قضايا

عصمت نصّار: حكماء الحضارة الإسلامية وقضايا الفلسفة العملية (3)

لم يهمل حكماء الحضارة الإسلامية تحليل أقوال الأدعياء والمتعالمين الكاذبة التي لم تؤثر في فساد العقيدة عند ذيوعها في الجمهور فحسب، بل أصابت بعض خواص المتعلمين، وحفنة من العارفين، وعصبة من الحكام، وجل قادة الرأي وصنّاع الرأي العام أيضًا.

وقد ترتب على هاتيك الادعاءات وجود مجالًا فسيحًا للاجتراء والتجديف وتزوير الأحداث والزج بالعديد من المصطلحات العلميّة في غير موضعها.

فقد ذهب بعضهم إلى الدَّس في الحديث الشريف، والشطح في تأويل آيات القرآن الكريم، واختلاق المواقف التي تسيء إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقادة الرأي من علماء التراث الإسلامي؛ الأمر الذي دفع حكماء الإسلام إلى وضع مناهج نقدية تقوم بمهمة الغرابيل العقليّة الواعية لتنقية التاريخ الإسلامي الذي تأثر بالكثير من الادعاءات والشائعات التي باتت مع مرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من موروثهم العقدي والثقافي الذي أصاب العادات والتقاليد، والتربية، والسياسة، والتعليم، والحياة اليومية في الثقافة الإسلامية، ومازال.

ويمكننا إيجاز نهج علماء الحديث الشريف في القواعد التي وضعوها لتخليص ثقافة المسلمين من هذه الآفة، تلك القواعد التي استنوها للتحري والتقصي في الطلب والجمع والتدوين، ثم الذيوع والاحتجاج بالصحيح منها على دونها، وأولى هذه الشروط والقواعد: التأدب والإخلاص في البحث عن الأصدق والأعلم والأتقن في الرواية.

فلا يقبل الحديث من الكذوب أو المشكوك في أخلاقه وعلمه، ثم عرض الرواية التي تلقاها على مائدة النقد قبل تدوينها، بادئاً بالقرآن الكريم لمقابلة مضمونها بما جاء في الذكر الحكيم، وإذا لم يجد سياقها فيلجأ إلى العقل ويجعل المقصد الإلهي هو معيار قبول تلك الرواية من عدمه، ثم الالتزام بدقة النقل لفظًا ومعنى ودلالة، وذلك لحفظ النص من التجديف أو التحريف مع ذكر أسماء الرواة الذين تلقى عنهم. على ألا يصح لجامع الحديث أن يدلي برأيه إلا بعد اكتساب خبرة الممارسة في التحري والجمع ثم تحصيل المعارف التاريخية التي تمكنه من الحكم على صحة الرواية، والدراية بحيثيات موضوعها.

كما أكدوا أنه لا ينبغي على من يشرع في تدوين الحديث أن يضيق بشكوك أو نقود غيره من العلماء الذين لهم باعٌ أكبر في هذا الموضوع، ذلك فضلًا عن حرصه على مراجعة المصنفات التي وضعها سابقوه من جُمَّاع الحديث؛ الأمر الذي يقطع بأن هذه القواعد اجتهادية عقلية تخضع بطبيعتها لدرجات الإصابة والخطأ.

وحسبنا أن نشير إلى اجتهادات علماء الحديث الذين حرصوا على وضع مصنفات لتنقية الحديث وضبطه وذلك بقدر معارفهم وتصوراتهم ومعاييرهم للحكم على الروايات ومضمونها فذكروا أسباب رد الحديث أو ضعفه أو تكذيبه أو الاضطراب في سنده ومتنه، أو الحكم بجودته أو استحسانه، أو الإسناد الصحيح، والأصح متنًا.

