قضايا

سلوى بنأحمد: الدّول الإسلاميّة وأزمة الأخلاق

تمهيد: تعيش المجتمعات الإسلاميّة اليوم شأنها شأن العديد من المجتمعات العالميّة، أزمة أخلاقيّة متعدّدة الأوجه تتجلى في تراجع القيم، وتفشّي الفساد، وتزايد النّزاعات، وتأثير العولمة على الهويّة الثّقافية والدّينية.

هذه الأزمة ليست مجرد ظاهرة سطحيّة، بل هي نتاج تفاعلات معقّدة بين عوامل داخليّة وأخرى خارجية تستدعي تحليلا عميقا لفهم جذورها وسبل معالجتها.

إنّ الوضعيّة الأخلاقيّة التّي تعيشها الإنسانيّة في العالم الغربي منذ ستّينيات القرن الماضي، وخاصّة في مرحلة ما بعد حركة الحقوق المدنيّة التّي ظهرت في الولايات المتّحدة سنة 1964م، هي وضعيّة أزمة من منظور غربي، لكن من منظور الأخلاق الإسلاميّة التّقليدية لا يمكن الاكتفاء بهذا التّوصيف؛ ذلك لأنّ الأزمة كظاهرة حديثة - كما يعبِّر عنها بول ريكور- " تشير إلى انقطاع بين توازن ناشئ وتوازن سابق آخذ في الانهيار، وعلى هذا النحو، يجري الحديث عن أزمة المراهقة".[1]

فكيف يمكن فهم وتحديد طبيعة الأزمة الأخلاقيّة التّي تمر بها المجتمعات الإسلاميّة اليوم، مع الأخذ بعين الاعتبار التّفاعلات المعقّدة بين العوامل الدّاخليّة والخارجيّة؟

وكيف يمكن للأخلاق الإسلاميّة التّقليديّة أن تقدّم إطارا تحليليّا وتوجيهيّا لمعالجة هذه الأزمة، خاصّة في ظلّ التّحديّات التّي تفرضها العولمة وتراجع القيم مقارنة بالمنظور الغربي للأزمة الأخلاقيّة؟

مفهوم الأخلاق في الفكر الإسلامي:

تتميز الأخلاق في الفكر الإسلامي بكونها جزءاً لا يتجزأ من الدّين، وليست مجرد قواعد سلوكيّة منفصلة، فهي ترتكز على مبادئ إلهية متعالية، تهدف إلى تحقيق كمال الإنسان وسعادته في الدّنيا والآخرة.

وقد أولى الفكر السّياسي الإسلامي، عبر فروعه المختلفة كالفقه السّياسي والفلسفة السّياسية وأدب نصيحة الحاكم، أهميّة قصوى للأخلاق، واعتبرها ركنا أساسيّا في بناء الدّولة الصّالحة والحاكم العادل.

المصدر الروحي للأخلاق الإسلامية:

يرى المفكّرون التّقليديون، مثل سيد حسين نصر ورينيه غينون، أنّ الأخلاق الإسلاميّة تستمد قوّتها وحيويتها من مصدر روحي متّصل بالحكمة المتعالية، التّي تتجاوز العقل الاستدلالي وحده، هذه الحكمة التّي يسميها نصر "الحكمة البدائية" أو "الحكمة المتعالية"، هي معرفة مقدسة تربط الإنسان بالذكاء المطلق الإلهي، فالسّعادة من هذا المنظور هي سعادة قصوى مرتبطة بالآخرة، ولا يمكن تحقيقها إلاّ من خلال الاتصال بهذه الحكمة السامية[2].

على النّقيض من ذلك، يرى الفارابي أنّ السّعادة يمكن تحقيقها من خلال "العلم المدني" الذّي يجمع العلوم العقليّة ويكون الملاذ لتحقيق السّعادة داخل المدينة الفاضلة، ومع ذلك، فإنّ المنظور التّقليدي يؤكّد أنّ الأخلاق الإسلاميّة لا يمكن أن تجد مصادر قوّتها الرّوحيّة إلا داخل الحضارة التّقليديّة التّي تقوم على مبادئ ثابتة ومتعالية.

