قضايا
أنور ساطع: لثقافة الاحتواء لسان.. لا يُدرك أبجديته إلاّ إنسان
قال تعالى في كتابه الحكيم " وقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً " وهذه الآية تحضّ على التعامل بالحسن واللين، واللطف مع الناسِ عموماً، وفي المقام الأول في مجالِ الأسرةِ واحتواء أبنائها.
تبقى ثقافة الاحتواء بمثابةِ حجر الأساس لأيةِ علاقةٍ كانت، قد تكون علاقة بين زوجين، أو علاقة عائلية، أو في دور العلم، أو في مجالِ الاقتصاد والتجارة والسياسة، ويبقى الاحتواء جوهر الأمان والاستمرار.
إنّ احتواء الطفل، يعني منحه كلّ أشكال الدعم العاطفي والنفسي، وكذلك بين الزوجين، حيثُ أنّ ثقافة الاحتواء وتوفير مساحةٍ آمنة بين طرفين تدعم مسيرة الاستقرار والاستمرار بالمفهوم الإنساني.
ونرى في كثيرٍ من الأحيان أنّ هذه الثقافة غير متوفّرة بين زوجين ما، وأنّ الدعم العاطفي بين الطرفين شبه مفقود، لذلك نرى هكذا علاقة تنتهي بالتفكك.
إنّ ثقافة الاحتواء ضرورية حتّى في المجال التجاري والصناعي، فحينما نُطبّق هذه الثقافة في هذه المجالات على سبيل المثال وليس الحصر، نرى أنّ الموظفين والعمال يعملون بكلِّ وفاء ورضا في وظيفتهم، وقد يشعرون بأن الشركة هي شركتهم، ويتفانون في عملهم، وبالتالي تُحقّق الشركة معدّلات نمو مُتسارعة.
ثقافة الاحتواء تُترجم بشكلٍ مُباشر معنى الدعم العاطفي، والقوة والاستدامة، والحوار والاستماع، وتحويل المفاهيم النظرية إلى مُمارسةٍ يومية، بهدفِ تعزيز جسور الثقة والتفاهم بشكلٍ دائم بيننا وبين الآخرين، أو بين طرفٍ وآخر، وحجب النزاعات بأكبرِ درجةٍ أو نسبةٍ مُمكنة، من خلالِ المساحات الآمنة التي تمّ تحقيقها، عبر المشاركة الفعلية في حلّ كلّ المشكلات التي تواجهنا.
فحينما تتوفّر عند الإنسان المساحة الآمنة للتعبير عن وجهةِ نظره أو مشاعره، بكلّ تأكيد ستتحسّن أموره بشكلٍ ملحوظ، وستكون أكثر جودة وأماناً.
إن الاحتواء ينبثق عن الإدراك العقلي والعاطفي عند الإنسان بنسبٍ متفاوتة، فعند شعور أحد الطرفين بالضيق، قد يلجأ إلى الطرف الآخر، وعندما يشعر بالسعادة أيضاً يُشارك الآخر بهذه السعادة.
ومن جانبٍ آخر حتّى حينما نُمارسُ ثقافة الاحتواء مع نزلاء السجون، من خلالِ برامج إعادةِ التأهيل، فإنّ هذا السجين سيكون أكثر إتزاناً، وسيخرج من السجن مواطناً عاديّاً وصالحاً، من خلال الثقافة والمعاملة التي تلقّاها عندما كان نزيلاً في أحد السجون.
حتّى في مجالِ المرضى نفسيّاً، يجب منحهم العاطفة وإشعارهم بالاحتواء من قِبلِ الآخرين، فلقد أثبتت الدراسات بأن هذه المعاملة حقّقت تحسّناً كبيراً مع المرضى بنسبةِ 40%.
كما أنّ سنغافورة خصّصت 20% من ميزانية التطوير، بهدفِ دعم مفهوم الاحتواء في مختلف المجالات في المجتمع.
إنّ العمل بثقافةِ الاحتواء، والعمل وفق نهجٍ يعتمد تقديم الدعم مع مفهوم الاستماع والفهم، يُساعد كلّ الأفراد على الشعور بالأمانِ والقبول، بهدفِ تحقيق الثقة والاستقرار والاستمرار، وبالتالي يُساهم هذا المنحى في تحقيق إنتاجيةٍ أفضل، ورضا مُبرمج في العمل الوظيفي، الذي يُحسّن الأداء والولاء للمكان، من خلالِ إستقرارٍ نفسي عبر التفاهم المُتبادل، الذي بكلِّ يبني جسوراً قوية في كُلّ العلاقات، إن كانت على مستوى الأسرة، أو المدرسةِ أو المجتمع أو العمل الوظيفي، حتّى في المجال الوطني والسياسي.