ولم يتحرَّج علماء الحديث من التصريح بأن كتب جُمّاع الحديث لا تخلو من البدع أي (ما أدخل في الدين مخالفًا للقرآن أو السُّنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أو ما يناقض ظاهر الرواية أو مضمونها أيًا من المقاصد الشرعية التي اتفق علماء الأمة على صحّة استنباطها من أصول العقيدة.

وتجدر بنا الإشارة إلى باكورة إرهاصات البحث التاريخي عند المسلمين، وذلك لإثبات: أن علم الرواية والدّراية، والجرح والتعديل، وغير ذلك من غرابيل حكماء الإسلام النقديّة؛ لتنقية السيرة النبويّة والأحاديث من الأكاذيب والإفك والضلالات.

لم يكن هذا النهج محاكيًا أو دخيلًا على الفكر الإسلامي؛ فقد فطن علماء الإسلام إلى أهمية تدوين التاريخ منذ القرون الأولى للهجرة،  ومن أهم المصنفات التي ظهرت في ذلك الفن كتاب " التاريخ" لعوانه بن الحكم (ت 764 م)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 819 م) ثم كتاب " تاريخ البخاري" لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت 870 م) الذي يختص بتتبع المرويات التاريخية وأصحابها، وكتاب " الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد البغدادي (ت 845 م)، وهو من أوائل كتب السيرة النبويّة.

أمّا أولى المصنفات العربية المعنية بالنقد التاريخي للأخبار الشفهيّة، لتخلصيها من البدع والخرافات والأكاذيب هي التي عرفت بالعبر ونذكر منها: كتاب "الأمثلة للدول المقبلة" لمحمد بن عبدالله المسبحي (ت 1038 م) وكتاب " مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان"؛ لعبدالله بن أسعد اليافعي (ت 1367 م)، وأخيرًا كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر" لعبد الرحمن بن خلدون (ت 1406 م) الذي يعد بحق الرائد الأول لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والنقض الحضاري في الثقافة العربية الإسلامية.     

لذا نجد ابن خلدون يثير قضية من أخطر القضايا التي لم نفلح في أن نبرأ من مآلاتها في ثقافتنا المعاصرة ألا وهي الكذب في الإعلام، وتزييف الأخبار، وتزوير الوقائع، والدَّس في الشرائع، فذهب في معرض حديثه عن الفلسفة العمليّة ومباحثها الأخلاقية والتربوية والسياسية والتعليمية إلى التحذير من الكذب في الرواية، وإذاعت الخبر بين الناس، والترويج للشائعات، وتأكيده على أن الجهل والتعصب متفشي بين العوام.

وبيّن أن الثقة المفرطة في أحاديث المشاهير من الرواة لا تضلل الجمهور فحسب بل أهل الرأي والسلاطين أيضًا، وأن المداهنة والتملق مثل فحيح الأفاعي فهو يدفع إلى الجنوح عن المقصد والعجز عن تقدير مآلات الخبر وتوابعه وعواقبه ذلك فضلًا عن التعلق بالأوهام والولع بالغرائب، وسيما بين حديثي السن ومحدودي التجارب.

وحسبنا أن نختم حديثنا في هذا السياق بآراء عبدالرؤوف المناوي     (ت1621 م) وذلك لأنه يقطع بصحة ما أوردناه عن صفات البنية الأخلاقية العمليّة في فلسفة حكماء الإسلام التطبيقية وأصولها القرآنية وحرصها على ربط الواقع المتحول بالمقصد الشرعي الثابت الذي لا يتبدل فها هو يقول عن مهام الحاكم (إن من وظيفة الحاكم حفظ الدين ودفع شبهات الزائغين الكاذبين، وزجر الغواة والمجترئين والمبتدعين في أصول العقيدة وذلك لأن الإهمال في ردعه وتقويمه يشكك الناس فيما يعتقدون من صحيح الدين ويثير الفتن ....، فإذا رسخت البدع والأضاليل في الصدور ولحقت بالعقول أفضت إلى عظائم الأمور، ومن خرج من المبتدعة عن الطاعة تدارك أمره حسب الاستطاعة، ولا يجوز للحاكم قتل من اتهم بالزندقة زورًا، وإن ظهرت عليه مخايلها ما لم يثبت عليه ما يوجب الكفر الصريح، بل إمهاله ومراجعته أسوة بالمصطفي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدارى المنافقين مع تواتر الوحي بذكر نفاقهم وشقاقهم).

