قضايا

رائد عبيس: الأخلاق العربية بعد طوفان الأقصى

لم نجد في تاريخ الأخلاق قاعدة أخلاقية تفسر سلوك العرب اتجاه تخاذلهم أمام القضية الفلسطينية بشكل عام وغزة بشكل خاص، وتردي أخلاقهم في التعاطي مع القضية الفلسطينية لا على مستوى النسب العروبي ولا على القاعدة الدينية المشتركة ولا على مستوى الجغرافيا! خلف هذا الموقف الضحل والمتخاذل ردت فعل عنيفة في تحليل بنية العقل العربي الخامل عن قضاياه النشطة، وخيبة أمل كبيرة من المشتركات التي كان يعول عليها. وتراجع كبير عن كل مواثيق حقوق الإنسان التي سجلوا بها في المنظمات الدولية. وتردي في الموقف الضميري اتجاه جياع غزة وشهدائهم من النساء والأطفال والرجال ويعتلي ذلك خسة التراجع عن كل موقف مناصر، أو أمل المناصرة. بل زادوا في التردي درجة عندما طبعوا مع الكيان الصهيوني وساندوا الصهاينة وحلفائها على حساب أهل فلسطين والقضية برمتها، وزادوا في الامر ضحالة عندما دفعوا الأموال في سبيل قتل أهل غزة وإبادتهم وإجبارهم على الاستسلام، بل وفي دفع الأموال لكي يدخلوا في مجلس سلام مظلل يخدم الصهاينة أكثر مما يخدم أهل فلسطين.

هذه الأزمة الأخلاقية التي تسببت بظهورها - وإن كانت بادية من ذي قبل ولكن بدرجة أقل - حرب 7 أكتوبر ضد الصهاينة، وضعت العقل العربي في تحدي كبير في طبيعة التعامل مع قضاياه القومية والاقليمية والدينية، وأظهرت ضحالة التفكير العربي والفكر القومي العربي وسطحية العقلية العربية أمام المخططات الإستراتيجية الدولية في منطقهم وبلدانهم وسياساتهم. وعرت في الوقت نفسه من موثوقية القيم التي كان العرب ومازال يتبجح بها من نخوة وشجاعة وغيرها. صحيح يجب أن نفرق هنا بين موقف الحكام وموقف الشعوب، ولكن الشعوب العربية في الغالب امتلك مواقف الكلمة بعد أحداث الربيع العربي الذي أزال الأنظمة الشمولية التي كانت الأمان للكيان الصهيوني في نشأته على أرض فلسطين حتى تمكن من بناء قدراته فتولى عليهم وارجع شعوبهم إلى الفوضى عبر إزالة هذه الأنظمة والوصول بأنظمة مطبعة. فكانت الشعوب العربية تشبه أنظمتها إلى حد كبير وإن كانت هنالك مواقف متذبذبة بين حين وآخر من تظاهر وشجب وغيرها، الا إن المواقف العربية جميعا ما عدا اليمن لا يمكن لها أن توازي مواقف الشعوب الغربية في أمريكا وأوربا وأن كانت تتعرض للمضايقات والرفض من قبل أجهزة الأمن في تلك الدول التي اخذت مواقف متشددة اتجاه مواطنيها الذين أعلنوا عن مواقفهم لمناصرة القضية الفلسطينية.

فضحالة المواقف العربية كانت بسبب طبيعة تفكير الأنظمة في التعاطي مع القضايا القومية من جهة والدينية من جهة أخرى – بينما كان الصهاينة يصرحون بين آونة وأخرى أن حربهم ضد المسلمين في فلسطين وما جاورها هي حرب دينية- ولا هي تدخل في إطار الحنكة السياسية في حماية المصالح القومية والأمن العربي الذي خسرته الجامعة العربية سيئة الصيت في هذا الموقف تحديدا وإن كانت تعقد جلسات مسبقة المواقف ومعلنة البيانات، ومخجلة الآراء، ومرضية للكيان، ومخيبة للفلسطينيين. فالأخلاق لم تكن معياراً في كل هذه المواقف ولا يحسب لها حساب، بل طبعت سمات جديدة في الأخلاقيات العربية هددت بها كل تاريخ قيمها وأخلاقها المزعومة. وهنا يجب أن يعاد النظر فلسفيا في كل المواقف الأخلاقية التي ترتبط بالسياسية من جهة والأخلاق القائمة على المشتركات العروبية من جهة أخرى. فالأخلاق العروبية هي أخلاق مريضة، ومشوهة، ومعلقة على شرط الولاء السياسي، والمذهبي، والديني، والقبلي، والرضا من قبل الكيان والسياسية الأمريكية التي اشترطت الصداقة مع الكيان الصهيوني، والتطبيع في أي علاقة انفتاح لأي دولة من دول العرب، بل والامر من ذلك إن تدفع هذه الدول العربية الأموال لحمايتها من توسع الكيان الصهيوني ومن العدو المشترك للحفاء الأصدقاء واقصد الدولة العربية المطبعة مع الكيان الصهيوني بكون المشتركات الأمنية باتت قضية واحدة.

فلم نجد أي مبرر أخلاقي لانتكاسة العرب الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية، ولم نجد ما يفسر ذلك التراجع في القيمة العربية لمفهوم العروبة واخلاقها أو أخلاق الإسلام كدين يدعون الالتزام به. ولم نجد لهم اخلاقيات مسؤولية عامة أو مسؤولية إغاثة، أو مسؤولية تضامن تكفي لحمايتهم من المجازر الصهيونية، أو مساعدتهم لتجاوز محنة الغزة الإسرائيلي والحرب عليهم والنزوح أو الهجرة.

فالفكر العربي الأخلاقي الذي ينتمي إلى مدارس اشتراكية او قومية او ناصرية او مادية او وجودية او صوفية او اخوانية او أي توجه آخر، لم تصنع لنا كل تلك التوجهات موقفاً موحداً يحمل طابعا أخلاقياً عقلانياً إزاء الظروف التي مرت على أهل فلسطين وغزة تحديداً. كان ذلك بادياً من مهاترات العرب على شاشاتهم البائسة التي لم تنقل أخبار فلسطين وحوادث حرب السابع من أكتوبر ومأسي غزة الا ونقلت معها تأكيد الخزي العربي والضحالة الأخلاقية التي وقعوا بها في اللا موقف اتجه ضحايا غزة.

موقف يحيى السنوار، ومواقف الالاف الشهداء قبله وبعده كان كفيل بنزع رداء الأخلاق العربية اتجاه القضية الفلسطينية عموماً ما عدا أهل اليمن !

فالأخلاق العربية بعد أحداث السابع من أكتوبر بحاجة إلى دراسة حقيقية عسى أن تكون في دراستها جدوى تصحيح المسار الأخلاقي قبل النزوع في الضحالة إلى أعماقها.

***

د. رائد عبيس

في المثقف اليوم