من كهنة المعابد إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي
مع التوسع الهائل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، عادت إلى الواجهة ظواهر قديمة بثوب جديد، كان من أبرزها التنجيم وقراءة الأبراج والعرافة وما يتصل بها من ادعاءات معرفة الغيب والتنبؤ بالمستقبل. تحولت هذه الممارسات إلى صناعة إعلامية ضخمة يتابع بعض رموزها الملايين، ويتمتعون بحضور واسع ومكانة اجتماعية مؤثرة ومكاسب مالية كبيرة، بعد ان كانت مقتصرة على الأسواق الشعبية أو المجالس الخاصة.
هذا الانتشار اللافت وما يحيط به من تأثيرات اجتماعية ونفسية وثقافية دفعني إلى التوقف عند هذه الظاهرة ومحاولة فهم أسبابها وخلفياتها. فالعرافة ظاهرة إنسانية رافقت البشرية منذ فجر الحضارات، وتعكس حاجة عميقة لدى الإنسان لمعرفة ما يخبئه له المستقبل ولم تعد مجرد خرافة عابرة أو موروث شعبي محدود الانتشار،
ولدت العرافة من رغبة الإنسان في اختراق حجاب المجهول والاطمئنان إلى ما ينتظره في الأيام القادمة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتساءل عن مصيره، لجأ إلى من يدّعي القدرة على تفسير الأحلام والظواهر الطبيعية واستشراف المستقبل. ولهذا نجد أن معظم الحضارات القديمة عرفت أشكالاً مختلفة من العرافة والتنجيم.
ففي مصر القديمة كان الكهنة يتولون تفسير الأحلام والظواهر السماوية، بينما راقب المنجمون في بلاد الرافدين حركة النجوم والكواكب واستنبطوا منها توقعات تتعلق بالحروب والمحاصيل ومصائر الملوك. أما في اليونان القديمة فقد بلغت العرافة منزلة كبيرة، وتجسد ذلك في “وحي دلفي” الشهير، حيث كان معبد أبولو في دلفي يُعد أحد أهم المراكز الدينية في العالم القديم، حتى لُقّب "بسرة العالم”. وكانت الكاهنة “بيثيا” تجلس فوق شق في الأرض يُعتقد أنه يطلق أبخرة مقدسة، فتدخل في حالة من النشوة أو الغيبوبة وتطلق نبوءات غامضة يفسرها الكهنة على أنها رسائل من الإله أبولو. وقد بلغ تأثير هذه النبوءات حداً جعل الملوك والقادة العسكريين يفدون من مختلف أنحاء اليونان لاستشارتها قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
وفي الصين والهند تطورت مدارس واسعة للتنجيم وقراءة الطالع استمرت آثارها حتى يومنا هذا. كما لم تختف هذه الظاهرة مع تقدم الحضارة الغربية، بل استمرت بأشكال مختلفة في أوروبا وأمريكا، حيث ما تزال الأبراج والتاروت (سأكتب عن التاروت في مقال منفصل) وقراءة الكف وتحضير الأرواح تحظى بمتابعين بالملايين رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل.
وعند استعراض تاريخ العرافة نجد أن النساء غالباً ما تصدرن هذا المشهد. ويرجع ذلك إلى أسباب اجتماعية وثقافية متعددة، فقد ارتبطت المرأة في كثير من الحضارات القديمة بالكهانة والخصوبة والطقوس الروحية، مما منحها صورة “الوسيط” بين العالم المرئي والعالم الخفي. كما ساهمت الصورة النمطية التي تربط المرأة بالحدس والقدرة على فهم المشاعر الإنسانية في تعزيز حضورها في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة عمل العرافة تعتمد بدرجة كبيرة على الإصغاء للمشكلات الشخصية والعائلية والعاطفية، وهي مجالات استطاعت كثير من النساء بناء الثقة والتأثير فيها بفاعلية أكبر.
وقد عرف التاريخ شخصيات عديدة ارتبطت بالعرافة والتنبؤ، من أشهرها "كاهنة دلفي" في العالم القديم، ونوستراداموس في القرن السادس عشر، والعرافة البلغارية "بابا فانغا" التي لا تزال تنبؤاتها تتداول حتى اليوم. وفي العالم العربي المعاصر ارتبطت العرافة بصورة خاصة ببرامج الأبراج والتنبؤات السنوية التي تقدمها شخصيات إعلامية تستقطب جمهوراً واسعاً مع بداية كل عام.