أمّا اختلاف العلماء في الأحكام، فلا يعد بدعًا أو كذبًا بل هو باب من أبواب الاجتهاد، فلا يجوز التعرض إليهم أو الاعتراض على اجتهاداتهم فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام، كما ليس للحاكم أو السلطان أن يحملهم أو يكرههم على مذهب ارتضوه أو نحلة رفضوها، فإنّ ذلك لا يصدر إلا عن معاند.

تلك كانت صورة عامة لموقف حكماء الحضارة الإسلامية فقهاء ومتكلمين وفلاسفة من ظاهرة الكذب ومشتقاته، أما الصوفية فلهم منطق خاص لا تفلح فيه الغرابيل العقلية الناقدة التي لا تقوى على مراجعة مشاهدات أرباب الأحوال والمقامات ولا تحليل أقوال الفانين الماحين المستورة في القلوب والسرائر، ولا قراءة تنبؤاتهم أو الحكم على كراماتهم بالصدق أو البهتان، ولما لا ..؟

وقد أجمع الفلاسفة أن الإحجام عن محاورة أو محاججة أصحاب البصائر من العارفين هو الأسلم حتى لا يخوض العقل فيما يجهل، ويفصل في قضايا ذوقية لا يدركها سوى الواصلين ومع ذلك فأننا نعيب على أدعياء هذا الميدان ومنتحليه والمتشبهين بأصحابه الذين يقولون ويفعلون ما لا يقبله صحيح الدين ويقع في دائرة البدع المستهجنة.       

 وإذا ما حاولنا قراءة موقف حكماء الإسلام من ظاهرة الكذب قراءة فلسفية فسوف يتبيّن لنا: أن جميعهم تناول موضوع الكذب تناولًا عقليًا منطقيًا يحوي التفسير والتبرير ووحدة المعايير التي هي أقرب إلى النسقية المترابطة منه إلى السياقية المفككة في مبحثي المعرفة والقيم؛ إذ عرفوا الكذب بأنه نوع وعرض لجنس الشر في مفهومه وجعلوا أشكاله من (مداراة، تضليل، مداهنة، خيانة، اجتراء، تجديف، تزوير، خداع ....) ما صدقات له.

أمّا في معالجتهم للبنية الأخلاقية للشر من الزاوية العملية فقد نظروا إليه باعتباره آفة حاقت بالأنفس العاقلة ورذيلة أفسدت الأخلاق النقية فلم يرجع ذلك التقييم إلى حكم موروث أو إلزام وضعي أو محاكاة لنظرية فلسفية سابقة بل استمدوا ثوابته من بنية أخلاقية تستند إلى بديهية راشدة تشتمل في تكوينها على وعي ودراية بمفهوم الكذب باعتباره رذيلة مناقضة للصدق والحق والواقع، تحوي في أغراضها المنفعة الخاصّة والإفساد المبرر وهدم للثوابت الإنسانية القائمة على الاستعداد الفطري لفعل الخير.

