قضايا

احمد عابر: من الانكسار الى التكوين

"رب معصية اورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا"

بهذه العبارة المكثفة يلخص ابو حامد الغزالي واحدة من ادق افكاره الاخلاقية، وهي ان قيمة الفعل لا تقاس بظاهره وحده، بل بما يحدثه في النفس. فالطاعة ليست نجاة بذاتها، كما ان المعصية ليست هلاكا بذاتها. انما النجاة والهلاك يتحددان بنوع الوعي الذي يتولد عن الفعل.

هذا القول يرد في احياء علوم الدين في سياق تحذيره من العجب والغرور، حين تتحول العبادة من جسر عبودية الى حجاب خفي للانا. لم يكن الغزالي يمدح الذنب، ولا يهون من شأن الطاعة، بل كان يحارب اخطر ما قد يفسدهما معا: نرجسية التدين.

يمكن قراءة هذه الفكرة بصريا في لوحة Saint Francis in Meditation للرسام الاسباني Francisco de Zurbaran، احد ابرز وجوه الباروك الاسباني.

في هذه اللوحة لا نرى مشهدا معجزا، ولا طقسا احتفاليا، بل انسانا واقفا وحده في صمت كثيف. الضوء لا يغمر الجسد كله، بل يلامس الوجه والصدر فقط، كأن النور هنا ليس تكريما، بل مساءلة. العينان مرفوعتان، لا في نشوة يقين مكتمل، بل في يقظة داخلية. الجسد مستقيم، واليدان مطويتان، والثوب خشن بسيط. في الوقفة انكسار، وفيها ايضا ثبات.

هنا تلتقي اللوحة مع حكمة الغزالي عند نقطة دقيقة: المسألة ليست الطاعة ولا المعصية، بل العلاقة التي يبنيها الانسان مع نفسه من خلالهما.

الطاعة التي تولد شعورا بالاستحقاق والتميز تتحول الى حجاب كثيف. والمعصية التي توقظ وعيا بالافتقار قد تصبح بداية مراجعة. لكن الانكسار عند الغزالي ليس غاية في ذاته، بل لحظة تفكيك للانا المتضخمة. هو هدم لما فسد تمهيدا لبناء اصدق. فالهدف ليس ان يبقى الانسان منكسرًا، بل ان يخرج من انكساره اكثر اتزانا واقل ادعاء.

وهذا المعنى نجده بوضوح في حكم ابن عطاء الله السكندري حيث يقول: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول. وفي قوله المشهور: معصية اورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة اورثت عزا واستكبارا.

غير ان ابن عطاء الله، كالغزالي، لم يكن يمجد الذنب، بل كان يهدم وهم السيطرة، وهم ان الانسان يملك خلاصه او يقيم عمله او يستحق قربه. الانكسار هنا ليس حالة نفسية سلبية، بل ولادة ضمير. انه انتقال من التدين بوصفه طقسا الى التدين بوصفه محاسبة ذات.

من هذا المنظور، لا تبدو لوحة زورباران صورة راهب منكسر فحسب، بل صورة انسان يراقب نفسه. ليس امامنا عابد مزهو، ولا عاص منهار، بل سالك في لحظة مواجهة مع ذاته. في الوقفة صلابة هادئة، وفي النظرة يقظة، وفي الضوء امتحان لا احتفال.

ليست الطاعة خطرا بذاتها، ولا المعصية فرصة بذاتها، بل الخطر ان تتحول الطاعة الى تغذية للانا، والهلاك ان يتحول الذنب الى قسوة او ياس. اما الطريق، فهو ان يتعلم الانسان كيف يرى نفسه رؤية صادقة، فلا يغتر ولا ينهار.

لهذا يصبح قول الغزالي مفتاح اللوحة الخفي: ليس الشان فيما نفعله امام الله فقط، بل فيما يفعله ذلك بنا، بشرط الا يتحول هذا الاثر الداخلي الى ذريعة لالغاء الفعل نفسه، ولا الى حالة وجدانية خالصة.

الدين، في اعمق تجلياته، ليس طقسا بلا ضمير، ولا شعورا بلا تكليف، بل توازنا دقيقا بين ظاهر يهذب وباطن يراقب.

في هذا التوازن وحده لا يعود الانكسار اقامة دائمة، بل يصبح لحظة تطهير. ولا تعود الطاعة مصدر استعلاء، بل طريقا لتواضع واع.

قد تكون دمعة ندم بداية، وقد تكون طاعة صامتة استمرارا، لكن النضج الحقيقي هو ان يخرج الانسان من كل تجربة، طاعة كانت او زلة، اكثر صدقا واقل وهما، واشد قدرة على مراقبة نفسه. وهذا هو مقام التكوين، لا مجرد الانكسار.2381 zorbaran

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم