قضايا
ابتهال عبد الوهاب: الخروج من السرب.. تأملات في الحرية والوعي
في الازمنة التي يعلو فيها صوت الجماعة حتى يخنق صوت الفرد يصبح الاختلاف جريمة غير مكتوبة، ويغدو التفكير الحر فعلا مريبا. يستدعي العقاب المعنوي قبل اي شيء اخر. هناك، حيث تقدس الطاعة ويكافأ التماثل، يولد القطيع بوصفه نظاما لا يرى في الإنسان سوى رقم، ولا يعترف بالذات الا بقدر ما تذوب في الجمع. في مثل هذه البيئات، لا يكون المختلف خارجا عن السرب فحسب، بل شاهدا خطيرا على زيفه، وكائنا يهدد استقرار الوهم اكثر مما يهدد اي نظام سياسي او اجتماعي معلن.
من هنا يبدا سؤال الاختلاف لا كترف فكري، بل كمعركة وجودية بين انسان يطلب حقيقته، وجماعة تخشى ان تنكشف امام مرآتها. ان تكون مختلفا ليس ترفا فكريا، بل قدرا وجوديا يلقى على كاهل من اختار ان يرى بعينين مفتوحتين. في بيئة القطيع، لا يدان المختلف لانه مخطئ، بل لانه يقوض الطمانينة الزائفة التي يستمدها الجمع من التشابه. فالتكرار يمنحهم شعورا بالامان، والامتثال يعفيهم من عناء السؤال، اما الاختلاف فهو مرآة قاسية تكشف فراغ اليقين وهشاشة المسلمات.
المختلف لا يواجه الناس وحدهم، بل يواجه الخوف بوصفه اداة ضبط جماعي. خوف مصنع بعناية، يزرع في النفس كي لا تجرا على الخروج من الصف، كي لا تسمع صوتك الحقيقي وانت تفكر خارج الاطار المرسوم. كل خطوة نحو الذات الحرة تربك النظام، لان هذا النظام لا يقوم على الحقيقة بل على العادة، ولا يحتمي بالقوة بل بعدد المطيعين له.
الفكرة الجديدة لا تخيف لانها خاطئة، بل لانها ممكنة. والامكانية هي العدو الاول لكل بنية راكدة.
حين يفكر المختلف بصوت مرتفع، يفضح ان ما بدا قدرا لم يكن سوى اختيارا مؤجلا، وان ما سمي ثوابت لم يكن الا خواء اتفق الجميع على عدم الاقتراب منه.
لذلك يعامل المختلف كخطر، لا لانه يهدم، بل لانه يكشف ان ما يدافع عنه القطيع لم يكن صلبا يوما.
لا تخش ان تكون الشرارة. فالزيف لا يحترق الا حين يلامس نورا صادقا. والخوف الذي يلقى في طريقك ليس الا صدى خوفهم هم، من ان يواجهوا انفسهم بلا اقنعة، وان يعترفوا بانهم احتموا بالجماعة هربا من مسؤولية ان يكونوا ذواتا كاملة. كن مختلفا، لا بدافع العناد، بل بدافع الوفاء للحقيقة التي ادركتها
لم يكن الاختلاف عبر التاريخ موقفا عابرا، بل كان دائما فعلا مقلقا للسلطات والجماعات، لذلك دفع الفلاسفة ثمنا باهظا لجراتهم على التفكير خارج القطيع.
ديوجين الكلبي اختار ان يعري الزيف الاجتماعي لا بالخطابة بل بالحياة نفسها، فكان وجوده صدمة دائمة لمن احتموا بالاعراف. بسخريته القاسية كشف ان القيم التي يدافع عنها الجمع ليست حقائق راسخة بل اقنعة هشة.
اما سقراط، فقد مارس الاختلاف بوصفه سؤالا لا يهدأ، فحوكم لانه ذكر المدينة بجهلها، وكان موته دليلا على ان الجماعة حين تخاف الاسئلة تفضل قتل من يطرحها على مواجهة ذاتها.
نيتشه ذهب ابعد، ففضح اخلاق القطيع نفسها، معتبرا ان ما يسمى قيما عامة ليس سوى نتاج خوف جماعي من الاستثناء، وان الكثرة لا تصنع الحقيقة بل تحاصرها
وفي مستوى اخر، كشف سبينوزا ان الخوف هو الالة الاكثر فعالية في ضبط الجماهير، وان الانسان كلما خاف اكثر تخلى عن عقله طواعية، وهو ما يفسر عداء الجماعة لكل تفكير حر يهدد بنيتها النفسية قبل السياسية. وفي العصر الحديث، نبهت حنا ارندت الى ان اخطر اشكال الشر لا تصدر عن وحوش، بل عن بشر توقفوا عن التفكير وذابوا في منطق الامتثال، حيث يتحول القطيع الى اداة صماء تنتج العنف باسم النظام والطاعة.
ولم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه المعركة، فقد اشار مراد وهبة بوضوح الى ان تغييب العقل هو الشرط الاول لسيادة التطرف، وان المجتمعات التي تعادي الفلسفة انما تعادي امكان وعيها بذاتها. هكذا يظهر المختلف في تاريخ الفكر لا كمتمرد عابر، بل كضرورة وجودية، فبدونه يتكلس العقل، وتتحول الجماعة من فضاء انساني الى قطيع يخشى النور اكثر مما يخشى الظلام.
في النهاية، لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى.
لا تنتظر تصفيقا من جماعة تخاف من صوتك، ولا اعترافا من نظام يقوم على اسكاتك. امض في اختلافك حتى النهاية، لان التاريخ لا يتذكر من ساروا في الصفوف، بل من كسروا المسار وفتحوا للانسان دروبا جديدة ليكون نفسه. والعالم لا يتغير بمن يشبهونه، بل بمن تجرؤوا على ان يكونوا انفسهم حين كان ذلك هو الخطر الاكبر.
***
ابتهال عبد الوهاب






