قضايا

محمد سيف: القفز إلى الاستنتاجات.. ذكاء أم قصورٌ دماغي؟!

لعل الكثير يتفق معي على أنّ من أبرز سمات الوعي من حيث إنجاز الأحكام على الأطروحات الفكرية والأشخاص والمواقف والمفاهيم ونحوها، أمرين: أولهما ندرة اليقينيات وربما عدمها، إذْ تكاد تغيب صيغة الجزم عن صاحب هذا المستوى من الوعي، وبدلا من ذلك تغلب عليه صيغ الاحتمال والظن والميل، وغيرها من المصطلحات التي تترك الباب موارَبًا؛ عَلّ أنْ تظهرَ من الدلائل ما ينقض توجُّهه الراهن. وثانيهما البطء في الانزياح من مُربع الملاحظة إلى مُربع تبنّي الرأي، حتى مع تضافر العديد من القرائن والشواهد؛ ولذلك فإن غالب آرائه عادة ما تكون كتلة من الإجابات المفتوحة والأسئلة المعلّقة، فلا ضَيْر أنه ينتقل ببطء نحو إصدار حكمه، ومع ذلك حتى هذا الحكم يبقى في خانة المحتمل القابل للعدول عنه.

ما يحدث لدى غالبيتنا الساحقة هو العكس تماما، فنحن متخمون جدا من اليقينيات، ومتشبّعون إلى حد مخيف من ذلك غير القابل للمناقشة رأسًا، كما أننا سريعون للغاية حين ننتقل من الملاحظة إلى الاستنتاج؛ ولذلك فتَمثُّلنا ما حولنا مشوَّه لأبعد حد، وأبعد ما يكون عن الموضوعية والاتّزان والرويّة، وتغدو أحكامنا مترهّلة لا تصمد إزاء أول حجة معارضة.

تحدثتُ في مقال سابق لي عن مفهوم (كسل الدماغ) ولا أريد تكراره هنا، ولكن نوجز فحواه في أنه يعني ميل الدماغ إلى اختصار العمليات الذهنية لتوفير استهلاك طاقة الجسم؛ ولذلك فإنه لدينا ميل داخلي للاستعجال في إصدار الأحكام واستسهال اتّباع رأي الأكثرية، عِوَضًا عن إفراغ الوُسع في التفتيش عن الصواب بتأنٍ ودقة؛ لأنه يستهلك منا الكثير من الوقت والجهد، وليس لدى أغلبنا الفُسحة الكافية ولا الأناة اللازمة لذلك.

وما يحدث في الضفة المقابلة هو أنّ هناك زُمرة منّا ترفض أن تكون رهينةً لهذا الميل الدماغي، فتحاول جاهدةً التوقّف مليًا، وإعادة النظر المرة تلو الأخرى، والتفريق بين القرينة والدليل، واعتبار السياق، وغيرها من المتغيرات، قبل إصدار حكم ما.

فمن مآسي الإدراك فينا أن طريقة تَمَثُّل أغلب الناس الآراء ووصولهم للاستنتاجات يمكن اختزالها في معادلة: بما أنه كذا (=قرينة معينة) فهو كذا (=نتيجة يقينية)، ضاربين عُرض الحائط أن مُؤَدَّى القرينة يختلف عن الدليل، وأنّ مستوى النتائج تَبَعٌ لأدلّتها، فالأدلة المحتمَلة لا تُفضي بحال إلى نتائج حتمية! بَلْهَ أنه من العبث تجاهل مبدأ الاحتمال الذي ينسف الوشيجة الرابطة بين وهم الجزم وقرينة ما، فمن رأيناه يركب سيارة فارهة جدا (قرينة) لا يعني بالضرورة أنه رجل باذخ الثراء (نتيجة)، إذْ يُحتَمل أن يكون سائقًا أو مستأجرا أو مستعيرا، إلى غير ذلك من الاحتمالات اللانهائية، أما الجزم المباشر بين قرينة عابرة ونتيجة جازمة فهذا محض سذاجة وقصور نظر وسطحية جوفاء.

