عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

بولص آدم: ماذا كان سيبدو عليه العالم لو لم يولد ماركس أصلًا؟

كان من الصعب تخيّل القرن العشرين من دون ماركس، فقد دخل اسمه في صميم تحولات كبرى مست الاقتصاد والسياسة والحركات العمالية والفكر الاجتماعي. وأصبحت أفكاره جزءًا من اللغة التي حاول بها عصر كامل أن يفهم الفقر والتفاوت والصراع الاجتماعي. وكان غيابه الافتراضي يفتح التاريخ أمام احتمالات أخرى، حيث كان يمكن لأفكار مختلفة ومفكرين آخرين أن يحتلوا المكان الذي شغله، وأن يمنحوا تلك التحولات مسارات ومفردات مغايرة.

كان العالم سيعرف الفقر والاستغلال والتفاوت والصراع بين العمال وأصحاب رأس المال في غياب ماركس، فهذه الظواهر كانت سابقة على ظهوره ومرتبطة بالتحولات العميقة التي أحدثها التصنيع ونشوء الاقتصاد الرأسمالي الحديث. وكانت الاشتراكية نفسها قد بدأت في أوروبا قبل ماركس، كما ظهرت حركات عمالية وتعاونية وإصلاحية حاولت مواجهة ظروف العمل القاسية واتساع الفوارق الاجتماعية. وكان من الممكن أن يستمر نقد الرأسمالية وأن تتطور المطالبة بحقوق العمال عبر طرق أخرى، وربما كان الفكر الإصلاحي والنقابي والتعاوني قد اكتسب حضورًا أكبر. وكان القرن التاسع عشر سيواصل إنتاج مفكريه وحركاته، لكن اللغة التي صاغ بها ماركس علاقة الاقتصاد بالسلطة والطبقة والتاريخ كانت ستغيب، أو تظهر بصياغات أخرى.3308 marx

وهنا كان غياب ماركس سيغيّر طريقة تفسير الصراع الاجتماعي أكثر مما كان سيغيّر وجوده نفسه. وكان يمكن لمفكرين آخرين أن يقدموا تفسيرات مختلفة للرأسمالية والتحولات الاجتماعية، فيما كانت الحركات العمالية ستجد لنفسها مفردات أخرى. وكان التاريخ سيواصل إنتاج أزماته وصراعاته، لكن قاموسه الفكري كان سيبدو مختلفًا.

وفي روسيا، كان الاحتمال أكثر تعقيدًا. فقد جاءت الثورة البلشفية عام 1917 في سياق من الأزمات السياسية والاجتماعية والحرب العالمية الأولى، وكانت لها أسبابها الخاصة وشخصياتها وقراراتها. ومع ذلك، كان غياب ماركس سيترك فراغًا كبيرًا في الإطار النظري الذي استندت إليه البلشفية لاحقًا. فقد وجد لينين في الماركسية لغة لتفسير التاريخ والرأسمالية والطبقات والثورة، ثم طوّر قراءة خاصة بها في ظروف روسيا. ومن دون هذا التراث، كان من الممكن أن تتخذ الثورة الروسية، إذا وقعت في صورة قريبة من صورتها التاريخية، لغة أخرى ومسارًا آخر، كما كان من الممكن أن تختلف طبيعة التجارب التي جاءت بعدها تحت اسم الشيوعية.

وكان القرن العشرون سيبدو مختلفًا أيضًا في علاقته بالرأسمالية. فقد جاءت قوانين العمل والنقابات والضمانات الاجتماعية ودولة الرفاه نتيجة مسارات طويلة تشابكت فيها نضالات العمال والتحولات الاقتصادية وتوسع الديمقراطية والحروب وتغير بنية المجتمعات. وكان من الصعب رد هذه التحولات إلى ماركس وحده. ومع ذلك، فإن صعود الحركات الاشتراكية والشيوعية التي استند جزء أساسي من خطابها إلى الماركسية أصبح عاملًا حاضرًا في البيئة السياسية التي تحركت داخلها الدول الغربية. وكان الضغط على الرأسمالية سيبقى قائمًا في عالم بلا ماركس، لكن القوى التي حملته والأفكار التي صاغته كانت ستختلف.

وربما كان الأثر الأبعد لغياب ماركس سيظهر في الفكر والعلوم الإنسانية. فقد أصبحت الطبقة الاجتماعية والصراع الطبقي والاغتراب وعلاقة الاقتصاد بالبنية الاجتماعية أدوات مؤثرة في قراءة التاريخ والمجتمع والثقافة والأدب. وحتى الذين اختلفوا معه وجدوا أنفسهم في حوار مع الأسئلة التي أثارها. وهكذا تجاوز تأثيره عدد الذين تبنوا أفكاره، فقد ترك أثرًا أيضًا في خصومه ونقاده وفي الذين حاولوا إعادة بناء الفكر الاجتماعي بعيدًا عنه.

لكن خلف هذه الصورة الفكرية والسياسية كان هناك رجل آخر، أقل حضورًا في الذاكرة العامة. عاش ماركس في لندن سنوات مثقلة بضيق المال والمرض ومشكلات الأسرة، واعتمد في جانب من حياته على مساعدة فريدريك إنجلز، فيما ظل غارقًا في القراءة والبحث والكتابة. ولم يكن هذا الجانب من سيرته تفصيلًا هامشيًا، فقد أظهر مفكرًا عاش بنفسه بعض التناقضات التي انشغل بتحليلها في المجتمع والعمل والاقتصاد.