الأزمة الأخلاقيّة في الدّول الإسلاميّة: مظاهر وتحدّيّات

تتعدد مظاهر الأزمة الأخلاقيّة في الدّول الإسلاميّة وتتداخل أسبابها، لتشكّل تحدّيا كبيرا أمام بناء مجتمعات مستقيمة ومزدهرة:

تراجع القيم الأخلاقية في السّياسة:

يشير العديد من المفكرين إلى أنّ السّياسة في الإسلام تمثّل حركة أخلاقيّة تهدف إلى بناء مجتمع قائم على قيم الحقّ والفضيلة والعدل والمساواة، ومع ذلك، فإنّ الواقع السّياسي في العديد من الدّول الإسلاميّة يعكس توجّها مختلفا، حيث تركز التّصورات السّياسية الحديثة على المصالح الآنيّة والدّنيويّة، متجاهلة الأبعاد المعنويّة والرّوحية للإنسان، وهذا الإهمال لم يقتصر على الفلسفة السّياسيّة بل امتد ليشمل الإنسان نفسه، الذّي يُنظر إليه ككائن مادّي فقط، ممّا أدّى إلى تلوث أخلاقي في العمل السّياسي.

فمختلف الأحزاب والحركات خاصّة تلك التّي ادّعت بكونها إسلامية ونسبت إليها هذه الصّفة، بعد انخراطها في العمل السّياسي لجأت في كثير من الأحيان إلى الأساليب البراغماتية المرتبطة بالسّياسة التّقليدية، ممّا أدّى إلى تفاقم الأزمات وتشويه صورة الدّول الإسلاميّة، ففي البداية ترفع شعارات الحرّيّة والتّعدّديّة، ولكن بمجرد الوصول إلى السّلطة تسلك جلّ هذه الأحزاب مسارا يناقض تماما ما كانت تدعو إليه، وتظهر سلوكيّات استبدادية لا تحترم حقوق الإنسان التّي نصّ عليها النّص الإسلامي.

تأثير الحداثة والعولمة:

لقد أدّت الحداثة وما صاحبها من انفصال بين الأخلاق والسّياسة، إلى ظهور براغماتية تسعى إلى المصلحة لا الفضيلة، والقوّة لا السّعادة، هذا التّطور أثّر بشكل كبير على الفكر السّياسي الذّي استمرّ في التّأكيد على الأخلاق كجزء لا يتجزأ من السّياسة، ولكن واجه صعوبة في التّوفيق بين هذه المبادئ ومتطلّبات الواقع السّياسي المعاصر.

كما فرضت العولمة على الثّقافات التّقليدية نمطا دفاعيّا من التّفكير، حيث تدافع الثّقافات عن خصوصيّتها أمام برامج الإصلاح والتّنمية، ومع ذلك، فإنّ المنظور التّقليدي يرى أنّ الحضارة الإسلاميّة يجب أن تقدّم نموذجا حضاريّا شاملا، يتجاوز الطور الدّفاعي، ويقدم بديلا وحلاّ لمشكلات الحضارة المعاصرة.

تفكّك الأسرة وتزايد الإلحاد:

تعتبر الأسرة النّواة الأساسيّة للمجتمع في المنظور الإسلامي، وتفكّكها يؤدّي إلى أزمة أخلاقيّة عميقة، ففي الغرب أدّت الفرديّة المفرطة وتراجع القيم الدّينية إلى تفكك نظام الأسرة، وتزايد نسبة المواليد خارج إطار الزّواج، وتغيّر مفهوم الأسرة ليشمل أشكالا غير تقليديّة، وبالتّالي فهذه الظّواهر التّي بدأت تتسرّب إلى المجتمعات الإسلاميّة تهدد استقرارها وتماسكها الأخلاقي بشكل مباشر وعميق.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تزايد نسب الإلحاد واللاأدرية، خاصة بين الأجيال الشّابة، يمثّل تحدّيا كبيرا للمجتمعات الإسلاميّة، فالحضارة الغربيّة شجّعت اتجاه اللاأدرية وانتشرت نظريّات التّطور والعلمانيّة والوضعيّة الماديّة، ممّا أثر على الإيمان الدّيني.

أزمة الهوية والمثلية:

تتأثّر المجتمعات الإسلاميّة أيضا بتزايد ظواهر المثليّة واضطرابات الهويّة، التّي تروّج لها تيّارات ما بعد الحداثة، هذه الظّواهر الخطيرة والغير سويّة والتّي تركز على الفرديّة المطلقة وتحرير الرّغبات، تتعارض مع القيم الأخلاقيّة الإسلاميّة التّي تؤكد على التّوازن بين الرّوح والمادّة، وتهذيب السّلوك.

