بين التقاليد الغائرة والحداثة العالقة
في لحظةٍ فارقة من التاريخ العربي المعاصر، يقف العقل الثقافي العربي كما لو أنه على عتبة بوابة موصدة، يتلفت خلفه إلى إرثٍ طويل وثقيل من التقاليد والرموز والموروثات، وينظر أمامه بتردد إلى عالم متغير، سريع، متحول، تغمره الحداثة وتبتلعه العولمة. لم يكن هذا العقل يومًا عاجزًا عن الفهم أو الاستيعاب، لكنه ظل على مدى عقود حائرًا أمام سؤال جوهري لم يجد له جوابًا نهائيًا، كيف يمكننا أن نكون حديثين دون أن نفقد أنفسنا؟
ليس من المبالغة القول إن الثقافة العربية الحديثة ما زالت عالقة في منطقة رمادية، تتجاذبها قوتان متناقضتان. من جهة، هناك ضغط الهويات التقليدية التي تستمد شرعيتها من الدين، والعُرف، والانتماءات الأولية، والتي ترفض التغيير أو تتوجس منه، ومن جهة أخرى، هناك وعود الحداثة التي تقدم نماذج جاهزة من التقدم، لكنها غالبًا ما تبدو مستوردة وغريبة، لا تنمو من داخل التربة الثقافية نفسها، بل تُفرض فوقها فتسبب الانقسام والتشوش.
لقد بدا واضحًا، منذ بدايات القرن العشرين، أن المجتمعات العربية دخلت زمن التغيير، لكن التغيير ظل في معظمه شكليًا، يطال القشرة لا الجوهر. أُنشئت الجامعات، وتطورت المدن، وتغيرت الأزياء، وتكلم الناس عن الديمقراطية، والحرية، والمجتمع المدني، لكن البنى العميقة للوعي الثقافي، تلك التي تتحكم في النظرة إلى الإنسان، والعالم، والمعرفة، بقيت متماسكة على حالها، لا تهتز إلا لتعود وتتصلب من جديد. وهكذا، تراكمت مظاهر الحداثة فوق أرضٍ لم تُمهّد لها فكريًا وروحيًا، فكان من الطبيعي أن تنشأ فجوة، بل قطيعة، بين ما نعيشه وما نؤمن به.
الثقافة، كما يفهمها المفكرون، ليست مجموعة معارف ومظاهر خارجية، بل هي نمط حياة، رؤية للعالم، بنية إدراكية تنعكس في السلوك والفكر واللغة. وفي هذا السياق، فإن التحديث الحقيقي لا يتم بشراء التكنولوجيا أو تقليد أنماط العيش الغربية، بل بإعادة تشكيل العقل نفسه، وتفكيك الموروث بعين ناقدة، لا تنكر قيمته الرمزية، ولكنها لا تخضع له كسلطة مطلقة. هذا ما لم يحدث بعد في التجربة العربية. فكلما اقتربنا من لحظة التغيير الحقيقي، انسحب العقل إلى منطقة الأمان، وتحصن بالتراث، كأن الماضي وحده هو ما يمنحنا الحق في الوجود.
اللافت أن هذا الصراع لم يعد محصورًا في النخبة المثقفة، بل تسلل إلى حياة الناس اليومية. نشاهد ذلك في النقاشات الحادة بين الأجيال، في صراع القيم داخل الأسرة، في حيرة الشباب بين ما يتلقونه من تعليم حديث وما يفرضه عليهم المجتمع من قوالب تقليدية. لقد أصبحت الحداثة، بالنسبة للكثيرين، شكلاً من التمرد، لا خيارًا واعيًا نابعًا من قناعة داخلية. أما التراث، فبدلاً من أن يكون مرجعًا يُستأنس به، تحول في كثير من الأحيان إلى سجن رمزي يخنق الروح.
