قضايا
غالب المسعودي: الكائن الاستراتيجي في مسرح الوجود مقاربة.. تطورية لثلاثية البقاء
هندسة البقاء في مسرح الوجود: يتموضع الإنسان داخل "مسرح الوجود" بوصفه بطلاً لدراما معقدة تتجاذبها حتميات الطبيعة وإكراهات الثقافة. ففي صميم كينونته، لا يعدو الإنسان كونه كائناً استراتيجياً يسعى لغاية حيوية قصوى: البقاء وضمان امتداد النسل. ورغم مركزية هذا البعد، فإن اختزال الإنسان في "الحتمية الجسدية" يُعد تبسيطاً مخلاً لظاهرة شديدة التركيب؛ فالإنسان هو الكائن المتفرد بنجاحه في تسامي غرائزه الأولية وتحويلها إلى منظومات رمزية وثقافية معقدة، مشكلاً ما يمكن تسميته بـ "حضارة الغريزة". تقتضي الدراسة الرصينة تفكيك "المثلث الحيوي" الذي يحكم جدلية الفرد في التاريخ:
(الغذاء) كمصدر للطاقة الحيوية، و(الجنس) كآلية للاستمرار في النسل، وثنائية (الدين والسلطة) كتقنية اجتماعية عليا لإدارة العنف وضمان التماسك الجماعي.
أولاً: سطوة الجسد: من حكمة الغريزة إلى "الشرخ التطوري" قبل انبثاق الفلسفة أو العقائد كأنساق معرفية، واجه الإنسان الإشكالية الأكثر إلحاحاً، تأمين الطاقة اللازمة لتلبية متطلبات الدماغ البشري الباهظة التكلفة. يؤكد علم النفس التطوري أن تفضيلاتنا الغذائية المعاصرة ليست نتاج ذائقة ثقافية عابرة، بل هي "أحافير حيوية" نُحتت عبر ملايين السنين من ضغوط البيئة القاسية، حيث مثّلت الأغذية المكثفة (كالسكريات والدهون) عملة نادرة وضرورية للبقاء. بيد أن هذه الآلية، التي حفظت النوع البشري لآلاف السنين، تحولت في زمن الحداثة والوفرة المفرطة إلى ما يُعرف بـ "الشرخ التطوري"؛ إذ لا تزال أدمغتنا تعمل وفق "برمجة العصور البدائية"، دافعةً إيانا لتكديس الطاقة تحسباً لمجاعة لن تأتي. ويتجاوز أثر الغذاء البعد العضوي ليشكل البنى النفسية والاجتماعية؛ فقد أثبتت تجارب "الحرمان الغذائي" (كتجربة مينيسوتا الشهيرة) أن الجوع يعيد صياغة الوعي البشري، فتضمر الرغبات العاطفية وتتآكل الروابط الاجتماعية. وتدرك السلطة هذه الحقيقة، فتوظف الغذاء كأداة للضبط والسيطرة؛ فسياسات التجويع ليست مجرد تكتيكات اقتصادية، بل هي هيمنة مباشرة على كيمياء العقول والأعصاب.
ثانياً: اقتصاديات الغريزة: الجنس والسلطة والتحالف المقدس على المنوال ذاته، تخضع غريزة "التكاثر" لمنطق المنفعة الحيوية. فالسلوك الجنسي، وفقاً لنظريات التطور، محكوم بتباين "الاستثمار الوالدي" (الجهد المبذول في الرعاية)، مما يخلق ديناميات تنافسية معقدة بين البشر. ولضبط هذه النزعات الفطرية (الجنس والعدوان) وضمان الأمن الجماعي، تأسست الحضارة على مبدأ "كبح الغرائز". وهنا برزت الحاجة إلى تحالف استراتيجي بين "السلطة الزمنية" و"السلطة الروحية". من خلال:
شرعنة الطبقية، يصف المؤرخون الثورة الزراعية بأنها نقطة تحول أسست لمفهوم الملكية وتراكم الثروات. احتاجت هذه التراتبية الجديدة إلى غطاء "متعالٍ"؛ فعمل الدين التقليدي كظهير للمؤسسة السياسية، محولاً الفوارق الطبقية من ظلم بشري قابل للرد، إلى "قدر سماوي" وجب التسليم به.