وفي قطاع الاستخبارات والتحقيقات الجنائية ثمّة إعْمالٌ دقيق لضبط الميل الدماغي في العلاقة بين الملاحظات الجزئية وبين الاستنتاج العام، إذْ إنه عادة ما تكون إستراتيجية الاستنباط (Deduction) أدق من إستراتيجية الاستقراء (Induction) إذْ إن الأخيرة تنطلق من جمع ملاحظات متفرقة والجمع بينها للوصول إلى استنتاج عام، ومع ذلك يبقى في خانة الاحتمال، وفي المقابل فإنّ إستراتيجية الاستنباط تنطلق من قاعدة عامة ومحاولة اختبار إسقاطها على الحالة الاستخبارية أو الجنائية من خلال المعطيات المتوفرة، أي أن الإستراتيجيتين متعاكستان في اتجاه الانتقال بين الجزئيات والاستنتاج العام، فحين تطبيق إستراتيجية الاستنباط في مسرح جريمة مثلا قد يُصار إلى الاستنتاج بوجود اقتحام عنيف بناءً على القرائن المتوفرة، إلا أنه حين تُطبّق إستراتيجية الإستقراء فإنه واردٌ جدا الوصول إلى استنتاج مفادُه أنّ مسرح الجريمة مفبرك (Staged Crime Scene)، ومن هنا يطلق على المحقق في الإنجليزية (Deductive)!

ومن المناسب الالتفات إليه كذلك في هذا السياق أنّه من الدوافع الإدراكية الأساسية للقفز من الرصد إلى الاستنتاج هو الخلط بين الترابط (Correlation) والسببية (Causation)، فالترابط يعني علاقة تزامنية بين متغيرين دون أن يكون الأول سببا للثاني، كأن تقوم بغسل سيارتك ثم يهطل المطر، ويتكرر معك ذلك، أما السببية بشكل عام فهي تأثير أحد المتغيرين على الآخر، مثل: تناول السكر يؤدي للسمنة، ما يحدث هو أن الكثير من أشكال القفز الطائش للاستنتاجات يكون من قبيل علاقة الترابط باعتبار أنها سببية والحال أنها ليست كذلك، فيكون المسار كالآتي: بما أنه حدث كذا فهو كذا! في خلط صارخ بن الترابط وبين السببية.

إنّ مغبّة هذه الطريقة الإدراكية من اتجاه الانتقال المتسارع والحاسم من القرائن إلى الأحكام، لا تقف عند حدّ الفرد نفسه، بل تتعداه إلى النسيج المجتمعي، فبسبب قفز متهور لإصدار الأحكام يمكن أن تُفَضّ شَرَاكات، وتتفكك علاقات، وتسود عداوات، كل ذلك منشؤه عملية ذهنية شوهاء هوجاء ولَّدها أحدهم ثم تكفَّل مبدأ العدوى الاجتماعية ببقية المهمة! فإذا كان ذلك كذلك، فإن الانتباه الحذر من المساهمة في السماح للقفز السريع للاستنتاجات في تقويض بنية المجتمع، ينِمُّ عن درجة ناضجة من المسؤولية، ودرجة متقدمة من الوعي.

ومع ذلك فإنه من المثالية المتوهَّمة أن نظن أنّه يمكننا بحال الوصول إلى مرحلة تامة من السبْر والاختبار أو الادّعاء بإفراغ الجهد كاملا في تقليب النظر حول حكم شيء معين، فدون ذلك خرط القتاد، وتفنى دونه الأعمار، فما بالك بسيل لا يتوقف مما يدعونا لإصدار حكم عليه، إلا أنه لا غَرْوَ أنّ الأحكام المؤقتة ضرورة لسير الأمور، فنضطرّ اضطرارا إلى اعتبار شحّ القرائن للخروج بنتيجة ما باعتبارها ضرورة لسير الحياة، ولكن في مثل ذلك ينبغي استصحاب أهمية النظر إلى النتائج التي نخرج بها بعدسة الاحتمال لا غير.

وختاما فالمعياران اللذان ذكرتهما في ديباجة هذا المقال، ندرة أو استحالة اليقينيات، وكذلك بطء السيرورة نحو الاستنتاجات، يكشفان لك الكثير عن مستوى وعي الآخرين من حولك؛ ولذا بات من المهم جدا أن تأخذ ذلك بجدية تامة حينما تتعامل مع أصحاب هذا المستوى من الوعي، إذْ إنه لا يمكنك الاتّكال على موضوعية الوعي المتقدم، وتراهن على أن الآخر لن ينتقل من القرينة إلى الاستنتاج في لمح البصر بوصف استنتاجه حقيقة لا يمكن دفعُها!

وتذكر: أن كثيرا من آرائك الناتجة من قفزات سريعة للاستنتاجات، هي في مناطق لا داعي أبدا أن يكون لك رأي فيها أساسا! كما أنني بسردي المستفيض في هذا المقال لا ألغي إطلاقا ما يهمس به حدسنا إلينا! ولكن المعضلة - كل المعضلة - في مهارة مسك العصا من المنتصف!

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم