يرى كثير من علماء الشيعة ان مراسيم وطقوس عاشوراء جزءا اصيلا من الهوية الشيعية، ويؤكدون على ضرورة ممارساتهم تحت كل الظروف، ولو تضرر الشيعي من اقامتها كمن يكون مواطنا في ظل دولة غير شيعية
وأورد هنا فتوى الميرزا النائيني مطلوبية العزاء الحسيني فهو يرى ان لا شبهة في العزاء العلني بل هو راجح شرعا ولا اشكال – عنده – في جواز اللطم والضرب بالسلاسل وان تأذي الضارب لان ذلك من اظهر مصاديق عزاء المظلوم وايسر الوسائل لتبليغ دعوى الحسين (ع)، مع ضرورة التنزيه (1) ولكن المتاخرين اختلفوا هل مراسيم عاشوراء سنه دينية ام فعل اجتماعي؟ فالذي اعتبرها سنه دينية قال ان عاشوراء جزء من هوية الشيعة ووسيلة لترسيخ عقائدهم، مقابل من يراها ممارسة اجتماعية مقبولة لكنها خاضعة للتحديث والتنزيه (2) بيد ان اللافت ان عزاء عاشوراء انطلقت دوافعه من وجهة عاطفية ففي القرن الرابع أدخلت طقوس عاشوراء في السياسة
فالغالب في العزاء العاطفي، كان في حدود التراجيديا لكن بعد دخول العزاء معترك السياسة صارت النظرة الى الامام الحسين (ع) انه رمز للحرية والخلاص وداعية تاريخي للمطالبة بحق الأمم في حكومة عادلة لكن مع بقاء ممارسة البكاء كاحدى مفرداته
ومن المعلوم ان غالبية الشيعة تقيم المراسيم كعمل تطوعي دون اسناد من السلطة بل كانت السلطات تراقب هذه الفعاليات حذرة وقد حدث متغير مهم ان السلطان عباس الصفوي قد أقامها بنفسه وتبعه بعض الحكام كان بعضهم يقيمها واستغلال اقامتها لتضليل الناس، فنبه العلماء جماهيرهم الى ذلك
وقد قدم دارسون افكارا عن دور مجالس العزاء في تعزيز الهوية واعتبروها وسيلة اعلام سياسية، وفعاليات جماهيرية لصناعة القدوة في التضحية، ووسيلة لترسيخ الاعتقادات وقد وصفت ملحمة عاشوراء بانها احدى اكبر الثورات لمقارعة الظلم وانها تلبي الحاجة الى استحضار البعد المعنوي عند الشيعة
وقد خشي منها المتطرفون من غير الشيعة فمنعوها قسرا وتحسبوا انها مقدمة لخلاص الشيعة من محنة الاقصاء والتهميش فادخلوا اجهزتهم الأمنية بالإنذار لمنع ظهورها واذا سمحوا فباقل قدر ممكن مما شجع العاشورائيين على التمرد ودخلوا في صراع مع السلطات المانعة وغابت عن الحكام الحاقدين على عاشوراء انها تقليد حاضر بقوة لدى عموم الناس، وانها تعبئ الناس وتجندهم فاذا منعوا ازدادوا صلابة وعنادا، ولا سيما ان قصة الحسين تلعب دورا مهما في طهرانية التشيع وتركيز هويته .
بيد ان المانعين للشعائر تلك وصفوها بانها محاولة لأدلجه الدين، وانها تحفز اهل العزاء على العمل للاستيلاء على السلطات تأسيا بالحسين (ع) لا سيما وان نداء الصبر ونداء الحرية والمقاومة نداء جذابا للناس وكحقيقة تاريخية لقد ذاق الشيعة عذابات كثيره من جراء التدافع بين اقامتها كواجب ديني، وبين منعها – من السلطات والمتطرفين لانها وسيلة للتحرر من قبضتهم، وقد دخ وكل ذلك في تشكيل عناصر الهوية الشيعية وفي صلب العلاقة بين هوية التشيع وملحمة كربلاء .
ان الملحمة الحسينية لم تكن فقط حدثا تاريخيا وقع قبل ما يقارب (1385سنه) لان الشيعة يستحضروها طول كل تلك السنين سنة بعد اخرى فهي حاضرة في وجدانهم، وقد عمقوا مكانتها في القلوب والنفوس والوجدان فصارت مدرسه إنسانية النطاق وعالمية الافاق تتوهج فيها قيم الدفاع الصلب عن كرامة الانسان وحريته وتدعو الى عدالة الدولة وعدالة القضاء وعدالة الكفالة الأساسية للمواطن وتؤكد في كل مفاصلها على حقوق الانسان حتى جعلت الدساتير في الكثير من الدول ان اهم هدف توثقه في بنودها حماية كرامة الشخص وتحقيق المجتمع الحر المتضامن الذي يعطي أولوية لحقوق الانسان.
