عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عباس القسّام: كيف يمكن أن تكون المواسم الدينيّة سببا في تجزئة الأخلاق؟

لابدّ من الإشارة إلى المفهوم العام للموسم الديني، فهو شمولًا يشير إلى فترة زمنية محددة من العام ترتبط بشعائر، أو عبادات، أو إحياء لمناسبات تاريخية ومحورية في عقيدة أو ثقافة مجتمع. تكتسب هذه الفترات طابعاً جماعياً وتؤثر بشكل مباشر على السلوك الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المناطق التي تحتضنها.

تتوزع المواسم الدينية الكبرى على مدار السنة القمرية وتختلف طقوسها ووظائفها الاجتماعية، مثل موسم الحج (شهر ذي الحجة)، يركز على الطقوس الجغرافية والعبادية في مكة ومحيطها، ويرتبط تاريخياً بالتجارة واِلتقاء الثقافات والتنظيم الإداري السنوي، وينتهي بعيد الأضحى.

أو موسم شهر رمضان وعيد الفطر، ذلك الموسم العباديّ والاجتماعي الذي يقوم على الصيام والامتناع عن الطعام والشراب والفواحش مما ينطلقُ من اللسان، كما له أبعاد اقتصادية ملموسة تتعلق بنمط الاستهلاك، يليه عيد الفطر كإعلان لاِنتهاء هذه الفترة.

كذلك مواسم الزيارات المخصوصة والوفيات، فترات قصيرة ومكثفة ترتبط بوفاة أو ولادة شخصيات محورية في التاريخ الإسلامي (مثل ذكرى المولد النبوي، أو ذكرى وفاة علي بن أبي طالب، أو الزيارة الشعبانية).

ونشهد في هذه الأيام واحدا من أهمّ المواسم الدينيّة وهو شهر محرّم الحرام، يرتبط هذا الموسم بإحياء ذكرى واقعة الطف أو معركة كربلاء، التي قُتل فيها الحسين بن علي وأصحابه في صراع سياسي وعسكري مع جيش الدولة الأموية بطلب من يزيد بن معاوية وأصحابه.

يمتد الزخم الاجتماعي لهذا الموسم طوال الأيام العشرة الأولى من محرم، وصولاً إلى يوم عاشوراء (10 محرم)، ويتجسد في مجالس العزاء، والمواكب، والتمثيليات التاريخية (التشابيه)، وتوزيع الأطعمة ثوابًا. يمتد هذا الموسم رمزياً ليشمل شهر صفر أيضاً، لينتهي بزيارة الأربعين.

وعند تفكيك هذه الظاهرة من منظور بنيوي نجد أن لإحياء هذه الطقوس أبعاداً ووظائف ملموسة.

فعلى المستوى الانثروبولوجي والثقافي، إحياء المواسم الدينيّة هو حفظ للذاكرة الجماعية من الاندثار، وهو الآلية التي تحمي ثقافة الأفراد من الانغماس في الثقافات الأخرى.

كذلك يسهم في إعادة إنتاج الأنشطة الثفافية كالشعر، والخطابة، واللحن القصائديّ، وهو ما يخلق أرشيفاً ثقافياً متجدداً باستمرار يعطي الجماعة بصمة تميزها عن غيرها.

أما على المستوى الاجتماعي فظاهرة إحياء المواسم بالطقوس تسهم في تذويب الفوارق الطبقية، فغالبا يرتدي الجميع زياً موحداً (كالأسود في عاشوراء أو الأبيض في الحج)، ويجلس الغني والفقير على مائدة واحدة (المضائف والطبخ الجماعي). هذا الدمج المؤقت يقلل من حدة الاحتقان الطبقي داخل المجتمع ويوفر شعوراً بالمساواة المطلقة. وكذلك على أصعدة كثيرة لا يسعنا ذكرها لضيق المقام.

لو توغّلنا بين السطور وغادرنا الطبيعة الظاهرية للطقس الجماعي، -والتي ربّما تظهر بأبعاد واضحة وأقرب للمنطق المقبول- لوجدنا أن هناك ما هو أشبه بالنسق المضمر على مستوى الفرد والجماعة لتلك الطقوس، فهذا التأثير الإيجابيّ قد ينقلب لما هو عكس ذلك، بدل أن يحقق أبعاده المتعددة.

في إحياء التراث المقدّس تتداخل عوامل كثيرة جدا، حيث كلّ عامل ينفرد بشاكلته، ومادام عامل القداسة حاضرا صَعُبَ الفصل بين عوامل تعريف التراث المقدّس. فمن بين الغايات الواضحة التي يحقّقها نشاط إحياء التراث قد ينحرف بعضها عن الغاية المجرّدة، لتصبح غاية مقرونة بشكل ظاهري، ثم تتطوّر لتصبح شكلا بلا غاية، وبهذه الحالة فقد عامل إحياء التراث غايته وصار إسقاطا روتينيّا كأنّه فايروس ينتشر من جيل إلى جيل.