الاستبداد والنسل، تجادل دراسات التاريخ الحيوي بأن السلطة السياسية لم تكن غاية في ذاتها فحسب، بل وسيلة لتعظيم "النجاح التناسلي" للحكام عبر احتكار النساء، مستخدمة "الحق الإلهي" لتبرير هذا الاستئثار المفرط.
ثالثاً: أفول الغيبيات وصعود "لاهوت السوق": نقف اليوم أمام تحول جذري في بنية "المقدس". مع تراجع السرديات الكبرى التي تستند إلى عالم الغيب (ما وراء الطبيعة)، لم يتخلص الإنسان من حاجته الفطرية للتدين والتقديس، بل أعاد توجيه هذه الحاجة نحو موضوعات أرضية، مشكلاً ما يمكن تسميته "العقائد الوضعية" أو "ديانات الزمن الأرضي". وتبرز الرأسمالية هنا، لا كنظام اقتصادي فحسب، بل كأشرس ديانة وضعية في التاريخ الحديث.
لاهوت السوق والرأسمالية كدين:
خلافاً للأديان القديمة التي وعدت بالخلاص في العالم الآخر، تقدم الرأسمالية وعودها في "الآن وهنا". إنها ديانة شعائرية بامتياز، تعتمد على منظومة عقائدية متكاملة:
الإله الخفي (السوق)، حلّت "اليد الخفية" للسوق محل "العناية الإلهية". فالسوق، في العرف الرأسمالي، كيان كلي القدرة، عليم وحكيم، يوزع الأرزاق (الثروات) وفق منطق غامض لا يجوز التشكيك فيه. وأي تدخل لضبطه يُعتبر "كفراً" بقوانينه المقدسة.
طقوس العبادة (الاستهلاك)، تحولت مراكز التسوق الكبرى إلى "كاتدرائيات" العصر الجديد، حيث يمارس المؤمنون طقوس "الشراء" ليس لتلبية حاجة، بل لشراء "المعنى" و"المكانة". أصبح الاستهلاك هو فعل التعبد اليومي الذي يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالامتلاء والوجود.
الخطيئة والخلاص في هذا الدين الجديد، "الفقر" هو الخطيئة الكبرى والدليل على غضب "آلهة السوق"، بينما "الثراء" هو علامة الرضا ودليل الاصطفاء. لم يعد الزهد فضيلة، بل أصبح "الفشل المالي" وصمة عار أخلاقية تلاحق الفرد.
سلعنة الإنسان، أخطر ما في هذه العقيدة هو تحويل الإنسان نفسه من "غاية" إلى "وسيلة" أو "سلعة". لقد تآكلت الروحانية لصالح المادية الصرفة، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمدى إنتاجيته وقدرته الشرائية، لا بجوهره الإنساني أو الأخلاقي.
الوعي في مواجهة الأصنام الجديدة:
إن الكائن الاستراتيجي اليوم لا يواجه فقط تحديات الجسد واحتياجاته، بل يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في "عبودية الأصنام الجديدة". لقد نجحت البشرية في حل معضلة "الغذاء" (مخلفةً وباء التخمة)، وفصلت "الجنس" عن الإنجاب، لكنها سقطت في فخ الفراغ الروحي الذي ملأته بضائع السوق. إن الوعي بهذه الديناميات – كيف يتحول الجوع إلى سياسة، والجنس إلى سلعة، والسوق إلى معبد – هو خط الدفاع الأول لاستعادة إنسانيتنا. نحن لسنا تروساً في آلة ربحية، ولا وقوداً لمحرقة الاستهلاك، بل كائنات تملك القدرة على مساءلة هذه "الآلهة الأرضية" قبل الخضوع لها، والسعي لابتكار أنظمة حياة تعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كمستهلك عابر.
***
غالب المسعودي
.....................
المراجع
أرون، ريمون. (1955). أفيون المثقفين. (ترجمة عربية).
باس، ديفيد. (2016). علم النفس التطوري: العلم الجديد للعقل.
بنيامين، فالتر. (1921). الرأسمالية كدين. (شذرات فلسفية).
بيتزيغ، لورا. (1986). الاستبداد والتكاثر التفاضلي.
جنتيل، إميليو. (2006). السياسة كدين.
فرويد، سيغموند. (1930). قلق في الحضارة.
كيز، أنسيل وآخرون. (1950). بيولوجيا التجويع البشري.
هراري، يوفال نوح. (2011). العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري.






