قضايا
عدي البلداوي: القرآن ومستقبل الإنسان في عصر الآلات الذكية
منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولى الإعلام الرقمي توجيه ثقافة الجيل الجديد من مستخدمي التطبيقات الذكية وبرامج الحاسوب. ففي عصر التكنلوجيا لم يعد الانسان يكتفي بالتعامل مع النص المقدّس على انه كلمات إلهية تقف قراءتها عند حدود العبادة وطلب الاستشفاء واستنزال الرزق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد فرضت ظروف حياة العصر الجديدة مستجدات تتعلق بانسانية الإنسان، وبهويته، وبقدراته. فقد تمكنت تكنلوجيا المعلومات ومشاريع الذكاء الإصطناعي من التفوق على قدرات الانسان في حفظ المعلومات والأرقام والبيانات والأحداث، بل فاق الأمر تلك الميكانيكية البشرية بظهور تطبيقات ذكية آلية رقمية قادرة على جمع المعلومات وربطها ببعضها وتشكيل قوالب جديدة منحت الآلة صفة الذكاء. الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الانسان وهو يستخدم هذه التكنلوجيا بوفرة معلوماتها، وسرعة الوصول اليها وسرعة الحصول عليها، ودقة النتائج، وسلامة التكوين اللغوي للنص الالكتروني المعدّ بشكل كامل من قبل الآلة الذكية، مما دفع بكثيرين الى إحالة جهودهم الى التقاعد بالاعتماد على هذه التقنية الذكية التي يتوقع لها الخبراء مستقبلاً ان تتجاوز إنسانية الإنسان وانها ستزجّ به في مشاريع الإندماج بالآلة بواسطة تقنية النانو الذكية التي يمكن حقنها في دم الإنسان.
يميل العقل المعاصر الى النتائج المختبرية اكثر من قبوله بالتأويلات الفلسفية والتحليلات المنطقية، فنرى انصراف بعضهم الى الرقم والعدد في القرآن الكريم، فجاءت بحوث في دلالات الرقم ثمانية مثلاً. واحصاءات عن عدد الآيات وكم مرة ذكر لفظ "الحق" مثلاً، وهكذا. برغم التزاحم الكبير للأرقام والحسابات والمعادلات الرياضية في حياة الانسان المعاصر، تظل نفسه توّاقة محتاجة للروحانية بحكم تكوينه الفطري (المادة والروح) فيجد في قراءة القرآن الكريم جانباً من احتياجاته الروحية، لكن ينبغي ان نشير الى ان عدم إشباع الحاجة الى الطاقة الروحية من شأنه ان يعرّض منظومة الانسان الى اهتزاز يتسبب في عدم توازن شخصيته في جوانبها النفسية والأخلاقية والسلوكية والعقلية، ومفتاح إعادة توازنها يكمن في اللغة، فهي الضامن الوحيد لتفعيل البعد الروحي بعمق في حياة الانسان الى جانب بعده المادي الذي يتحرك به في حياته اليومية. وما استطيع قوله واثقاً ان ثلاثية القرآن واللغة والخاتمية هي مفتاح استقرار واستمرار الانسان في مرحلتي الوحي والوعي باتجاه يتوازن فيه طلب العلم وطلب العبادة كما أوصى نبي الرحمة في قوله (اطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم).
ابتعاد الانسان عن لغة القرآن بسبب انبهاره بالمنجز العلمي التقني الذكي منذ بدايات القرن الحالي، وبذله الجهد الأكبر لمعرفة استخدام هذه التقنية وتطبيقاتها المتنوعة. أدّى الى هيمنة الثقافة الشعبية على لغة تفكير الجيل الجديد المتصل بالشبكة على مدار 24 ساعة يومياً، بحيث اصبح القرآن الكريم كتاباً مباركاً لا يخلو بيت او مكان عمل من وجود نسخة منه، واقتصر مكان قراءته على المساجد والمزارات الدينية وانحصر وقت القراءة في أوقات الصلاة والمناسبات الدينية والاجتماعية (مجالس الفاتحة). يرجع ذلك في اعتقادي الى الأسئلة الجديدة التي يطرحها الجيل الجديد على الدين فيما يتعلق بقضاياه المستجدة، ولأنه لم يتلق إجابات مقنعة تناسب لغة العصر واداوته، ظهرت حالات من ضعف الارتباط بالنص المقدّس، وحالات انحراف وتطرف. أما بعض المثقفين الذين امكنهم ربط التفوق العلمي في مجال الخلق ورؤية الكون، بالدين فقد جمعوا بين الإقرار بالعلم والخشوع لله، أدّى جمعهم هذا الى صياغة مهذبة لنفوسهم بعثت فيهم روح البحث عن قوالب جديدة للثقافة العربية تحفظها من التدجين والتهجين، وعلى الرغم من هذه الجهود الكبيرة، تبقى المساحة الأكبر من حصة الثقافة الشعبية التي تفتقر الى روح اللغة الفصيحة وبلاغتها وبيانها، الأمر الذي نتج عنه ثقافة نخبوية وثقافة شعبية، وهو حال لا يفضي الى انتاج مجتمع جديد يدخل عصر الآلات الذكية حاملاً القرآن في يده، وفي قلبه يحمل روح كلماته التامات، مدركاً ولو في حدود بسيطة حيوية النص المقدّس وحضور الله في كل التفاصيل (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين) الانعام – 59
ما لا يمكننا تجاوزه، ان عصر التقنية الرقمية المتطورة قد فرض السرعة في كل شيء، حتى في قراءة النص، فظهر جيل يميل الى قراءة ملخص كتاب، على قراءة الكتاب نفسه. ويفضل قراءة سطور معدودة على قراءة مقال أو بحث كامل. ويفضل ان يقرأ منشوراً مرفقاً معه صورة فوتوغرافية على ان يقرأ النص مجرداً. ويفضل ان يشاهد مقطع فديو على ان يقرأ نصّاً، لذا ظهرت المقاطع القصيرة المصورة، وشاعت الى الحدّ الذي تدخلت فيه بتشكيل ثقافة المتلقي عبر محتوياتها أياً كانت تلك المحتويات هادفة او هابطة. فظهرت القراءة المجتزأة وهي قراءة تضر كثيراً بفهم النص وسياقه العام الذي يستوجب التدبر والتفكير وهما – التدبر والتفكير - صفتان يفتقر اليهما المشهد الحياتي لكثير من الناس، لذا شعروا بوجود صعوبة في تفاعلهم مع القرآن الكريم، فأكتفى بعضهم بتقديسه، وانصرف نفر آخر الى تدريسه كعلم من العلوم. من شأن هذا الحال ان يقلل من الحدود الرحبة التي يتحرك بها النص المقدّس في مجالات الحياة العقلية والنفسية والاجتماعية والعلمية و... القراءة المجتزأة مع ضعف حضور روح اللغة بالإضافة الى هيمنة الشاشة على ثقافة المتلقي، تسبب ذلك كله في في ظهور القراءة الفردية والفهم الفردي، هنا يواجه المجتمع تنوعاً كبيراً ومساحات كثيرة لاحتمالات عديدة تتعلق بفهم النص المقدّس. في السابق كان حلّ هكذا مشكلة يتأتى من خلال طرح الأسئلة والمضي بالبحث عن إجابات وعرض تعددها وتنوعها على التفكير والتأمل للوصول الى نتائج منطقية عملية، أما اليوم فيتدخل الذكاء الاصطناعي في ابداء رأيه الرقمي من واقع قاعدة بياناته الواسعة التي تتيح له تكوين صورة رأي مقبولة لدى كثير من المستخدمين، حتى صرنا نسمع عبارة : هذا ما قاله الذكاء الاصطناعي. سألت الذكاء الاصطناعي فقال لي.
