قضايا
شيماء هماوندي: فقدان الشغف في المجتمع المعاصر
هناك علاقة وثيقة بين فقدان الشغف، وبين الشعور بعدم الإنجاز، ربما يجد البعض الأمر غريباً، لكن الكثير من البشر فقدوا الإحساس بالإنجاز مهما حققوا من نجاح، وكل ذلك بسبب ما يحمله لنا التطور التكنولوجي والمجتمع المعاصر من عبىء الإطلاع على كل شيء، لإن ذلك فتح باب المقارنات على مصراعيه، وأصبح الإنسان لا يشعر بالفخر والسعادة مهما حقق، مُقارنةً بما وصل إليه غيره، و إن من أبرز الأسباب هو التركيز على نجاح الآخرين، و وضع الإنسان نفسه في مُقارنات معهم، إن الإنسان المُعاصر اصبح لايعرف بالضبط مايريده، وما يحتاجه، هو فقط ينظر الى ما في أيدي الآخرين ويُريده، ظناً منه ان هذا هو ما سوف يُسعده، ويجعله يشعر بالأمان والطمأنينة، والسلام النفسي، إن خوف الإنسان المعاصر هو خوف من أن يسبقه الآخرون، والشعور دائماً انه متأخر في عالم يتطور بشكل سريع هو شعور مُرهق، والرغبة المَرَضية في المنافسة تجعله في سباق مستمر مع الزمن من ناحية، ومع الآخرين من ناحية أُخرى، ليجد نفسه في النهاية غير راضٍ، وغير مقتنع، وبالتالي فاقد للشغف وغير سعيد.
ولمعرفة كيف يحدث ذلك، ولماذا يحدث، لابد لنا من تتبع جذر المشكلة الأزلية عند بعض البشر، ألا وهي مقارنة أنفسهم مع الآخرين، إنهم يُدخلون أنفسهم في مُقارانات مع كل شخص في محيطهم أو من ضمن دائرة علاقاتهم، او يعيش في نفس مجتمعهم، فنجد الإنسان يتسائل: لماذا فلان من الناس هو أفضل مني؟ لماذا هو وصل لمرتبة أعلى، وانا مازلت في مكاني؟ إن المقارنات مع الآخرين، والنظر الى النفس بعين النقص وعدم الإكتمال، هو امر يُرهق الإنسان ويصل به في نهاية المطاف الى فقدان الشغف، وضياع المعنى في حياته، لأنه لا غاية له سوى مطاردة أحلام الآخرين، ومقارنة نفسه بهم، إنه بذلك يقع في (وهم عدم الإنجاز)، والذي هو عبارة عن عدم تقدير الإنسان لما لديه بالفعل من النِعَم، والتقليل من إنجازاته الذاتية، وعدم الشعور بأنها مهمة، وكل ذلك يُرهق الإنسان وقد يؤدي به الى الأمراض الجسدية والنفسية في حال لم تتم معالجتها.
إن تَقَبُل الإختلاف والتنوع في القدرات لدى البشر، سواء افراد أوجماعات، هو امر ضروري، وهو احد السُبل التي تُخرج الإنسان من دائرة الصراعات، والمنافسات الضيقة، فتقليد الآخرين، والسير على خطاهم، لا يعني بالضرورة أن نصل الى نفس النتيجة التي وصلوا إليها، بل أن ذلك يُفقد الإنسان هويته الذاتية، ويجعل منه مجرد إنعكاس لذات الاخرين، ويؤدي ذلك الى فقدان وضياع ذاته الحقيقية، وفي المقابل فإن التَقَبُل يُنجي الإنسان من الإنسياق وراء التنافس المرهق فيما لاُيناسب إمكانياته الحقيقية على أرض الواقع، حيث إن إتساع الفجوة بين ما يريده الإنسان ومايستطيع ان يفعله، يُسبب صراع نفسي مُتعب، بين الأماني، وحدود الإمكانيات، وبالتالي يُصبح الإنسان مُرهق فكرياً، ونفسياً، ويظل كل إنجاز يُحققه مُحاط بالشعور بعدم الأهمية، هذه ليست دعوة لعدم السعي وتطوير الذات، بل هي دعوة لعدم الإنسياق وراء المقارنات، والوقوع في فخ التمني الذي لايتناسب مع القدرات الحقيقية، والتي تدفع الإنسان لعدم الرضا وتُدخله في دوامة المقارنات والسعي وراء الإنجازات التي لا تتناسب وقدراته الحقيقية، إن تَقَبُل الإنسان لحدوده المعرفية وقدراته الجسدية والعقلية، ومعرفة صفاته السلبية، والعمل على إصلاحها، وتحديد صفاته الإيجابية والسعي الى تطوريرها بشكل واقعي ومعقول،هو الحل الأمثل لمواجهة سباق الإنجازات المَرَضي،والغير واقعي، فما يحتاجه الإنسان هو العمل وفق زمنه هو، وليس وفق زمن الآخرين، وأن يؤمن ان لكل إنسان إيقاع خاص به، وزمن خاص به يتطور فيه، ولاتوجد مدة زمنية تناسب الجميع، لاننا لانواجه نفس الظروف والتحديات، نحن كبشر علينا تقبُل أننا لا نمتلك نفس طرق التفكير والمهارات، والحل الأمثل لمعالجة هذا النوع من المشكلات، هو التَقَبُل، تَقَبُل نجاح الآخرين، وتمني الخير لهم، وتقبل فكرة الإختلاف، ومواجهة الأفكار السلبية، ومراقبتها والتصدي لها، لان ذلك يُساعد على التقليل من السلوك الغير صحي، كذلك فإن تقدير الإنسان لإنجازاته والإحتفاء بها تعتبر طريقة فعّالة يواجه بها مشاعر الحزن في كل مرة يشعر أنه أقل من غيره، أو أنه لم ينجز الكثير مُقارنةً بالآخرين، كذلك فإن العمل على إكتشاف الفرد لقدراته الذاتية والأشياء التي يمكن ان يمارسها لتطوير وتعزيز هذه القدرات كفيل بأن يُحرره من وهم المقارنات وسباق الإنجازات، ويجب ان لا ننسى أن من حق الجميع أن يسعى للنجاح، ولكن الأجمل هو ان نسعى للحياة التي تناسبنا.
***
شيماء هماوندي






