قضايا

إبراهيم برسي: محاولة للإنصات إلى لغة لا تثق بنفسها

أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائمًا في صفي. أحيانًا تسبقني بخطوة، وأحيانًا تخون ارتباكي، وأحيانًا كثيرة تتصرّف كما لو أنها فهمت ما لم أفهمه بعد.

في مثل تلك اللحظات، لا أشعر أنني أكتب، وإنما أُفاوض جملة عنيدة، أطلب منها أن تتمهّل، أن تمشي معي، لا أمامي. وربما لهذا لا أرى نفسي كاتبًا بالمعنى المكتمل للكلمة، وإنما متأمّلًا يدوّن ملاحظاته على الهامش، يراقب ما يحدث داخله وخارجه، ثم يحاول أن يلتقطه كما يلتقط رسّام أثر ضوء، أو مصوّر حركة عابرة. فالكتابة الإبداعية، في تجربتي، لا تختلف كثيرًا عن الرسم أو التصوير؛ ليست إعلانًا عن معنى، وإنما محاولة للإصغاء، وتسجيل أثر لحظة قبل أن تختفي.

حين تأملت ذلك، أدركت أن خلفيتي التشكيلية تجعلني أتعامل مع النص بوصفه سطحًا بصريًا، وليس معنى مكتملًا؛ شيء يُصنع أولًا، ثم يُرى لاحقًا.

من هنا بدأت أفكّر في ما سمّته الدكتورة لمياء شمت بـ اللغة الواشية؛ ذلك الوصف الذي أصابني لأنه سمّى إحساسًا كنت أعرفه دون أن أجرؤ على تسميته.

اللغة الواشية هي اللغة التي لا تحتمل الغموض فتُفشي المعنى قبل أوانه. هي اللغة التي لا تصبر على أثرها، فتفضحه قبل أن يصل.

أتذكّر الآن جملة كتبتها في نص سابق، كانت متقنة، واضحة، ومحبوبة عند القرّاء. عدت إليها بعد أيام وشعرت بالغربة. لم تكن خاطئة، ولا كاذبة، غير أنها كانت سابقة لزمنها الداخلي. قالت ما لم أكن قد عشته كاملًا. عندها فهمت أن الوضوح قد يكون شكلًا من أشكال العنف الناعم، وأن الاستعجال في الفهم اختصار قاسٍ للتجربة.

في هذا السياق، يحضر غابرييل غارسيا ماركيز، لا ككاتب كبير فقط، وإنما كمن وثق في الزمن أكثر مما وثق في الجملة. عند ماركيز، لا تُنتزع المعاني، ولا تُستدرج بالقوة. في الحب في زمن الكوليرا لا يبدو الحب حدثًا، وإنما انتظارًا طويلًا، تراكمًا صامتًا، زمنًا يُختبر فيه الصبر أكثر مما تُختبر العاطفة. اللغة هناك لا تشرح نفسها، ولا تتعجّل الاعتراف، وتترك الزمن يعمل وحده، كأن المعنى ينضج حين يُترك وشأنه.

ربما لهذا كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، وأنها تظهر في الشقوق، في التراكم البطيء, في ما يُقال على الهامش. الحقيقة لا تحبّ الضوء المباشر، وتضعف حين تُستعجل.

إلى جوار اللغة الواشية، تظهر اللغة المُثقَلة بالنيّة. لغة حريصة، طيبة، تريد أن تكون مفهومة وعادلة. غير أن هذا الحرص نفسه قد يتحوّل إلى عبء. حين تمتلئ الجملة بالقصد، تفقد خفّتها، ويضيق ذلك الفراغ الذي يسمح للقارئ أن يدخل النص دون وصاية. هنا لا تخون اللغة الفكرة، وإنما تُرهقها.

