في الثقافة العربية. نوافذ الحرية، ونوافذ النقد، ونوافذ الأنسنة.
كان يؤمن دائما أن الفكر الذي لا يمس حياة الناس يبقى مجرد حبر جميل على الورق. بل كان يرى أن الفلسفة إن لم تمس حياة الناس وتوقظ وعيهم فإنها تتحول إلى معرفة باردة بلا أثر. لذلك اتجهت كتاباته منذ البداية إلى تشريح البنية العميقة للوعي العربي، وكشف تلك الطبقات الصلبة من الأفكار الموروثة التي تحاصر العقل وتمنعه من المغامرة. ولهذا انشغل بأسئلة المجتمع: بالهوية المرتبكة، بالوعي المشوه، وبالمأزق الذي تعيشه مجتمعات تتأرجح بين ماض ثقيل وحداثة لم تهضمها بعد.
وفي دفاعه المستميت عن الحرية لم يكن ينطلق من شعار سياسي، بل من قناعة فلسفية عميقة: أن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا حقا إلا إذا كان حرا.
كما انشغل بقضية المرأة، ليس باعتبارها قضية فئة، بل باعتبارها مرآة تكشف درجة تحضر المجتمع كله. فالمجتمع الذي يقمع نصفه لا يمكن أن يكون مجتمعا سليم العقل أو الضمير.
أما عن الاغتراب، فقد كان يرى أن الإنسان الحديث يعيش مفارقة وجودية قاسية: أن يكون محاطا بالناس، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة. وأن يعيش في وطنه، لكنه لا يجد فيه مكانا حقيقيا لروحه. وهنا كان يعود دائما إلى السؤال الفلسفي الأكبر: كيف يمكن للإنسان أن يصنع معنى في عالم يبدو في كثير من الأحيان بلا معنى؟
كان جوابه بسيطا وعميقا في آن واحد: بالمعرفة، وبالتمرد، وبالإيمان بأن الوعي نفسه فعل مقاومة. ولذلك كان يرى أن الاعتراف بعبثية بعض جوانب الحياة لا يعني الاستسلام لها، بل تحويلها إلى دافع لخلق معنى جديد. وكثيرا ما كان يعود إلى الفكرة التي قالها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: إن الإنسان "ملقى في العالم". لكن أستاذي كان يضيف دائما:
ربما كنا قد ألقي بنا في هذا العالم دون اختيار… لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيشه. ولهذا كان يؤمن أن الوعي هو الشكل الأرقى للمقاومة. فحين يدرك الإنسان هشاشة الواقع لا يستسلم لها، بل يحاول أن يصنع من هذه الهشاشة بداية لمعنى جديد. هكذا كان أستاذي: لا يهرب من الأسئلة الصعبة، بل يقترب منها أكثر… كما يقترب الجراح من الجرح ليكشف حقيقته.
ثمة عقول تشبه المصابيح القديمة في الأزقة المعتمة، لا تتباهى بضوئها، لكنها تضيء الطريق لمن يمرون بالقرب منها. ومع الوقت تكتشف أن ذلك الضوء الصغير كان كافيا ليغير مسار الرحلة كلها.
ولذلك لم يكن الدكتور حسن حماد مجرد أستاذ فلسفة، بل صانع عقول، ورفيق رحلات فكرية طويلة، وواحدا من أولئك الذين يجعلونك ترى العالم بعيون لم تكن تعرفها من قبل. فالإنسان، كما كان يردد، ليس مجرد كائن يعيش في العالم، بل كائن يسعى دائما إلى تفسيره وتغييره. هكذا ظل أستاذي واحدا من أولئك الذين لا يكتفون بقراءة الواقع، بل يحاولون إعادة كتابته.
أستاذي الدكتور حسن حماد… الفكر عنده موقف، والوعي مسؤولية، والإنسان هو القضية الأهم التي ينشغل بها دائما.
حين كتب عن "دوائر التحريم" لم يكن يقصد مجرد توصيف ثقافي لحدود المسموح والممنوع، بل كان يريد أن يلفت الانتباه إلى أن العقل العربي يعيش داخل سياج غير مرئي من المحرمات الفكرية. كان يقول إن أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس الفقر في المعرفة، بل الخوف من السؤال. فحين يصبح التفكير مغامرة محفوفة بالمحاذير تتحول الثقافة كلها إلى حقل ألغام يمشي فيه العقل بحذر دائم.
وفي كتابه "ذهنية التكفير" اقترب من واحدة من أكثر الظواهر خطورة في الثقافة العربية. لم يتعامل معها كظاهرة دينية فحسب، بل بوصفها بنية نفسية وفكرية ترى الاختلاف تهديدا لا فرصة للحوار. أراد أن يقول إن المجتمعات التي تحاكم الأفكار بمنطق التكفير أو الإقصاء تفقد تدريجيا قدرتها على الإبداع، لأن الإبداع لا ينمو إلا في فضاء الحرية.
شغله الدائم هو الإنسان. الإنسان بوصفه كائنا قلقا، باحثا عن معنى، ممزقا بين ماض يثقل ذاكرته وحاضر يتغير بسرعة مذهلة. لذلك تناول بإلحاح إشكالية الهوية، ورأى أن أزمة الهوية في مجتمعاتنا ليست مجرد سؤال ثقافي بسيط، بل نتيجة تراكم طويل من التوتر بين التراث والحداثة. فالإنسان العربي، كما كان يرى، يعيش غالبا بين زمنين: زمن قديم يضغط على وعيه، وزمن جديد يطالبه بأن يعيد التفكير في كل شيء.