في خضم هذا الحديث نحن بحاجة الى تطبيق معرفي معاصر يقدم فيه علماء اللغة وعلماء التفسير بحوثاً ميسرة تقدم نتائج عملية وطاقة كبيرة تستطيع ان تحرك ثقافة العربي المسلم باتجاه وعي حاضره في ظل القرآن الكريم الذي انفرد بربط قيمة وجود الانسان بقدرته على التعلم واكتساب المعرفة وبقدرته على الابداع، فقد علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها، كما في سياق الآية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) سورة البقرة - 31، فجاء إقرار الملائكة بآدم إقراراً قائماً على العلم الذي أصبحت سبل اكتسابه في ظل التكنلوجيا المعاصرة ممكناً اكثر من أي وقت مضى، فإذا ربط الإنسان المعاصر تواصله مع المجتمع والعالم بثنائية الانسان والابداع، تغلب على تفوق الآلة الذكية بعمق وعيه، واللغة العربية تتيح إمكانية الوصول الى الوعي العميق عبر بلاغة النص المقدّس.
لم يعد تعدد تفاسير القرآن يكفينا في عصر السرعة، ولم يعد يقلقنا ضعف قدرة الربط بين مضمون آية في سورة بآية أخرى في سورة أخرى، فقد وظف الذكاء الاصطناعي تقنيات تقوم بتحويل الكلمات الى ناقلات رياضية تمكن المستخدم من إظهار المعاني غير المرئية في النص المقدّس، أي إظهار معنى السياق العام للآية. فضلاً عن خدمات أخرى يقدمها الذكاء الاصطناعي منها " معالجة اللغات الطبيعية" حيت يتمكن من تحديد المعنى الأدق لكلمة تحتمل عدة معاني واختيار ما يتناسب منها مع سياق النص الذي وردت فيه. توفر التكنلوجيا عشرات التفاسير وتجعلها متاحة لمستخدميها في ثوان قليلة من الزمن، هذا الحال يجعل من المتلقي البسيط أمام تيه معرفي بسبب كثرة المعلومات وتنوع وتعدد التفاسير، مما يفقده القدرة على تكوين تصوّر واضح لحاجته من الآية فيكتفي مثلاً بحفظ سورة الفلق لأنها تبعد عنه الحسد، ويحفظ سورة الواقعة لأنها تجلب له الرزق، وقد يغيب عنه فهم معاني ما ورد من كلمات في الآية او السورة، وقد سجل أحد البرامج الإعلامية ذلك حين سأل مقدم البرنامج عدداً من الشباب: هل تحفظ سورة الإخلاص. الجواب : نعم. هل تعرف معنى " الصمد" الجواب : كلا.
التقنية الذكية ليست مجرد وسيلة رقمية متطورة، انها تتدخل في طريقة تفكير المتلقي وتحيله من مبدع الى متلقي محدود بأطر تقنية لا روح فيها إلا من حيث الصياغة الكلامية التي يفهم منها ان هناك محاولة بحث فيما هو جديد، وقد لا يكون كذلك في حقيقته. لا ننكر ان التقنية الذكية حفزت المتلقي على تجاوز الخوف من التفاعل مع النص المقدّس الى جرأة البحث والاستكشاف، لكن ينبغي ان لا نتجاوز أيضاً ان ذلك كله يحدث ضمن إطار بيانات التطبيق الذكي، وهذه البيانات أعدّت بلغة إنكليزية أهلها يحملون بشكل او بآخر عقائد معينة مرتبطة من قريب او بعيد بفكرة الإيمان، لذا علينا ان نستفيد من المزايا التقنية الذكية في مشاريعنا الثقافية المعاصرة في رحاب القرآن الكريم واللغة العربية، فهذا يكفل لنا إقامة صناعة وعي نكون قادرين بها على انتاج معنى جديد للحياة، لا يغادر سياق ومعنى الآية (فلنحيينه حياة طيبة) سورة النحل /97، كما يحفز فينا تفعيل روح الإنسانية وقدرة الإبداع، وان الإيمان ليس غيبياً بقدر ما هو منطقي وحاجة ضرورية، وهذا يتناسب مع منهج العقل العلمي المعاصر.
***
د. عدي عدنان البلداوي