في الجهة الأخرى، تلوح لي اللغة المتورطة. لغة دخلت التجربة دون ضمانات، وخرجت منها محمّلة بأثرها. لا تملك رفاهية الشرح الكامل، ولا ترغب فيه. تورّطها ليس ضعفًا، وإنما علامة مشاركة حقيقية. جملة تعرف أنها غير مكتملة، فتترك نقصها ظاهرًا.

يحضرني ميلان كونديرا، بوصفه كاتبًا شديد الحساسية تجاه اللغة حين تتحوّل إلى تفسير جاهز للعالم. كان يرى أن الرواية تفقد روحها حين تثقل بالحكمة المعلنة، وأن المعنى حين يُقدَّم مكتملًا يفقد قدرته على الإرباك. كتابته تميل إلى التردّد، إلى المفارقة، إلى الجملة التي تفتح سؤالًا ثم تنسحب. كان يعرف أن الخفّة ليست نقيض العمق، وإنما شرطه الأخلاقي.

ثم تأتي اللغة الناجية، وهو توصيف لمح إليه الصديق عادل القصاص في أحاديثنا الطويلة عن الكتابة. ليست لغة منتصرة، وإنما لغة بقيت. لغة عبرت الألم ولم تعد معنيّة بتبريره. فيها اقتصاد، وصمت، وتواضع. تشبه كتابة غسان كنفاني حين كان يترك الفجيعة تعمل وحدها، واثقًا أن القارئ لا يحتاج إلى إرشاد دائم. في هذه اللغة، لا يُقال كل شيء، ويُفهم الكثير.

حين أفكّر في كل هذا، أدرك أن علاقتي باللغة ليست مسألة أدوات أو مهارات. هي علاقة إنسانية خالصة. أخاف الغموض أحيانًا لأنني أخاف نفسي حين لا أفهمها كاملة. أستعجل الجملة لأنني أبحث عن طمأنينة سريعة، وأكتب أحيانًا كي أغلق السؤال، ثم أكتشف أن الكتابة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي أتركه فيها مفتوحًا.

أتذكّر حديثًا دار بيني وبين محمد خلف، وكان يتحدّث عن النص كما لو أنه كائن له مزاجه وزمنه، لا يحب العجلة. هو لا يستعجل النشر، ويترك الكتابة تستقر قبل أن يقرّر مصيرها. أما أنا، فأكتب دفعة واحدة، كأنني أفتح بابًا داخليًا وأترك كل ما خلفه يندفع في لحظة واحدة. تأخذني نشوة الاكتمال المؤقت، فأندفع إلى النشر قبل أن أسأل النص إن كان جاهزًا. نصيحته كانت أن أكتب بلا كوابح، ثم أتنحّى قليلًا، أترك النص جانبًا، وأعود إليه بعد حين، بعين أقل انفعالًا. عندها فقط فهمت أنني أكتب بالطريقة نفسها التي أرسم بها.

لهذا أحاول الآن أن أكتب بطريقة أقل ادّعاءً، وأكثر إنصاتًا. أترك للجملة أن تتعثّر معي، وأن تفكّر وهي تُقال، وأن تقبل بأن بعض المعاني قد لا تصل كاملة. فكما كتب أنطونيو غرامشي عن الوعي، لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل عبر الصراع والتراكم، كذلك اللغة لا تكون صادقة إلا حين تعترف بزمنها.

أكتب اليوم وأنا أقلّ ثقة في الجملة المكتملة، وأكثر ميلًا إلى تلك التي تتردّد قبل أن تُقال. ربما لأنني تعلّمت أن المعنى الذي يصل متأخرًا يكون أصدق، وأن اللغة التي تمشي ببطء تمنحنا فرصة أن نكون شركاء فيها، لا متلقّين لها فقط. في هذا التباطؤ، أشعر أن الكتابة تستعيد إنسانيتها، حين تترك لي وللقارئ معًا حقّ التردّد، وحقّ التأويل، وحقّ أن لا نفهم كل شيء الآن.

ربما لأن في هذا النقص وحده، لا في الاكتمال، تبقى الكتابة حيّة.

***

إبراهيم برسي

في المثقف اليوم