عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جودت هوشيار: الحلاقة الشقراء المرحة

كان المبنى جميلاً، حديثاً، بواجهة زجاجية تعكس أضواء الشارع. خلف الزجاج كانت الستائر مسدلة، والأنوار مضاءة في الداخل، على الرغم من أن المكان بدا هادئاً من الخارج.

دفعت الباب ودخلت.

كانت الحلاقة وحدها في الصالون. شابة شقراء، تقف أمام المرآة الكبيرة وتدور ببطء، مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، ثم تلتفت لترى نفسها من الخلف.

كانت ترتدي بنطالاً أسود من الكتان الناعم، منخفض الخصر، وتيشيرت أسود قصيراً، على طريقة موضة تلك الأيام. وبين البنطال والتيشيرت ظهرت سرتها وشريط ضيق من بشرتها البيضاء.

لمّا رأتني في المرآة، توقفت عن الالتفات وأشارت إلى مقعد الحلاقة الفارغ.

جلست.

اقتربت مني، ووضعت المنشفة حول عنقي، وسألتني عمّا أريد.

قلت:

- أرجو أن تخففي شعري قليلاً

رفعت المقص، ونظرت إليّ في المرآة، ثم سألت بكل جدية:

- من الأعلى أم من الأسفل؟

ثم انفجرت ضاحكة.

نظرت إليها مستغرباً. قلت:

- لماذا تضحكين؟ هل قلت شيئاً مضحكاً؟

حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها عادت إلى الضحك، ثم قالت:

- تذكرت رجلاً جاء إلى هنا قبل أيام

سكتت لحظة، ثم تابعت:

- قال لي مثلما قلت أنت: "خففي شعري قليلاً". فسألته: من الأعلى أم من الأسفل؟

توقفت عن الضحك، ونظرت إليّ في المرآة.

- فقال لي:

- من الأعلى. أما الأسفل فأهتم به بنفسي

وعادت إلى الضحك.

هذه المرة ابتسمت أنا أيضاً.

بدأت تقص شعري، وهي لا تزال تبتسم كلما تذكرت جواب الرجل.

قلت لها:

يبدو أنه كان زبوناً طريفاً.

قالت:

-جداً. ظللت أضحك بعد أن خرج

ثم ساد الصمت إلا من صوت المقص.

كانت خصلات شعري تتساقط على المنشفة، وهي تتحرك حول رأسي بخفة ومهارة. وبين حين وآخر كانت تنظر إليّ في المرآة، فألتقي بعينيها، فنبتسم من غير كلام.

بعد دقائق، قالت:

- انتهينا

نظرت إلى نفسي في المرآة. كان شعري أخف فعلاً، وتسريحته كما أردت.

نهضت، وأخرجت النقود

- يبدو أن هذا السؤال سيظل عالقاً في ذاكرتك طويلاً

ابتسمت وقالت:

- ربما لن أنساه ما حييت

خرجت إلى الشارع، وما زالت ابتسامتها وضحكتها ترنان في أذني.

ومنذ ذلك اليوم، كلما دخلت صالون حلاقة وسمعت الحلاق يسألني: ماذا تريد؟ أتذكر الحلاقة الشقراء المرحة، وأحرص على أن أقول فوراً:

- من الأعلى فقط!

***

د. جودت هوشيار

 

في نصوص اليوم