سبل المعالجة:

لمواجهة هذه الأزمة الأخلاقيّة، يتطلّب الأمر مقاربة شاملة تستند إلى المبادئ الإسلاميّة الأصيلة، وتستفيد من التّجارب الإنسانيّة النّاجحة:

إعادة ترسيخ الأخلاق في العمل السّياسي:

إنّ إعادة ترسيخ الأخلاق كركيزة أساسيّة للعمل السّياسي أمر لا بدّ منه، وهذا يعني تجاوز البراغماتية والمصالح الضّيقة، والالتزام بقيم العدل والإنصاف والحريّة والمساواة، والدّفاع عن سيادة الأمّة وكرامتها، فالسّياسة في المنظور الإسلامي هي إدارة الشّأن العام بما يحقّق خير النّاس ومصلحتهم، ولا يمكن أن تكون منفصلة عن الأخلاق.

بناء حضارة بديلة قائمة على الحكمة التّقليديّة:

يقترح المفكرون التقليديون، مثل سيّد حسين نصر ورينيه غينون، بناء حضارة بديلة عن الحضارة الحديثة تقوم على "الرّؤية التّقليدية الجديدة" أو "ما بعد الديكولونيالية"[3] ، هذه الحضارة التّي يسمّيها نصر "التّقليديّة" أو "المنظور الحكمي التّقليدي" ترتكز على الحكمة الدّائمة المطلقة التّي تربط الإنسان بالذّكاء المطلق المتعالي، فالحضارة التّقليديّة في هذا المنظور هي حضارة روحانيّة بامتياز تعتمد على التّجديد العمودي المتسامي للحفاظ على استمراريّة التّقليد.

تقوية بنية الأسرة والمجتمع:

تعتبر العائلة وخاصة العائلة الممتدة، حصنا ضدّ النّزعات الفرديّة التّي تسعى إلى تجريد الفرد من كل منابع الحماية، ما يفرض على المجتمعات الإسلاميّة أن تعمل على تقوية بنية الأسرة وترسيخ قيم التّربية الرّوحية والأخلاقيّة، التّي تحفظ للإنسان التّوازن بين العوامل الدّاخلية الرّوحية والخارجيّة المادّية.

مواجهة الغزو الفكري والثقافي:

يجب على المجتمعات الإسلاميّة أن تواجه الغزو الفكري والثّقافي الذّي يهدف إلى تفكيك الأسرة وتغيير مفهوم الإنسان، ونشر الإلحاد والمثلية، وهذا يتطلّب إعادة صياغة المرتكز العقائدي الخاص بالعدل الإلهي، والتّركيز على النّظرة القرآنيّة لمفهوم التّوحيد الإلهي، وأنّ الأخلاق لا يمكنها الاستقلال عن الدّين والنّظرة الدّينية.

التّعليم والتّربية الرّوحيّة:

يعدّ التّعليم والتّربية الرّوحيّة أدوات أساسيّة لمواجهة الأزمة الأخلاقيّة، بالتّالي يجب أن يركّز التّعليم على تبجيل الحكمة المتعالية، وتقديمها على الوجه الذّي يثبت تماسكها وصلابتها واستمراريّة حقيقتها، فالأمّة الرّوحية في الإسلام هي التّي تحافظ على التّراث وتكسر الحواجز التّي تضعها المتاحف، وهي الحصن الأوّل أمام كل رؤية متحفيّة تريد أن تحصر امتداد تراث ما، في حقبة تاريخيّة بعينها.

خلاصة:

إنّ الأزمة الأخلاقيّة في الدّول الإسلاميّة هي أزمة معقّدة ومتعدّدة الأبعاد تتطلّب مقاربة شاملة تستند إلى المبادئ الإسلاميّة الأصيلة، وتستفيد من التّجارب الإنسانيّة النّاجحة، فمن خلال إعادة ترسيخ الأخلاق في الحياة السّياسة، وبناء حضارة بديلة قائمة على الحكمة التّقليديّة، وتقوية بنية الأسرة والمجتمع، ومواجهة الغزو الفكري والثّقافي، والتّركيز على التّعليم والتّربية الرّوحية، يمكن للمجتمعات الإسلاميّة أن تتجاوز هذه الأزمة وتبني مستقبلا جديدا بجيل جديد قوامه العدل والمساواة.

***

د. سلوى بنأحمـــــد

............................

[1] Erik H. Erikson, Adolescence et crise: La quête de l’identité, Joseph Nass & Claude Louis–Combet (trad.), Collection: Champs essais, 60 (Paris: Flammarion, 1972).

[2]  نصر، السّيّد حسين، ما هي الحكمة المتعالية؟، ترجمة فاطمة محمّد زراقط، مجلّة المحجّة العدد 28، شتاء- ربيع 2014، ص8.

[3] Seyyed Hossein Nasr, Knowledge And The Sacred )New York , USA State University Of New York, Press 1989  (P66.

في المثقف اليوم