آراء

ليلى تبّاني: بربري ـــ أمازيغي.. هُوّية أسبقية أم حرّية؟

أنحن اكتشفنا هوياتنا أم أنّنا لها صانعون؟

حين نحاول مقاربة كلمة "أمازيغ" من زاوية فلسفية، فإنّنا لا نتعامل مع مجرد تسمية لغوية بل مع أثر طويل لمعنى يتجاوز اللغة إلى الوجود نفسه، لأن الاسم هنا لا يشير فقط إلى جماعة بشرية بل إلى تصور للإنسان عن ذاته وعن موقعه في العالم، ف"أمازيغ" بوصفها لفظة داخلية تنبثق من الذات الجماعية تحمل في طياتها فعل التسمية الذاتية، أي لحظة تقول فيها الجماعة لنفسها : "نحن لسنا ما يسمّينا به الآخر، بل نحن ما نختار أن نكونه" هنا، يظهر التوتر الفلسفي بين الاسم المفروض والاسم المختار، بين نظرة الآخر ونظرة الذات، وهو توتّر قديم في تاريخ الفكر الإنساني يعيد إنتاج نفسه في كل سياق حضاري.

إن المفهوم الذي يترجم غالبا ب "الحرية" في أصل كلمة أمازيغ لا ينبغي فهمه كحرية سياسية فقط، بل كحرية أنطولوجية، أي حرية في الوجود ذاته، حيث لا يُختزل الإنسان إلى دور أو صفة أو تصنيف خارجي، بل يُترك له مجال أن يعرّف نفسه بنفسه، وهذا المعنى يقودنا إلى فكرة أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل هي أفق للوجود، إذ إن الكلمات لا تصف العالم فقط بل تصنع حدود ما يمكن التفكير فيه، ومن هنا يصبح اختيار اسم أمازيغ فعلا فلسفيا بامتياز لأنه إعادة تأسيس للمعنى، ومقاومة رمزية لأي تصنيف اختزالي. في المقابل، فإن استعمال مصطلح "بربر" في التاريخ يفتح سؤالا فلسفيا آخر حول أفضلية العرق، فالكلمة نفسها، كما تشير جذورها التاريخية، ارتبطت بفكرة "الآخر الذي لا يُفهم"، أي ذاك الذي يُعرَّف من خلال غيابه عن لغة الأغلبية (اللاتينية)، وهذا يكشف آلية عميقة في تشكل المعرفة حيث تتحوّل اللغة إلى أداة للهيمنة الرمزية، لأن من يملك القدرة على التسمية يملك القدرة على تحديد المعنى، ومن هنا يمكن فهم كيف أن إعادة تسمية شعبنا بـ"أمازيغ" ليست مجرد استبدال لفظي بل هي إعادة توزيع للسلطة الرمزية، ومحاولة لاسترجاع الحق في تعريف الذات...

عندما ننظر إلى الأمازيغ في سياق تاريخي أوسع، فإننا نكتشف أنهم ليسوا مجرد بقايا حضارة قديمة بل فاعل تاريخي تداخل مع الفينيقيين والرومان والعرب وغيرهم، وهذا التداخل لا يعني الذوبان بل يشير إلى ديناميكية الهوية التي لا تُفهم كجوهر ثابت بل كعملية مستمرة من التفاعل والتحوّل، وهنا تقترب الفكرة من التصورات الفلسفية الحديثة التي ترى الهوية كـصيرورة  وليست جوهرا مغلقا، أي أن الهوية ليست شيئا نملكه بل شيء نصيره باستمرار.

فاللغة الأمازيغية نفسها، بتنوعها ولهجاتها، تحمل داخلها هذا المفهوم الحركي، فهي ليست لغة واحدة جامدة بل شبكة من التعبيرات التي تعكس تنوع التجربة الإنسانية داخل إطار ثقافي مشترك، وهذا التنوع يطرح سؤالا فلسفيا حول العلاقة بين الوحدة والتعدد، حيث لا يكون التعدد نقيضا للوحدة بل شرطا لها، لأن الوحدة الحقيقية ليست في التطابق بل في القدرة على احتواء الاختلاف . أما من زاوية فلسفة المعرفة، فإن دراسة الأمازيغ( الأمازيغ قصة شعب ) تكشف حدود السرديات التاريخية الكبرى، لأن كثيرا مما نعرفه عنهم ، مرّ عبر وسائط متعددة مثل المصادر اليونانية والرومانية ثم العربية ثم الاستعمارية، وكل وسيط أضاف طبقة من التأويل، وهذا يفرض على الباحث أن يتعامل مع التاريخ لا كحقيقة مطلقة بل كحقل من التأويلات المتراكمة، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءة الماضي من خلال تفكيك هذه الطبقات.

في هاته الحالة يتحوّل سؤال "ما هو الأصل؟"  إلى سؤال أعمق" هل الأصل ثابت أم أنه هو نفسه خاضع لإعادة التأويل؟ وهل الهوية شيء نكتشفه أم شيء نصنعه؟ إن كلمة أمازيغ تقترح إجابة ضمنية مفادها أن الهوية ليست معطى جاهزا، بل فعل مستمر من التسمية والاعتراف، وأن الحرية ليست فقط حقا سياسيا بل هي شرط وجودي لكي يكون للإنسان معنى، ومن هنا فإن التفكير في الأمازيغ ليس فقط دراسة لشعب من الشعوب بل هو تمرين فلسفي على فهم كيف يُبنى المعنى، وكيف يتحول الاسم إلى مرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الذي يعيش فيه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

في المثقف اليوم