لكن هل التراث هو المشكلة حقًا؟ أم أن المشكلة تكمن في طريقة تعاملنا معه؟ التراث لا يُلام لأنه موجود، بل لأننا جعلناه فوق المساءلة. والحداثة لا تُدان لأنها دخيلة، بل لأننا لم نمنحها فرصة للنمو من داخلنا. وما بين طرفي هذا التوتر، ضاعت ملامح مشروع ثقافي عربي قادر على إنتاج حداثته الخاصة، على طريقته، ووفقًا لظروفه وتاريخه وتجربته.
إن المجتمع الذي لا يصوغ حداثته، سيُستدرج حتمًا إلى استهلاك حداثة الآخرين. وهذا ما حدث ويحدث. نستهلك كل شيء: الأفكار، والمنتجات، والنماذج، دون أن نملك أدوات إنتاجها أو حتى معايير نقدها. وهكذا نعيش حالة من "الحداثة المعلّبة"، حيث الحداثة تُختصر في المظهر، وتُختزل في الأدوات، بينما يبقى العمق الثقافي أسيرًا لذهنية تقليدية لم تتغير كثيرًا منذ قرون.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح ليس فقط عن الحداثة، بل عمّا بعدها. فنحن نعيش في عالم دخل منذ عقود مرحلة "ما بعد الحداثة"، حيث تساقطت كثير من اليقينيات، وتفتّتت الأنساق الكبرى، وأصبح الإنسان يواجه سيولة غير مسبوقة في القيم والمعاني. في هذا السياق الجديد، لا يكفي أن نسأل: هل نحن حداثيون؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: هل نحن مستعدون للعيش في عالم لا مركز له، لا مرجعية واحدة تحكمه، ولا حقيقة ثابتة تحكم سلوكه؟
إن هذا السؤال يمثل جوهر المأزق الثقافي العربي اليوم. فنحن لم نُنجز بعد مشروع الحداثة، ولم نُهضم أسئلتها الكبرى، وها نحن نُدفع إلى مواجهة عالم ما بعد الحداثة، بكل ما فيه من تفكك، وتعدد، وشك، ولامركزية. فكيف لعقل لم يتحرر بعد من سلطة التقليد أن يتعامل مع عالم ينكر السلطة من أساسها؟ وكيف لمجتمع لم يستوعب بعد معنى الفرد أن يواجه عالماً يقدّس الذات ويشكك في الجماعة؟ إنها أسئلة ثقيلة، تتطلب منا أكثر من مجرد ترديد شعارات التغيير، أو الدعوة إلى التجديد.
ربما نحتاج إلى شجاعة فكرية حقيقية، لاختبار القيم التي نحملها، وطرح الأسئلة التي نخشى طرحها، ومغادرة منطقة الراحة النفسية التي تمنحنا إياها التقاليد المطمئنة. وربما علينا أن نكف عن النظر إلى الحداثة كتهديد، وإلى التراث كملاذ، ونبدأ في بناء جسر داخلي بينهما، حيث يمكن للعقل أن يفكر دون خوف، وللروح أن تؤمن دون تعصب.
إذن، لسنا بحاجة إلى حداثة تشبه الآخرين، بل إلى حداثة تُشبهنا. حداثة تنمو من داخل أسئلتنا، من عمق جراحنا، من خصوصيتنا المتعبة، ومن حلمنا القديم بأن نكون كما نريد، لا كما يُراد لنا. وإنّ الطريق إلى تلك الحداثة لن يُرسم إلا إذا جرؤنا على السؤال: من نحن حقًا؟ وماذا نريد أن نكون؟ هذا هو السؤال الذي ستدور حوله هذه السلسلة، في محاولة لتلمّس طريق نحو فهم أعمق لموقعنا الفكري والثقافي، من دون أحكام جاهزة، ولا أجوبة مغلقة، بل بنية فتح أفق جديد للتفكير في ذواتنا ومجتمعنا وتاريخنا.
***
د. عصام البرّام