ولم يكن اهتمامه بالفلسفة منفصلا عن الأدب. فقد أدرك مبكرا أن الأدب العظيم هو أحد الطرق العميقة لفهم الإنسان.
وحين كتب عن العظيم نجيب محفوظ لم يقرأه كروائي يروي حكايات عن الحارة المصرية فقط، بل كفيلسوف سردي يعبر عن تحولات الروح المصرية وصراعها بين القدر والحرية. رأى في عالم محفوظ مختبرا إنسانيا حيا تتحرك فيه الأسئلة الكبرى للفلسفة داخل مصائر بشرية ملموسة.
وفي كتابه "قوة الأمل" حاول أن يطرح فكرة تبدو بسيطة لكنها عميقة في معناها. كان يرى أن الأمل ليس وهما نفسيا ولا تعزية عاطفية، بل موقفا فلسفيا في مواجهة قسوة العالم. فالأمل عنده ليس إنكارا للواقع، بل شجاعة الاستمرار في مواجهته. الإنسان لا ينتصر على عبث الحياة إلا حين يمتلك تلك القدرة العجيبة على الاستمرار في البحث عن المعنى رغم كل شيء.
أما في دراسته عن "البحث عن السعادة عند نيتشه" فقد اقترب من الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بوصفه مفكرا حاول أن يحرر الإنسان من القيود الأخلاقية الجامدة. لم تكن السعادة عند نيتشه حالة من الراحة أو الطمأنينة، بل تجربة من التجاوز الدائم. الإنسان، كما فهمها حسن حماد، لا يجد سعادته في الامتثال للقيم السائدة، بل في قدرته على خلق قيمه الخاصة.
كما تأثر بعمق بالفلسفة الوجودية، خاصة أفكار الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وفي تحليله لسارتر كان يركز على أن المشاعر الإنسانية ليست مجرد انفعالات نفسية عابرة، بل طرق لفهم علاقتنا بالعالم. فالقلق والغضب والخوف ليست علامات ضعف، بل إشارات إلى التوتر العميق الذي يعيشه الإنسان حين يدرك حريته ومسؤوليته في آن واحد.
ومن هنا جاء اهتمامه الدائم بالصراع بين الفلسفة والسلطة. فالفلسفة بطبيعتها تفتح الأسئلة، بينما تميل السلطة إلى إغلاقها. لذلك ظل الفلاسفة عبر التاريخ مصدر قلق لكل سلطة تحاول أن تفرض على العقل حدودا لا يجوز تجاوزها.
ولهذا أيضا كان نقده شديد الوضوح لما سماه "القمع المقدس". ذلك القمع الذي يتخفى وراء الخطاب الديني ليمنع التفكير الحر. كان يرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول الأفكار إلى مناطق محرمة. فالمجتمع الذي يخاف من أسئلته يخاف في الحقيقة من مستقبله.
وفي المقابل كان يرى في الفن أحد أهم مساحات التحرر الإنساني، وهو ما عبر عنه في كتابه "الخلاص بالفن". فالفن في نظره ليس ترفا جماليا، بل تجربة روحية تعيد للإنسان حساسيته تجاه العالم. الفن يحرر الإنسان من قسوة الواقع، ويمنحه القدرة على أن يرى الجمال والمعنى حتى في أكثر اللحظات قسوة.
لكن الأثر الحقيقي لأي مفكر لا يقاس بعدد كتبه فقط، بل بعدد العقول التي أيقظها. وهنا تكمن فرادة تجربة حسن حماد.
ويأتي عيد ميلاد الفيلسوف العظيم حسن حماد متزامنا مع مواسم للفرح وبدايات الربيع الجديدة واخضرار الحياة، ومع بهجة عيد الفطر، ودفء الامومة في عيد الام.
وكأن الحياة أرادت أن تذكرنا بمعنى خفي:
أن هناك نوعين من الولادة في حياة الإنسان. الأولى تمنحنا إياها الام… حين تفتح لنا باب الوجود. أما الثانية، فيمنحنا إياها المعلم العظيم… حين يفتح لنا باب الوعي. ولهذا سيظل أستاذي بالنسبة إلي واحدا من أولئك الذين لا يكبرون في الذاكرة، بل يكبرون في القيمة وفي المعنى.
كبر عاما جديدا… لكن الأرواح التي تعيش في الأفكار المستنيرة لا تشيخ ولا تكبر.
كل عام وأنت ذلك الصوت الذي يذكرنا بأن التفكير شجاعة، وأن المعرفة مغامرة، وأن الإنسان، مهما ضاق العالم حوله، يستطيع دائما أن يخلق معنى لحياته.
كل عام وأنت برهان حي على أن الفلسفة ليست كتبا تقرأ، بل وعيا يوقظ الحياة في الإنسان. كل عام وأنت تعلمنا أن أخطر ما في العالم ليس الجهل، بل الاطمئنان إلى الجهل. كل عام وأنت تفتح نافذة جديدة في جدار الصمت الطويل.
كل عام وأنت تذكرنا بأن الإنسان أكبر من خوفه، وأن العقل أوسع من القيود التي توضع حوله. كل عام وأنت ذلك الضوء الذي لا يعلن عن نفسه، لكنه يجعل الطريق أكثر وضوحا لمن يسيرون بالقرب منه. كل عام وأنت تذكرنا أن التفكير شجاعة، وأن المعرفة مغامرة لا يخوضها إلا الأحرار. كل عام وانت دائما بخير وصحة وفي احسن حال.
***
ابتهال عبد الوهاب