ومن هنا يمكن الاقتراب من ماركس من زاوية مختلفة: «ماركس خارج القفص: ماذا بقي من الرجل بعد سقوط صورته التقليدية؟» فالصورة التي اختزلته في منظّر للثورة والصراع الطبقي حجبت جوانب أخرى من مشروعه، وخصوصًا اهتمامه بالإنسان وبالشروط التي تجعل العمل والحياة الاجتماعية مجالًا لتحقيق الذات أو مصدرًا للاغتراب.

ويقدم إريك فروم في كتابه الصادر عام 1961 «مفهوم الإنسان عند ماركس» قراءة تعيد النظر في هذه الصورة، إذ يبيّن أن ماركس كان أوسع من مجرد منظّر للاقتصاد والطبقة والثورة. وقد وجّه فروم نظره إلى الإنسان خلف المفكر السياسي، وجعل مفهوم الاغتراب مدخلًا أساسيًا لفهم علاقة ماركس بالعمل والمجتمع والإنسان. ففي قراءته، كان الإنسان يفقد جزءًا من ذاته حين تتحول منتجات عمله والقوى التي صنعها إلى قوى مستقلة عنه، وحين يصبح العمل وسيلة للبقاء أكثر مما يكون تعبيرًا عن قدراته وفعلِه الخلاق.

وتكمن أهمية فروم في أنه أعاد ماركس إلى نصوصه وأسئلته الإنسانية، بعيدًا عن الصورة التي صنعتها الصراعات السياسية اللاحقة. ولم يكن هدفه تقديم ماركس بوصفه مفكرًا منزّهًا عن التناقضات، وإنما إظهار أن مشروعه كان أوسع من الصورة الجامدة التي استقرت حول اسمه. وكانت إعادة النظر في ماركس الإنسان والمفكر تعني توسيع صورته، لا استبدال صورة أيديولوجية بصورة مثالية جديدة.

وظل ماركس في الوقت نفسه مفكرًا سياسيًا صاحب مشروع ثوري واضح، وكانت أفكاره عن الطبقة والصراع والتغيير الاجتماعي جزءًا أساسيًا من أعماله. كما أن تاريخ الماركسية بعده حمل تأويلات متعددة لم تكن متطابقة مع كتاباته. ولهذا كان من المهم التمييز بين ماركس نفسه وبين الإرث السياسي المتنوع الذي نشأ لاحقًا باسمه.

وفي العالم الذي لم يولد فيه ماركس، كان يمكن أن تظهر أفكار كثيرة تشغل المساحات التي شغلتها الماركسية. وكان يمكن لمفكر آخر أن يقدم تفسيرًا مختلفًا للرأسمالية أو لحركة التاريخ أو لعلاقة العمل بالمجتمع. وربما كانت الاشتراكية ستسلك مسارًا إصلاحيًا أوسع، وربما كانت الثورة الروسية ستجد لغة سياسية أخرى، وربما كان الفكر الاجتماعي سيكتشف مفاهيم مختلفة لفهم الطبقة والسلطة والاقتصاد. وكان التاريخ سيستمر في إنتاج أزماته وحركاته وصراعاته، فيما كانت أسماء أخرى ستتقدم إلى الواجهة.

لكن غياب ماركس كان سيترك فراغًا يتجاوز غياب منظّر واحد. فقد كان سيغيب معه نوع كامل من الأسئلة التي أعادت تعريف علاقة الاقتصاد بالمجتمع، والعمل بالإنسان، والثروة بالسلطة، والتاريخ بالصراع الاجتماعي. وكان يمكن لآخرين أن يملؤوا هذا الفراغ، لكنهم كانوا سيملؤونه بلغتهم وتجاربهم ومفاهيمهم الخاصة.

وفي النهاية، كان السؤال عن عالم بلا ماركس سيقودنا، على نحو غير متوقع، إلى ماركس نفسه. فكلما تخيلنا القرن العشرين من دونه، اكتشفنا حجم المساحة التي احتلها في الفكر السياسي والنظرية الاجتماعية والعلوم الإنسانية. وكلما أخرجناه من صورته التقليدية، كما حاول إريك فروم، ظهر أمامنا مفكر أكثر تعقيدًا من الرمز الذي أصبح عليه، ورجلًا كان مشغولًا، خلف أسئلته السياسية والاقتصادية، بمصير الإنسان داخل العالم الذي يصنعه.

وهكذا كان العالم سيستمر من دون ماركس، لكنه كان سيبدو مختلفًا في كثير من لغاته وأسئلته ومساراته. أما ماركس خارج القفص، فكان سيبقى مفكرًا يصعب اختزاله في إرث سياسي واحد. فلم يكن أثره قد توقف عند الأفكار التي تبناها أتباعه، وإنما امتد أيضًا إلى الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام خصومه وقرائه والأجيال التي جاءت بعده.

***

بولص آدم

 

في المثقف اليوم