لقد وضعت دساتير العالم بعض بنودها من معطيات ملحمة كربلاء ومنها ان جميع المواطنين متساوون امام القانون دون تمييز وان حقهم في الحرية الحياة والمساواة والامن مكفولة دستوريا وهذه القيم هي التي تطرز الهوية الإنسانية أولا وهوية التشيع التي ولدت من رحم معاناة الفجيعة الكربلائية، كما ولدت عندهم قيمة قداسة الصراع ضد الاستبداد و ومكافحة انتهاكات الحقوق الإنسانية لان الناس جميعا يولدون احرارا ومتساوين وان الدولة عبارة عن مؤسسة وظيفتها خدمة المواطن فهي ليست غاية بذاتها بل اداة لرفع نمط الحياة الفاضلة الى الأفضل، فقولة (ع) انه لم يخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما انما خرج لطلب الإصلاح، مما دل على ان الإصلاح واجب ومقاومة الفساد مسؤولية اخلاقية وشرعية وان شرعية الدولة مرتبطة بالقيم لا بالقوة والبطش واهدار المكانة الاستخلاقية للإنسان وقد وضع الامام الحسين (ع) وضع قاعدة معيارية اذ يقول (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله ان يدخله مدخله) وهذه القاعدة تعد اعلانا أخلاقيا وسياسيا لمقاومة الاستبداد والفساد والظلم لكي لا تتحول سلطه الحكومة الى قوه فوق القانون ووسلطة فوق الاخلاق لذلك رفض الامام الحسين ان يمنح الشرعية لسلطه حكومة فاسدة وهي ترنو ان تكون قوه فوق القانون وفوق الاخلاق فرفض الامام الحسين منح الشرعية لسلطة فقدت شروط الشرعية ومعاييرها فقال (ع) (مثلي لا يبايع مثله)
وفي هوية التشيع تجاوزت كربلاء حدود الدين والجغرافية والثقافات لتصبح رمزا إنسانيا للثبات على القيم النبيلة فكانت نموذجا فريدا للدفاع عن الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية من خلال البطولات التاريخية الخالدة، التي انتصرت بها كل الأمم بانتصار المبدأ على القوة المادية فاستذكار كربلاء السنوي يستمد هذه المبادئ والقيم العظيمة مباشرة من واقعة كربلاء ومن تراث التشيع وينشيء سياقات تاريخية وقانونية ولوائح عالمية لحقوق الانسان ونلخص من ذلك الى ان القيم المتلازمة في هوية التشيع.
1- ان السلطة ليست غاية وليست مقدمة على القيم الانسانية وهي بحاجة دائما الى ديمومة الشرعية والمشروعية معا
2- وان الإصلاح واجب ديني واجتماعي واخلاقي على قادة المجتمع وعلى افراده 3- ان مقاومة الفساد - بكل اشكاله - واجب شرعي واخلاقي وقانوني
4- وان شرعية النظم والنظريات والأفكار كلها مرتبطة بالقيم وليست بالقوة
5- وان اداره المجتمع يجب عليها ان تعمل لتحقيق المصلحة العامة له ويجب عليها فعل الافضل
6- ان مواجهة اشكال الاستبداد فعل ضروري لئلا يسحق الانسان وتستبعده السلطة (التي ستعلو على القانون والأخلاق ولكي تبقى السلطة دائما تحت المساءلة)
7- لاحظنا ان الهوية كما تصنعها العقيدة ومنهاج التكليف تصوغها احداث التاريخ واستجابات الناس لمختلف التحديات وأنها ثابته ثبوت بصمة الابهام الجماعية.
8- ان الشيعة في التاريخ وبسبب (اضطهادهم) كان يلزم ان يتوسلوا بالعنف العشوائي انتقاما من صناع تاريخهم لكنهم تمسكوا – خلال 14 قرن – بالحكمة والسلام والحوار والنزعة الإنسانية
9- لقد عوض الشيعة (اقصائهم) عن الحكم والسلطة بان تعمقوا علميا بفلسفة عقيدتهم وبضروب الحكمة والآداب الرفيعة
10- ولابد ان نشير هنا الى احتياجات هذه الهوية لاسيما ما يسد ثغراتها مثل: احتواء الاخر المذهبي والديني فكريا وادارة المجتمع – من قبلهم كاداره عالية الجودة وبقيم مستقرة
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد
.....................
(1) حيدر حب الله: جدل ومواقف في الشعائر الحسينية ص 68
(2) مطهري، فضل الله، شريعتي، نعمة الله صالحي