تعريفًا لغاية إحياء الموروث بالطقوس يجب الفصل بين مفهومين أساسيّين، أولا غاية إحياء الموروث نفسه، ثانيا الأبعاد الأخلاقيّة التي يقوم عليها هذا الموروث.

أمّا عن غاية إحياء التراث فلا شكّ أنها غاية فرديّة لا جماعية، إضافة للأبعاد الملموسة على مستوى الجماعة والمتأتّية من تطبيق تلك الطقوس إلا أنها تبقى ذات غاية فرديّة فحركة الجماعة نتيجة حركة فرد. وقد تتداخل بعض المفاهيم في طبيعة إحياء التراث بسبب طبيعة الطقوس التي تعتبر وسيلة أساسيّة.

أما عن الأبعاد الأخلاقية فالمشكلة الكبرى هي عدم الأخذ بالغايات الأخلاقية بشكل عام في كلّ زمان ومكان (مع مراعاة تغيّر الطبيعية السوسيولوجيّة).

فإحياء الموروث يجب أن نتخذه وسيلة تذكّرنا بالنظر إلى البعد الأخلاقي المحض، وليس وسيلة لتحقيق الأبعاد الأخلاقية في فترة إحياء الموسم.

بمعنى أننا بتلك النظرة التي تجعل من غاية الموروث الأخلاقية غايةً مقرونة بمدّة زمنيّة، وبهذه المدة نسعى لتطبيق الأبعاد الأخلاقيّة التي جاء بها الموروث وعليه قد اِقترنت الأخلاق بمدّة زمنية والنتيجة = تجزئة الأخلاق، والأخلاق مفهوم عام لا يمكن تجزئته مطلقًا.

بقطع النظر عن المبدأ الذي تقوم عليه طبيعة الأخلاق فهذا ليس موضوعي ولكن تطبيق الأخلاق يجب أن يكون عامّا لا مقرونا بزمان أو مكان!

فالغاية الأخلاقية واحدة سواءً قبل أو بعد أو في فترة المواسم الدينيّة التي من المفترض أن تحمل رسالةً أخلاقيّة للجميع.

وهذا ليس من تهذيب النفس بشيء بل هو تحوّل لإسقاط فرض خاوٍ، فتُرسم صورة نمطيّة في مستوى اللاوعي بأنّ هذه المواسم لها سلوكيّاتها الخاصة وفي سواها يخفّ العقاب. كأنّما المحاسبة مقصورة بمدّة زمنيّة والأخلاق متباينة التطبيق متناسبة مع طبيعة المدّة الزمنية.

يجب أن نتّخذ من تلك المواسم محطّة مراجعة لا سيطرة صارمة بمجرد عبورها نعود كما كنّا. فالأخلاق عامة والمواسم خاصة، ولا يمكن أن يكون العام جزءًا من الخاص، ففهي هذه الحالة لم تعد الأخلاق تمت للأخلاق بأي صلة بل صارت عادةً موروثة نخدع أنفسنا بها وماهي إلا ابتعاد عن الغايات التي قامت عليها حوادث تلك المواسم.

وفي واقع الأمر لا يخفى علينا عدم تطبيق المبدأ الأخلاقي حتى في فترة إحياء المواسم الدينية، فهذه كارثة كبرى، وهو ما جعل الأفراد يركّزون على طبيعة الطقوس ويتفنّنون بتلفيق ما أنزل الله من شكليات لا نعرفها قبل كذا سنة.

فمن جانب سيكولوجي فإن الفرد يشعر بنشوة الاِنتصار بمجرد الاِنغماس بتلك الطقوس فهو يعيشها بكل مايملك من مشاعر، وبقدر ما يركّز على الطقوسيات فهو يصرف نظره عن واقعه المرير، وهو مايخلق ضعف المواجهة واليأس والإحباط بعدما سلّم نفسه لتلك الطقوس.

فإنّ فصل الغاية عن التطبيق يخلق شكلا من أشكال غضّ البصر عن الواقع، وهو ما يزداد يوما بعد يوم، فالحسين صار رمزا للدماء والسواد والبكاء، بدلا من أن يكون بالدرجة الأولى رمزا للقوة والتفاني والعنفوان. وبذلك يمكن أن نراه رمزًا للبياض والحياة والارتقاء، فالبياض هو بياض القلوب والنقاء وروح السلام والمحبّة، والحياة هي العيش بكرامة وتمرّد ولو كان على حساب البقاء، فليس عيش هذا إن كان بلا كرامة، فالأولى أن ننتزع كرامتنا قبل أن نحيي تلك المواسم وقبل أن نتفنّن بالطقوس التي لا تمت للقضيّة الحسينيّة بشيء. أما الارتقاء فهو ارتقاء الذات في سماء الكلمة القوية السامقة.

***

عباس القسام

 

في المثقف اليوم