إنّ الاحتواء هو الطريقة المُثلى التي يستوعب فيها الشخص الطرف الآخر، هكذا عرّفه علم النفس التحليلي.
إنّ الاحتواء هو فنٌّ حقيقي، الفن الذي يُبدع في تأمين بيئةٍ داعمةٍ وشاملة، تضمن تعزيز الفرص، كما تُعزز تقبّل الاختلافات.
ثقافة الاحتواء هي حياة، وهي موقف، وبنفس الوقت هي الأساس بهدفِ بناء أي علاقة صحيّة، تنطلق من ذاتنا، قبل أن يتلقّاها الطرف الآخر أو الآخرين، وهي الأساس أيضاً لبناءِ أي مجتمع متساوٍ، ويُوفّر الفرص للجميع دون أي استثناء.
إنّ فنّ الاحتواء هو الذي يُرسّخ قيم الاحترام المُتبادل والتعاون المثّمر، وهو الذي يُوفّر المناخ التعليمي الآمن، والذي يُعزّز الشعور بالانتماء، وبنفس الوقت إنّ توفّر الاحتواء في مجالِ العمل يُؤمّن المناخ المستقر، ويُوفّر الدعم النفسي والمعنوي لكل العاملين والموظفين.
من خلالِ ذلك نُدرك أنّ الاحتواء بكلّ ما تعني الكلمة هو توفير بيئةٍ داعمةٍ وشاملة تضمن قبول الاختلافات، ويُركّز على التفاعل الإيجابي، والمشاركة الفعّالة، وهو فلسفةٌ ترتبط بماهيّة استيعاب الفرد لمشاعره، وكيفية التعامل مع أي أمورٍ أو مشاعر نفسية أو داخلية، حتّى ولو كان مصدرها من البيئة الخارجية.
كما يُعتبر الاحتواء بمثابة الخط الدفاعي الأول ضدّ كلّ أشكال الأمراض النفسية، بما فيها القلق والاضطرابات الشخصية والسلوكية.
لذا في حال فقدان ثقافة الاحتواء سيكون وضعنا مختلفاً تماماً، سنشعر بالعزلة، وتضعف الثقة بالنفس، وسيتقزّم النمو العاطفي والاجتماعي، ,وبالتالي تواجهنا صعوبات في تكوين علاقاتٍ أو صداقات وتفاعلٌ مع الآخرين، وقد تتلاشى مشاركتنا في العمل الجماعي على كل المستويات، أو الأنشطة الجماعية، وقد نفقد فرص التطور والرقي في المجال الشخصي أو المهني أو الحياتي، كما قد نتعرّض للتهميش أو التنمّر.
آخذين بعين الاعتبار أن الأطفال الذين يفتقرون إلى فنّ الاحتواء في الصغر يميلون غالباً إلى الانطواء أو العدوانية وفقدان الثقة بالنفس.
إنّ فن الاحتواء هو اللبنة الأساسية لبناء مجتمعٍ يُقدّرُ قيم العدالةِ والاحترام، ويُؤسّس لمجتمعٍ مزدهر، يمنح لأفراده فرصة تحقيق ذاتهم والمساهمة والمشاركة في بناء المستقبل.
إنّ ثقافة الاحتواء ليست مزاجاً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية أولاً، تضمن سلامة المجتمع واستقراره.
وعلينا أن نجعل من فن الاحتواء سلوكاً نعيشه، لتستمر الأجيال من بعدنا على هذا النهج، بهدف بناء مجتمعٍ عادل يبدأ باحتضان كلّ فردٍ فيه، والحفاظ على هذا المجتمع الذي تبنّى ثقافة الاحتواء بقيمه وثوابته، وإنسانية وأخلاق أبنائه.
إنّ الاحتواء المثالي هو مهارة وثقافة وفن، بهدفِ عطاءٍ مثمر، وحياةٍ كريمة.
***
د. أنور ساطع أصفري