غير أن السؤال الأهم يبقى: لماذا مازال الناس يصدقون العرافين رغم كل ما حققه العلم من تقدم؟
حاول الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع الإجابة عن هذا السؤال منذ قرون. فقد رأى الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا أن الخوف من المستقبل هو المحرك الأساسي للإيمان بالعرافة، وأن الإنسان يلجأ إلى المنجمين عندما يشعر بالعجز أمام أحداث لا يستطيع التحكم بها. أما الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم فاعتبر أن الناس يميلون إلى تصديق القصص الخارقة عندما تسيطر عليهم مشاعر الخوف أو الأمل، وأنهم يتذكرون النبوءات التي تحققت وينسون العدد الأكبر من التنبؤات التي أخفقت.
ولم يكن سبينوزا وهيوم وحدهما من تناولا هذه الظاهرة. فقد رأى أفلاطون أن العقل ينبغي أن يكون المرجع الأعلى في حياة الإنسان والدولة، وأن القرارات المصيرية لا يجوز أن تُبنى على الخرافات والانفعالات. أما أرسطو فكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر المنسوبة إلى القوى الغيبية بأسباب طبيعية يمكن دراستها وفهمها. وهكذا أسهمت الفلسفة منذ وقت مبكر في ترسيخ فكرة البحث عن الأسباب الواقعية للأحداث بدلاً من إرجاعها إلى قوى خفية أو مجهولة.
أما علماء الاجتماع فقد نظروا إلى العرافة بوصفها استجابة اجتماعية لحالة عدم اليقين. فكلما ازدادت الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ازداد الإقبال على العرافين والمنجمين. ففي أوقات الحروب والبطالة وارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار يبحث الناس عن أي نافذة تمنحهم أملاً أو تفسيراً لما يجري حولهم.
وقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى أبعد من ذلك في تفسير الظاهرة. فإميل دوركايم، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي، رأى أن المعتقدات والطقوس، حتى عندما لا تستند إلى أسس علمية، تؤدي وظائف اجتماعية ونفسية مهمة لأنها تمنح الأفراد شعوراً بالانتماء وتخفف من قلقهم تجاه المجهول. أما ماكس فيبر، وهو واحد من أشهر علماء الاجتماع الالمان، فلاحظ أن التقدم العلمي لم يقضِ تماماً على التفكير السحري، لأن حاجة الإنسان إلى المعنى والطمأنينة تظل قائمة حتى في أكثر المجتمعات عقلانية. بينما رأى بيير بورديو وهو. أحد أبرز علماء الاجتماع والمفكرين الفرنسيين، أن العراف يستمد نفوذه من السلطة الرمزية التي يمنحه إياها المجتمع وثقة الناس به، لا من امتلاكه معرفة حقيقية بالمستقبل.
أما علم النفس فيفسر نجاح العرافين بآليات معروفة. فالإنسان يميل بطبيعته إلى تذكر التنبؤات التي تصادف أن تحققت، وينسى التنبؤات الكثيرة التي أخفقت. كما يعتمد كثير من العرافين على ما يُعرف "بتأثير بارنوم” أو “تأثير فورير”، حيث تُستخدم عبارات عامة وفضفاضة يظن كل شخص أنها تنطبق عليه وحده. ويضاف إلى ذلك ما يسمى “القراءة الباردة”، وهي مهارة تقوم على مراقبة لغة الجسد ونبرة الصوت وردود الأفعال واستنتاج معلومات تبدو وكأنها معرفة غيبية.
وفي كثير من المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات الدينية، تتخذ العرافة أشكالاً مختلفة لا تحمل دائماً اسم العرافة أو التنجيم. فبعض الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم شيوخاً روحانيين أو أصحاب قدرات خاصة على حل المشكلات الشخصية وكشف أسباب تعثر الزواج، أو جلب الرزق، أو إعادة الحبيب، أو إزالة الحسد والسحر. ورغم اختلاف الرموز والمصطلحات المستخدمة، فإن هذه الممارسات تتشابه في جوهرها مع أنماط العرافة التقليدية في أنحاء العالم كافة، إذ تعتمد على استثمار حاجة الإنسان إلى الأمل واليقين في مواجهة المجهول. ويؤكد علماء النفس أن كثيراً من التأثير الذي يمارسه هؤلاء يعود إلى مهارات الملاحظة الدقيقة وقراءة ردود الأفعال واستخدام عبارات عامة قابلة للتأويل بطرق متعددة، مما يمنح المستمع شعوراً بأن المتحدث يعرف تفاصيل حياته وأسراره.
وقد تحولت قراءة الطالع مع مرور الزمن إلى تجارة مربحة تدر مليارات الدولارات سنوياً. وغالباً ما تبدأ العلاقة بين العراف وزبونه بجلسة بسيطة، ثم تتطور إلى سلسلة من الادعاءات حول وجود سحر أو حسد أو لعنة تستدعي شراء تمائم أو دفع مبالغ إضافية لفك هذه العقد المزعومة. وهكذا يقع كثير من الناس في دائرة من التبعية النفسية والاستنزاف المالي المستمر.
