قضايا
قاسم حسين صالح: الاحتراق النفسي.. هل تعاني منه وأنت لا تدري؟!
الأحتراق النفسي.. مفهوم او متلازمة تمت صياغته من قبل عالم النفس الأمريكي "هربرت فريودنبرج" في السبعينات لوصف عواقب الإجهاد النفسي الشديد، وتلك التي يتعرض لها الأطباء والممرضات بسبب مساعدتهم للآخرين الذين نصفهم بأنهم (شموع تحترق من أجل الآخرين).
ولقد شاع هذا المفهوم في الصحة النفسية التي تدّرس في الجامعات ليشير الى:
حالة من التعب والاحباط وهبوط الأداء الوظيفي ناجمة عن ضغط الجهد النفسي في العمل، أو من جراء التكريس لقضية معينة، او لطريقة معينة في الحياة، او لعلاقة معينة.. ولكنها تفشل في انتاج الغاية المطلوبة.
لفت اهتمام علماء النفس المتخصصين بالصحة النفسية بعد ان اصبح ظاهرة مؤسساتية أصابت عددا من العاملين في المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية والعاملين في البنوك، فتحول هذا الاحتراق الى ما يسمى (سايكولوجيا المنشأت والمنظمات والمؤسسات).. وبينها ما حصل في العراق خلال العشرين سنة الأخيرة.
وتسأل عن اسباب الأصابة بهذا الأحتراق فنوجزها:
التركيبة الشخصية للفرد الذي يكون واقعا" تحت تأثير اتجاهات فكرية ووظيفية غير واقعية، كأن يرسم لمستقبله اهدافا" لا يستطيع تحقيقها على مستوى الواقع فيصاب بخيبة امل واحباط تؤدي الى احتراقه نفسيا" وقد حصلت لكثير من الشباب الخريجين في السنوات العشرين.
و حين تسود بيئة العمل التنافر والبغضاء والحسد وتلقط الاخطاء، واتباع الادارة اسلوبا" سلطويا" لا يحترم انسانية العاملين، وقد حصل ايضا لأن اختيار الأدارات في العراق لا يتم على أساس الكفاءة، بل الانتماءات الحزبية والولاءات.
غير أن أهم أسبابه:
شعور الموظف بالحيف حين يرى ان ما يتقاضاه لا يساوي ما يبذله من جهد فكري وتعب جسمي، وهذا ما حصل للعراقيين في سنوات الحصار الثلاث عشرة العجاف.. فراتب المعلّمة - في سبيل المثال – كان لا يساوي ثمن حذاء لها. او حين يشعر الفرد الكفوء أنه مغيّب أو مهمّش، وأن من دونه كفاءة يأمر وينهي ويجلس على كرسي أكبر من حجمه بكثير كما هو حاصل الآن،حتى على صعيد الوزراء كما هو الحال في وزارات التربية والتعليم العالي والنقل.. وسبع اخرى!.
أو حين يشعر أن الحال قد تردّى وصار على وصف الشاعر: (تمزقت حتى لم أجد فيك مرقعا) فيكفر بالقيم والوطن.
هل يحدث فجأة؟
لا يحدث الاحتراق النفسي فجأه بل يمر بمراحل:
الاولى: مرحلة الحماس الوظيفي، وفيها يكون الموظف (طبيب، مدرّسة..) في قمة نشاطه الايجابي، مفعما" بالتفاؤل والتوقعات الكبيرة بانجاز اشياء متميزة في مجال اختصاصه. وغالبا" ما يرفض الفشل في عمله ولا يقبل الا بالانجاز الكامل.
الا أنه بعد سنوات يدخل المرحلة الثانية: الركود.. وفيها تنخفض الطموحات ويدرك الموظف " الطبيب النفسي مثلا " انه محدود بالمتغيرات الموجودة في البيئة الطبية والاجتماعية التي يعيش فيها، وانه لن يستطيع ان يغير ما يريد بمحض ارادته وحماسه لفعل ما هو افضل، وان الأمراض النفسية صارت كالوباء، وأنها ستبقى موجودة مهما كانت براعته.
واذا لم يكن واقعيا" في نظرته المهنية، فانه ينحدر الى المرحلة الثالثة: الاحباط، وفيها يكتشف ان كل نظرياته الوردية السابقة اصبحت باهته لا لون لها، وانه محدود جدا" فيما يريد ان ينجز، وانه لن يغير ولن يستطيع ان يغير. وفي مرحلة الاحباط هذه ستظهر عليه اعراض نفسية وبدنية ناجمة عن الشعور بالانهاك والارهاق والالام البدنية.
اذا استمر هذا الحال فانه يدخل المرحلة الرابعة: التبلّد،وفيها يكون يائسا" من التغيير، تسيطر عليه حالة من عدم المبالاة والسخرية والتهكم من كل شخص يفكر تفكيرا" ايجابيا" بالتغيير او تحسين الاوضاع بالمؤسسة التي يعمل فيها، وكأن لسان حاله يقول لكل من يفكر بأشياء جديدة للتحديث: لا فائدة من ذلك لقد حاولنا قبلكم وفشلنا.
والتساؤل:
ترى كم من العراقيين أصيبوا بالاحتراق النفسي على مدى أربعين عاما من احتراقات بكل الوان النار؟!. بل لك أن تقول: كم منهم لم يحترق نفسيا ومع ذلك ما يزال متعلقا بالحياة.. وبالوطن؟!
***
د. قاسم حسين صالح
مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية







