الظمأ
منذ غرق ابنه، يقيس دجلة كل صباح بعصا طويلة. يغرسها عند الضفة، ويتفحّص حدّ البلل على الخشب. يعود إلى المقهى بطين عالق بنعليه، ويقول إنّ النهر انخفض ثلاث إنشات.
هذا الفجر، عصاه ملقاة على الضفة. ارتفعت مياه دجلة ثلاث إنشات. بين القصب، يصفع الماء قميص الأب.
***
الرسالة
وصلت الرسالة بعد موت أبيه بأسبوع. عرف خطّه على الظرف. كان يدرس، فوضع قلمه بين صفحتين وفتحها.
«سامحني يا ابني. إخوتك كُثُر، ومن بعدي سيصير الحمل عليك».
قرأها، ثم أعادها إلى الظرف. من المطبخ سمع أخته تحصي لأمّه ما بقي من الطحين. أغلق الكتاب، والقلم في داخله.
في الصباح، حمل كتبه إلى مكتبة تشتري الكتب المستعملة. وضعها على الطاولة، وأخرج القلم من الكتاب قبل أن يتركها هناك.
***
السّر
احتفظت أمّه بحذائه الصغير ثلاثين عاماً، في صندوق تحت سريرها. بعد موتها، نفض إحدى فردتيه، فسقط منها خيط صيد قديم، تتدلّى منه سنّارة أكلها الصدأ.
التقطها بحذر. كان يحشو الخيط في مقدّمة الحذاء قبل أن يعود إلى البيت، ويمسح نعليه بالتراب اليابس. تسأله أمّه إن كان قد ذهب إلى النهر، فيقول إنّه كان عند أصحابه.
تذكّرها واقفة أمامه عند الباب، تنتظر أن يرفع عينيه وهو يجيب.
***
فؤاد ميرزا بغدادي