وقد تميزت تلك البنية العاقلة التي انتصرت لفضيلة الصدق وحاربت الكذب بكل أشكاله بثبات ومرونة وحريّة إرادة في التطبيق، الأمر الذي جعلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنظومة القيمية القرآنية التي حملت على الكذب، وجعلته مرادفًا لصوت الشيطان المحرض دومًا على شتى الرذائل والمفاسد، ولعل هذه الرابطة سبقت في ذلك ما دعت إليه (فلسفة العلو المعاصرة) التي نادى بها الفيلسوف المتصوف الألماني فولفانج شتروفه     ( 1917 م: 2011 م) في الاخلاق العمليّة؛ إذ ذهب في نظريته الثيوصوفية ( theosophy ) إلى أن الانسان الواعي إذا كان في مقدوره إدراك مادية الواقع وميله إلى الشهوات والرذائل؛ فعلى الحكيم ألا ينفر من ذلك الحال بل يسعى إلى رده إلى أصله الشاغل بالقيم والفضائل عن طريق محاربته لأصل تلك الشرور التي تقوده إلى الشهوات المادية والمنافع الفردية، أي أنه واجب على الإنسان العاقل المصلح أن يتعالى على الدنس إذا بات واقعًا ثم يقوم بإصلاحه عن طريق اتصاله اتصالًا مباشرًا بالأصل الروحي النقي؛ لإعادة ذلك الواقع الدنس إلى أصله الذي فطر عليه.

ولعل هذا عين ما فعله حكماء الحضارة الإسلامية في انحيازهم للقيم الإسلامية التي تجمع بين الواقعي والروحي، والثابت القابل للتطور والخالي من الاضطراب والتناقض في نسقه الأخلاقي الذي يلزم به سائر البشر (أمة الدعوة وأمة الاستجابة) دون عنصريّة أو طبقية أو تحيز إلى جنس بعينه.

 كما أن تلك القيم الأخلاقية التي حث عليها القرآن مترابطة في نسقية صارمة لا يمكن تفكيكها أو الخروج عنها، ورغم ذلك أن نسقها الثابت عملي في تطبيقاته التي تتسع لكل الأوضاع الإنسانية وتراعي في استثناءاتها كل ما يفرضه الواقع من مواقف وضروريات، وذلك لأن حكمها على القيمة لا يحتكم إلى الغايات الجزئيّة المباشرة بل إلى المقاصد الكلية التي لا تتعارض مع الحق والخير والجمال، وعليه فإن حملة حكماء الإسلام على ظاهرة الكذب انطلاقًا من بنية جامعة بين المعقول والمنقول لا يشوبها أي اضطراب أو تناقض أعيى العديد من الفلاسفة قدماء ومحدثين، بل ومعاصرين في الغرب خلال تحليلاتهم للأخلاق الوضعية العمليّة.

وعلى رأسهم روجيه جارودي (ت 2012 م) الذي اعترف بأن ذيوع الأكاذيب في المنظومة الأخلاقية الوضعيّة الغربية هو الذي انتهى بفلاسفتها إلى القول بصدام الحضارات في حين أن المنظومة القيمية القرآنية ما برحت تدعو إلى حوار الحضارات والكف عن الخداع والكذب.

ومن الغريب أن نجد الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، يصرح في تحليلاته لتاريخ الكذب عام 1997 م،  بأنه ليس من الضروري الحكم على الكذب بأنه خطأ أو شر أو مناهض للحقيقة، بل يمكننا أن نحتكم للمقصد أو الغاية في تقييمنا الفردي النسبي لفعل الكذب مستشهدًا بحديث للقديس أوغسطين على وجه مغاير لمقصده الحقيقي!

ونخلص من ذلك كله، إلى أن ذيوع الكذب في الحضارة الإسلامية كان من أهم عوامل أفولها وانحدارها وذلك عقب جنوحها عن البنية الأخلاقية الإسلامية، وميلها للمفاهيم المتعددة (للكذب) النابعة من الأغيار الأخلاقية التفكيكية.

وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فعلى قادة الرأي في ثقافتنا إعادة قراءة فلسفة الكذب للمفاضلة بين بنية حكماء المسلمين الأخلاقية النسقية، وبين شبكة أمريكا التفكيكية التي يسعى فلاسفتها لإذاعتها في ثقافتنا المغتربة.

(إذًا لم يُصبح للحديث بقيّة)

***

بقلم: د. عصمت نصّار

  

 

في المثقف اليوم