ومن أشهر أشكال العرافة الشعبية قراءة الفنجان، التي ارتبطت تاريخياً بانتشار القهوة في الدولة العثمانية. ويُعتقد أنها بدأت داخل القصور والحرملك كنوع من التسلية وتبادل الأسرار، ثم انتقلت إلى المقاهي والأحياء الشعبية في إسطنبول وبلاد الشام ومصر. وتعتمد هذه الممارسة على تفسير الأشكال التي تتركها بقايا القهوة في قعر الفنجان ومنحها دلالات ومعاني ترتبط بالمستقبل والحظ والعلاقات الإنسانية.
غير أن العلم يفسر هذه الظاهرة بما يعرف "بـالباريدوليا”، وهي ميل العقل البشري إلى رؤية أنماط وصور مألوفة في أشكال عشوائية، كما يحدث عند رؤية وجوه أو حيوانات في الغيوم أو الصخور أو بقع الحبر.
وكان من المتوقع أن يؤدي التقدم العلمي إلى تراجع العرافة، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً. فمع ظهور الإنترنت والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي انتقلت العرافة من الأسواق والصالونات إلى التطبيقات الرقمية. واليوم تنتشر تطبيقات تقدم قراءات للفنجان والتاروت والأبراج، كما ظهرت مواقع تولد تنبؤات فورية بناءً على أسئلة المستخدم، وروبوتات محادثة تتقمص دور العراف أو قارئ الطالع، وأنظمة تحلل بيانات المستخدم وسلوكه لتقديم توقعات تبدو شديدة الخصوصية.
ويرى بعض الباحثين أن العالم يشهد اليوم انتقالاً من “العرافة السحرية” إلى “العرافة الخوارزمية”. فبدلاً من أوراق التاروت والكرات البلورية أصبحت البيانات والخوارزميات هي الأداة الجديدة لإنتاج التوقعات. إلا أن الفرق الجوهري يبقى قائماً؛ فالعرافة تدّعي معرفة ما لا يمكن معرفته، بينما تعتمد النظم الرقمية على تحليل البيانات السابقة واستخلاص الاحتمالات.
فالذكاء الاصطناعي لا يعرف المستقبل، لكنه قادر على تحليل كميات هائلة من المعلومات واستنتاج أنماط متكررة تسمح بتوقع بعض السلوكيات أو الاتجاهات. فعندما تقترح منصة رقمية كتاباً قد يعجبك أو منتجاً قد تشتريه أو فيلماً قد تشاهده، فهي لا تقرأ الغيب، بل تستند إلى بيانات وسلوكيات مشابهة لملايين المستخدمين الآخرين. ولهذا فإن ما يبدو أحياناً “قدرة تنبؤية” ليس أكثر من استنتاج إحصائي قائم على معلومات متاحة وقابل للصواب والخطأ.
ومن المفارقات أن الإنسان المعاصر يعيش في أكثر العصور تقدماً من الناحية العلمية، لكنه في الوقت نفسه يترك وراءه كماً هائلاً من البيانات الشخصية يجعل الشركات والخوارزميات قادرة أحياناً على توقع بعض قراراته بدقة تفوق توقع أقرب أصدقائه. ولهذا يرى بعض علماء الاجتماع أن الذكاء الاصطناعي أعاد إنتاج العرافة في صورة أكثر حداثة وإقناعاً، لأن السؤال الذي يشغل الإنسان ما زال هو نفسه: ماذا سيحدث لي غداً؟
ومن المستبعد أن تختفي العرافة تماماً في المستقبل. فطالما بقي الإنسان قلقاً بشأن الغد، ويبحث عن الطمأنينة والأمل وسط حالة عدم اليقين، فسيبقى هناك من يعرض عليه إجابات جاهزة، سواء كان عرافاً يجلس في سوق قديم، أو شيخاً يدّعي امتلاك قدرات خاصة، أو تطبيقاً ذكياً يعمل على هاتفه المحمول.
إن ظاهرة العرافة ليست دليلاً على جهل المجتمعات بقدر ما هي انعكاس لحاجة إنسانية عميقة إلى الطمأنينة والمعنى والأمل. فمن كهنة المعابد القديمة إلى قارئات الأبراج الحديثة، ومن شيوخ الدجل إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ظل الإنسان يحاول استراق النظر إلى الغد والبحث عن تفسير لما يجهله.
غير أن التاريخ والعلم والفلسفة تكاد تتفق جميعها على حقيقة واحدة: أن المستقبل لا يُقرأ في الكف، ولا في الفنجان، ولا في الأبراج، ولا في الخوارزميات، بل يُصنع بالعلم والعمل والتخطيط والقدرة على مواجهة الواقع بعقلانية وثقة. فالغد ليس سراً ينتظر من يكشفه، بل مشروعاً يصنعه الإنسان بيده.
***
د. سعد عبد المجيد ابراهيم








